سوريا بين دولة المواطنة وسجون الطوائف

0

في سوريا.. كما في كثير من بلدان الشرق والعالم العربي.. لم يكن التنوع يوماً مشكلة بحد ذاته.. بل كان على الدوام علامة غنى تاريخي وثقافي.. ودليلاً على عمق هذا المجتمع وتعدد روافده. المشكلة لم تكن في الاختلاف.. بل في الطريقة التي جرى فيها استثماره سياسياً.. وتحويله من مساحة تفاعل وتكامل إلى ساحة خوف وتوجس متبادل.

حين يُغذّى الخوف بين المكونات.. وتُصاغ لكل جماعة رواية دائمة عن تهديد وجودي قادم من الآخر.. يتحول المجتمع تدريجياً إلى جماعات مغلقة.. كل منها تبحث عن الأمان في داخلها لا في وطنها. ومع الزمن.. يصبح الخوف بنية راسخة في الوعي العام.. لا مجرد حالة عابرة.. وعندها يسهل توجيه الناس.. ويسهل منعهم من التفكير بمشروع جامع يتجاوز الانقسامات ويعيد تعريف العلاقة بينهم على أساس المواطنة.

الطائفية في ظاهرها تقدم وعداً بالحماية.. لكنها في حقيقتها تنتج ضعفاً شاملاً. فهي قد تمنح شعوراً آنياً بالتضامن داخل الجماعة.. لكنها تفتت الفضاء الوطني العام.. وتضعف فكرة الدولة نفسها. الدولة لا تُبنى على توازن المخاوف.. ولا تستقر على معادلات الردع المتبادل.. بل تقوم على عقد اجتماعي واضح.. يساوي بين مواطنيها أمام القانون.. ويجعل العدالة مرجعية عليا لا تخضع لموازين القوى.

المشكلة ليست في الدين.. ولا في الانتماءات الثقافية أو القومية.. فهذه عناصر طبيعية في أي مجتمع حي. الخلل يبدأ عندما تُختزل هذه الهويات في بعدها السياسي.. وتُستخدم كأدوات تعبئة وصراع. الدين قيمة روحية سامية يفترض أن تسمو بالإنسان.. لا أن يُستدعى لتبرير الإقصاء أو احتكار السلطة. وحين يعلو خطاب التحريض.. تتراجع لغة العقل.. ويضيق المجال أمام أي تفكير هادئ في مستقبل مشترك.

المعركة الحقيقية في سوريا اليوم ليست بين طائفة وأخرى.. بل بين تصورين لمستقبل البلاد. تصور يريد دولة لكل مواطنيها.. يكون فيها القانون فوق الجميع.. وتُصان فيها الكرامة الإنسانية بلا تمييز. وتصور آخر يجد في الانقسام بيئته المثلى.. ويستمد بقاءه من استمرار القلق وتغذية المخاوف.

الخروج من هذا المأزق لا يبدأ بشعارات كبرى.. بل بوعي هادئ يعيد ترتيب الأولويات. وعي يدرك أن التنوع قوة حين يُدار بعدالة.. وضعف حين يُستثمر بالخوف. وعي يضع بقاء الوطن فوق بقاء النفوذ.. ويؤمن أن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه الترهيب.. بل تصنعه العدالة والمصالحة والثقة المتبادلة.

سوريا لا ينقذها خطاب طائفي.. بل ينقذها مشروع وطني جامع.. ودولة تحترم الإنسان بوصفه مواطناً كاملاً قبل أي انتماء آخر.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني