سورية اليوم أكثر من جغرافيا أو صراع

0

سورية هي أسطورةٌ تنتظرُ أن تُروى من جديد. في هذا المقال، سنخرج من سياق الخطابات التقليدية لنرسمَ رؤيةً مبتكرةً ونفتح آفاقاً للتفكير خارجَ الصندوق.

1- سورية اللغز: من مفارقة الجغرافيا إلى مفارقة السياسة

من عجائبِ التاريخِ والجغرافيا أنّ سورية ذات الخريطة الضيقة يمكنُها أن تحتضنَ تنوعاً حضارياً وثقافياً لا يضاهيه إلى رحابٍ سوى إمكاناتِها السياسية. هذه المفارقة تدعونا إلى إعادة قراءة الدولة: ليست وحدها الجغرافيا أو النظامُ السياسيُّ، بل هي شبكةٌ حيويةٌ من علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية.

أهمية مقالي تكمنُ في اقتراحِ التفكيرِ بسوريةٍ بلا «مركزٍ» صارم ولا «هامشٍ» مُهانٍ، بل بمساحة متكاملة من الشراكة والتمثيل المتبادل.

2- التعايشُ المعاكسُ للتوقعات: بناءُ مؤتمرٍ وطنيٍّ غير تقليدي

مع أن الحديث عن «حوارٍ وطنيّ» يبدو مألوفاً، إلا أن نقترحَ هنا مؤتمراً يُقام في وسط سورية، حيث يجتمعُ ممثلون عن القُرى والبلدات من الجنوب إلى الشمال، بلا بروتوكولاتٍ رسميةٍ تقليدية. يلتقونَ تحت ظلالِ الوطن فقط، يتشاركونَ وجبةَ الخبز والتمر، ثم يجلسونَ في حلقاتٍ مصغرةٍ لمناقشةِ أركان الدولة الجديدة: الحوكمة الشفافة، العدالة الانتقالية، والإدارة المحلية.

هذا المؤتمر لن يعلن «بياناً نهائياً» فحسب، بل سيصوغُ «ميثاقَ تعاونٍ ينبثقُ من اجتماعاتٍ ميدانيةٍ مباشرةٍ»، ما يكسرُ حاجزَ البيروقراطية وينقلُ القرارَ إلى الشارع.

3- سورية ما بعد النزاع: الاقتصادُ التشاركيّ بوصفه فضاءً للتوازن السياسيّ

حينَ نخاطبُ الأروقة السياسية، نشيرُ هنا إلى «اقتصادٍ تشاركيٍّ» ينبعُ من المجتمع المدني نفسه. تخيلوا تعاونياتٍ زراعيةٍ في سهلِ الغاب، ومجموعاتٍ نسائيةٍ في حلب تُديرُ مشاريع صغيرة لتصنيعِ زيت الزيتون والتوابل، وشبكاتٍ تقنيةٍ في دمشق تطورُ منصاتٍ للتعليم عن بُعد.

هذا النموذجُ الاقتصاديّ لا يقتصرُ على التخفيف من بؤس الفقر فحسب، بل يُرسّخُ فكرةَ المشاركةِ في صنع القرار الاقتصادي، وينشئُ قاعدةً سياسيةً صلبةً تُحدّ من وساطةِ المؤسسات التقليدية.

4- رقمنةُ التمثيلِ الشعبيّ: من المعاملات إلى الانتخابات

تقنيّةُ البلوك تشين (السلسلة الكُتُلية) ليستْ حكراً على العملاتِ الرقميّة، بل يمكنُها ضبطُ الانتخابات المحلية، وحفظ سجلّاتِ المساهمات المدنية، وضمان الشفافية في توزيعِ المساعدات.

باستخدام هذه التكنولوجيا، يمكنُ لكلِّ مواطنٍ تسجيلُ رأيه في مشروعٍ أو قرارٍ محليّ على تطبيقٍ بسيطٍ على هاتفه، فتُجمعُ البياناتُ ويصدرُ بعدها قرار جماعيّ يعكسُ إرادةَ الشارع دون وسطاءَ تقليديين.

5- الدورُ الدبلوماسيّ التشاركيّ: سوريةُ في عيون السوريين

بدلاً من استئنافِ المفاوضات في عواصمِ العالمِ بعيداً عن المواطنين، نقترحُ بعثَ «وفدٍ سوريٍّ تشاركيّ» يُمثّلُ شرائحَ المجتمع: شيوخَ العشائر، شركاءَ في القطاع الخاص، ناشطاتٍ مدنيات، رجالَ دينٍ من مختلفِ المذاهب، وشبابَ ثائرين على الهامش، رجال سياسة وإدارة بارعين.

يقومُ هذا الوفدُ بجولاتٍ داخلَ البلدِ أولاً، يستمعُ لحكاياتِ الناسِ ومشاكلِهم، ثم يغادرُ إلى عواصمِ الجوارِ والدولِ الكبرى، لحملِ صوتِ المواطن السوريِ الحقيقيِّ.

خاتمةٌ تُحاكي المستقبلَ

إذا أردنا أن تستمعَ أروقةُ السياسة السوريةُ إلينا، فلن نتلوَّ على القارئِ الرواياتِ نفسها. علينا أن نُبتكرَ صيغةً مرنةً، تجمعُ بين التجربةِ المحليةِ والآلياتِ العالميةِ، وتفاجئُ العقلَ السياسيَّ بمنهجيةٍ جديدةٍ تعتمدُ على المشاركةِ الحقيقيةِ وتقسيمِ السلطةِ من الأسفل إلى الأعلى.

سوريةُ المستقبل لا تُبنى بأحلامٍ مؤجلةٍ، ولا باتفاقياتٍ تُفرض من بعيد، بل بشراكاتٍ يوميةٍ بين الدولةِ والمجتمع، يكتبها السوريونَ على أرضِهم، بقراراتٍ شفافةٍ، وتوافقٍ شاملٍ ينبثقُ من قلبِ الصحراءِ والغاباتِ والمدن.

دعوةٌ لكلِّ سياسيٍّ سوريٍّ: جرب مؤتمراً بلا مكاتبَ رسمية، واقتصاداً بلا احتكارٍ، ودبلوماسيةً بلا وساطةٍ، لترى كيف يتحولُ نقاشُ اليوم إلى توافقٍ يبني سورية الغد.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني