
سوريا بين الأمس واليوم: التكلفة الحقيقية لتكميم المجال العام
مرعي الرمضان
في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل: كيف يُصنع القرار، وبأي معلومات، ولصالح من؟
حين تُعامل الكلمة كاشتباه، ويُطلب من المواطن إثبات “سلامة موقفه” قبل أن يتكلم، يتحول الحق إلى امتياز، وتبدأ كلفة صامتة تتراكم على الدولة والمجتمع معاً. إن الدولة لا تضعف بكثرة الأصوات، بل بغياب التصحيح المبكر؛ فإقصاء النقد يقطع التغذية الراجعة التي تمنع الخطأ قبل توسعه. وعندما يُدفع الناس إلى الصمت، تتمدد الشائعة كمصدر بديل للمعلومة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويرتفع ثمن كل قرار إداري. هذه ليست كلفة معنوية فقط؛ إنها كلفة حوكمة مباشرة.
الأبعاد الاقتصادية والبيئة الطاردة
لكن الكلفة الأعمق اقتصادية أيضاً؛ إذ إن إغلاق المجال العام يصنع بيئة طاردة:
• الكفاءات: تهاجر حيث تُصان المهنية والقيمة المضافة.
• الرساميل: تبحث عن فضاء قابل للتنبؤ وسيادة قانون واضحة، لا مزاج سلطات متبدلة.
لذلك، فإن تقييد الرأي لا يضر الحريات وحدها، بل يضرب الإنتاجية، ويضعف الاستثمار، ويقلص فرص التعافي المنشودة.
مركز القرار والشرعية ثلاثية الأبعاد
لهذا لا تكفي خرائط السيطرة لفهم سوريا اليوم؛ فمركز القرار الحقيقي ليس مبنىً رسمياً فقط، بل هو كل عقدة تأثير تمتلك قدرة فعلية على الأمن، والخدمة، والمال، والشرعية. والشرعية هنا المقصود بها هي شرعية ثلاثية الأبعاد:
1. شرعية قانونية: تتمثل في الاعتراف المؤسسي الواضح.
2. شرعية خدمية: تتمثل في القدرة على تلبية احتياجات الناس الأساسية.
3. شرعية اجتماعية: تتمثل في القبول المحلي والاستجابة المجتمعية.
من هنا يبدو المشهد السوري أقرب إلى تقاسم وظيفي منه إلى تقاسم جغرافي: من يضبط الأمن، ومن يدير الخدمات، ومن يتحكم بالإيراد، ومن يمثل المجتمع. قد تبدو الدولة موحدة شكلياً، بينما تتوزع وظائفها عملياً بين فاعلين متعددين. والتحدي الحقيقي ليس في إنكار هذا الواقع، بل في إعادة جمع هذه الوظائف ضمن معمار دولة واحدة، عبر مبدأ حاكم لا استثناء فيه وهو: سيادة القانون فوق الجميع.
ضرورة تنظيم الاختلاف
الخطر الحقيقي ليس في التعدد بحد ذاته، بل في إدارته بعقلية الإقصاء. إن إغلاق المجال العام لا ينتج استقراراً مستداماً؛ بل يؤجل أزمة الثقة، ويضعف دقة القرار، ويرفع كلفة الإصلاح لاحقاً. وفي بلد يخرج من حرب طويلة، يصبح تنظيم الاختلاف ضرورة سيادية لا ترفاً سياسياً.
إن سوريا لا تحتاج إلى “صوت واحد”، بل إلى قواعد واحدة: قانون واضح، كفاءة في الإدارة، ومساءلة متساوية. كما أنها لا تحتاج إلى حراس رأي، بل إلى مؤسسات تسمع وتتحقق وتصحح.
الخاتمة:
الدولة التي تخاف من النقد تبدو قوية لوقت قصير، ثم تستنزف نفسها بصمتٍ مكلف. أما الدولة التي تحمي الكلام المسؤول، فتبني شرعية أمتن، وتنتج قراراً أدق، وتفتح طريقاً واقعياً نحو استقرار مستدام.