
سوريا في مفترق الطرق التأسيس الوطني أم إعادة إنتاج الأزمة
صفوان جمّو
منذ مؤتمر النصر في 29 كانون الثاني 2025 دخلت سوريا مرحلة انتقالية حساسة تتجاوز مجرد تغيير السلطة إلى تحدي بناء دولة مستقرة وعادلة. ولتحقيق ذلك يبرز الحوار الوطني الشامل كضرورة قصوى شرط ألا يظل شعاراً نظرياً يصطدم بواقع الانتصار العسكري. فالانتقال الحقيقي يتطلب آليات واضحة تضمن مشاركة الجميع دون إقصاء أو تبعية وتحويل موازين القوى إلى عقد اجتماعي عملي يضمن المواطنة وسيادة القانون للكل.
في هذا السياق يشكل التفاهم مع السويداء أولوية وطنية. السويداء ليست هامشاً جغرافياً بل مكوّناً أصيلاً من النسيج السوري. المطلوب مقاربة سياسية هادئة تقوم على الحوار المباشر ومعالجة المخاوف المشروعة وضمان مشاركة فعلية في إدارة الشأن العام. أي توتر في الأطراف ينعكس على المركز، وأي استقرار في الأطراف يعزز وحدة البلاد ككل.
يُمثل الإعلان الدستوري (13 آذار 2025) الركيزة الأساسية للمرحلة ويستوجب مراجعته لضمان التوازن السياسي والتنموي وذلك عبر تحديد صلاحيات الرئيس بدقة لتكريس فصل السلطات ومنع التفرد بالحكم واعتماد اللامركزية الإدارية كحل لتمكين المناطق خدمياً وتقريب القرار من المواطن. ويجب أن تعكس هذه المراجعة توافقاً حول اسم الدولة ليكون هوية جامعة تعبر عن تنوع الشعب السوري ولا تقصي أحداً.
لنجاح المرحلة الانتقالية يجب الانتقال من الإعمار الأسمنتي إلى تنمية إنتاجية قوامها الزراعة والتكنولوجيا. فالاستقرار يبدأ بتحديث القطاع الزراعي عبر الري الذكي وتحسين التسويق لضمان الأمن الغذائي واستقرار الريف. وبالموازاة تشكل التكنولوجيا محركاً للاقتصاد الجديد من خلال دعم الشركات الناشئة والاستثمار في الطاقة المتجددة هذا التكامل بين زراعة حديثة وتقنيات متطورة هو ما سيربط سوريا بالاقتصاد العالمي ويخلق فرص عمل حقيقية للشباب.
كما أن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تمثل حجر الزاوية في أي انتقال ناجح هذه الثقة تُستعاد عبر مؤسسات قوية وعدالة انتقالية متوازنة وضمان الحريات الأساسية ضمن إطار القانون الدولة القادرة ليست الدولة القمعية بل الدولة التي تنظّم الحياة العامة وتحمي الحقوق وتُخضع الجميع للمساءلة.
المرحلة الانتقالية ليست مجرد عبور زمني بل فرصة تاريخية. إما أن تتحول إلى مسار تأسيسي يعيد بناء سوريا على قاعدة الوحدة والتعدد أو أن تبقى مرحلة هشّة تعيد إنتاج الأزمات.
إن عبور هذه المرحلة بنجاح يتطلب ما هو أكثر من مجرد إطارات قانونية سوريا اليوم بحاجة ماسة إلى عقل بارد وإرادة سياسية شجاعة تتجاوز لغة الشعارات. فرغم الخطوات المنجزة إلا أن الأداء الحالي للسلطة يحتاج إلى واقعية أكبر في ملامسة أوجاع الناس والابتعاد عن مركزية القرار التي قد تعيق الانفتاح المطلوب. بناء الدولة لا يتحقق بفرض الإرادة بل بـ التفاهمات الصعبة والعمل التراكمي الذي يثبت للمواطن أن الاستقرار ليس مجرد غياب للحرب بل هو نتاج عدالة ملموسة تبدأ من الداخل وتُبنى على الثقة.