سوريا ما بعد الأسد.. هل يمكن بناء الثقة؟
غياب الثقة في سوريا بعد سقوط النظام: الحلقة المفقودة في بناء الدولة
غياب الثقة بعد سقوط النظام ليس عرضاً جانبياً، بل هو جوهر الأزمة القادمة. وبدون العمل الجاد على ترميم النسيج الاجتماعي عبر العدالة، والشفافية، والمشاركة، فإن إعادة الإعمار السياسي والاجتماعي ستكون مجرد بناء هش فوق أرض مهتزة.
لأن الثقة ليست مجرد شعوراً، بل هي نظام متكامل من العدالة والكرامة والمساواة.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، تعيش سوريا حالة من التفكك المجتمعي العميق، تعكسها حالة من انعدام الثقة بين الأفراد والمكونات المختلفة. هذه الثقة الغائبة لا يمكن اعتبارها حدثاً عابراً لأحداث معينة، بل هي محور أساسي في فهم طبيعة الأزمة السورية، وتحديد ملامح مستقبلها.
ولا بدّ لنا قبل كل شيء من أن نقف عند تعريف بسيط للثقة التي نطمح الوصول إليها ولعلها تكون هي الاطمئنان القائم على توقعات إيجابية حول نوايا وسلوكيات الآخرين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات. في سياق المجتمعات، الثقة تمثل الملاط الذي يربط الأفراد والمكونات ببعضها ويجعل التعايش السلمي والتعاون المجتمعي ممكنين. وهي ما يسمح بوجود نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يعمل بكفاءة، ويقلل من الحاجة للرقابة أو القمع أو حتى التشريعات المفرطة.
في المجتمعات الطبيعية، تُعد الثقة حجر الزاوية لأي عملية تواصل أو تعاون. وهي الرابط غير المرئي الذي يجعل الناس قادرين على العمل معاً، مع تقاسم الموارد، وحل النزاعات. لكن في سوريا، وعلى مدار عقود، سعى النظام إلى تفكيك هذا الرابط. عبر القمع، والتجسس، وتأجيج النزعات الطائفية، وتحوّل الخوف إلى سمة ملازمة للعلاقات الاجتماعية.
الثقة في السياق السوري قبل سقوط النظام
في الحالة السورية مغيبة بالمطلق لأن النظام السياسي الشمولي السابق اعتمد على. تفتيت البنى الاجتماعية عبر تأجيج الطائفية والمناطقية.
وانتهاج سياسات قمعية ولّدَت خوفاً، وريبة بين الأفراد، حتى داخل العائلة الواحدة. مع أجهزة أمنية زرعت الشك والتوجس في كل علاقة اجتماعية. وبعد سقوط النظام، ظهرت هذه التشققات على السطح وإنّ غياب الدولة المركزية أدى إلى فراغ أمني وإداري. وكذلك تصاعد الخطاب الطائفي والإثني زاد من هشاشة الروابط الوطنية.
ناهيك بانتشار الفصائل المسلحة الذي خلق بيئات مليئة بالريبة وانعدام الأمان.
وبعد سقوط النظام، لم تجد سوريا أرضية صلبة لإعادة بناء علاقاتها الداخلية. لأن الفصائل المسلحة حلّت محل الدولة، والمناطق تقاسمتها الولاءات الطائفية والإثنية، فيما غاب الصوت الوطني الجامع. ومع كل محاولة للحديث عن مصالحة، تقف مشاعر الريبة، والذكريات المثقلة بالعنف، حائلاً أمام أي تقارب واقعي حقيقي.
الواقع يُظهر أن استعادة الثقة لن تكون ممكنة دون مشروع وطني شامل يتناول جذور الأزمة، لا أعراضها. العدالة الانتقالية يجب أن تكون في صدارة هذا المشروع. لا يمكن تجاوز الماضي دون كشف حقيقته، ومحاسبة من يستحق، وتعويض من يستحق، ضمن إطار قانوني وأخلاقي بعيد عن الانتقام.
كذلك، لا بد من بناء مؤسسات جديدة، تكون محايدة، شفافة، وممثلة لجميع السوريين. هذه المؤسسات التي تستمد شرعيتها من قوة القانون، لا من القوة العسكرية أو المحاصصة الطائفية. الإعلام الحر والمجتمع المدني هما الآخران مطالبان بلعب دور محوري في ترميم الوعي الجماعي.
وربما الأهم على المدى البعيد، هو إصلاح التعليم في كل مراحله فالأجيال القادمة لن تبني وطناً إنْ لم تتعلم احترام الآخر، وقبول الاختلاف، وفهم التاريخ بشكل نقدي، لا دعائي.
لأن التحديات ضخمة، من ذاكرة الدم، إلى التدخلات الخارجية، مروراً بانعدام المرجعيات الوطنية. لكن رغم كل ذلك، فإن بناء الثقة ليس حلماً طوباوياً. هو عملية صعبة، لكنها ضرورية. وبدونها، ستبقى سوريا عالقة في دوامة من الشك، والعنف، والانقسام.
وليعلم السوريون وليصلوا إلى قناعة مطلقة بأن الثقة ليست ترفاً سياسياً. بل إنها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة. وسوريا لن تنهض إلا إذا وُضعت هذه الكلمة في قلب كل مشروع وطني قادم.