روسيا وسياساتها الخارجية في أوكرانيا والشرق الأوسط (2-3)

0

هذا التقرير هو مجموعة إجابات السيد ديميتري بريجيه المحلل السياسي والباحث في الشأن السياسي الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية على أسئلة وجهتها صحيفة نينار برس المرخّصة في تركيا وهي قيد الترخيص في سوريا.

ثالثاً: روسيا وعلاقاتها مع الغرب بعد الحرب الباردة ودور القوة النووية

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، انفتحت صفحة جديدة في العلاقات بين موسكو والغرب. ظن البعض آنذاك أن الحرب الباردة قد انتهت إلى غير رجعة، وأن روسيا “الجديدة” ستنخرط في علاقات تعاون متوازنة مع الغرب وربما تصبح شريكاً كاملاً في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن ما جرى فعلياً خلال العقود التالية كان مغايراً لهذه التوقعات المتفائلة؛ فبدل التحالف الوثيق، شهدنا توترات متصاعدة وفشلاً في تحقيق اندماج روسيا ضمن المنظومة الغربية. هنا سنحلل لماذا أخفقت روسيا والغرب في بناء علاقة متوازنة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم نعرج على مكانة السلاح النووي في الإستراتيجية الروسية الراهنة وكيف تعول عليه موسكو لمعادلة موقعها العالمي رغم انكشاف محدودية قدراتها التقليدية في حرب أوكرانيا.

1- مرحلة ما بعد السوفييتية: وعود وآمال لم تتحقق: في أوائل التسعينيات، كانت روسيا تمر بمرحلة انتقالية عاصفة – انهيار اقتصادي ومؤسساتي، وبحث عن هوية جديدة. في تلك الفترة، انضوت موسكو نسبياً تحت راية التعاون مع الغرب: فالرئيس بوريس يلتسين تبنى إصلاحات اقتصادية ليبرالية بوحي من خبراء غربيين، وانضمت روسيا إلى مؤسسات مثل مجموعة الدول الصناعية الكبرى (G8)، بل ووقع الناتو معها اتفاق شراكة (مجلس روسيا-الناتو عام 1997) لطمأنتها بشأن الأمن الأوروبي. ورحّب الغرب ببعض الخطوات الروسية كانسحاب الجيش الأحمر من أوروبا الشرقية وتخلي موسكو طوعاً عن أعباء الحرب الباردة. بدا كأن روسيا تسعى لتصبح “عضواً طبيعياً” في النظام الدولي الغربي – حتى أن مسؤولين روس ناقشوا فكرة الانضمام إلى الناتو أو الاتحاد الأوروبي ولو نظرياً. لكن سرعان ما ظهرت خلافات جوهرية قوضت هذا المسار:

  • شعور روسي بالتهميش والإملاء: استاء كثير من الروس مما اعتبروه استغلالاً غربياً لضعفهم. تمثل ذلك اقتصادياً في وصفات “العلاج بالصدمة” النيوليبرالية التي ساهمت في انهيار مستوى المعيشة وصعود فئة قليلة من الأثرياء (الأوليغارشية) على حساب غالبية الشعب، ما خلق انطباعاً بأن الديمقراطية الليبرالية جاءت بالفوضى والفقر. وعلى الصعيد الإستراتيجي، فوجئت موسكو بتوجه الغرب نحو توسيع الناتو شرقاً بالرغم من تعهدات شفوية سابقة – فضم بولندا وتشيكيا والمجر عام 1999، ثم موجة أوسع شملت دول البلطيق وشرق أوروبا 2004. هذه الخطوات اعتبرها الروس نقضاً لروحية التفاهم بعد الحرب الباردة وتجاهلاً لمصالحهم الأمنية. وشعروا أن الغرب يتعامل معهم كطرف مهزوم مطلوبٍ منه الإذعان للترتيبات الجديدة دون ضمان دور فعّال له.
  • اختلاف القيم والنظم السياسية: مع منتصف التسعينيات وبداية الألفية، تباعد المسار السياسي الداخلي لروسيا عن المثال الديمقراطي الغربي. فبعد فوضى يلتسين، جاء بوتين حاملاً مشروع استعادة الدولة القوية وتركيز السلطة، ما أدى لتراجع نسبي في الحريات السياسية مقابل الاستقرار. بالمقابل، واصل الغرب انتقاد سجل موسكو في حقوق الإنسان وحالات مثل حرب الشيشان وتضييق الخناق على الإعلام والمعارضة. هذه الفجوة القيمية عمّقت عدم الثقة: الروس رأوا الانتقادات الغربية تدخلاً واستعلاءً ومحاولة لفرض نمط سياسي يهدد سيادتهم، فيما نظر الغرب بقلق إلى ارتداد روسيا نحو الحكم السلطوي وما قد يعنيه ذلك لطموحاتها الخارجية.
  • أزمات أواخر التسعينيات وبروز نهج جديد: شهد عام 1999 حدثين عمّقا الشرخ: قصف الناتو لصربيا (حليفة روسيا التقليدية) دون تفويض أممي وبشكل تجاوز الخطوط الحمراء لموسكو، ثم وصول بوتين إلى السلطة في نهاية العام. قصف كوسوفو اعتبرته روسيا إهانة مباشرة وتجاهلاً لدورها في أوروبا، ما دفع حتى رئيس الوزراء يفغيني بريماكوف آنذاك لإصدار رد فعل رمزي شهير (الدوران بطائرته فوق الأطلسي والعودة احتجاجاً وهو في طريقه لواشنطن). أما بوتين فسرعان ما أوضح في سنوات حكمه الأولى أنه لن يقبل بانفراد الغرب بالقرارات الأمنية في أوروبا دون اعتبار لمصالح بلاده. ورغم أنه سعى بدايةً لعلاقات جيدة (ساهم مثلاً في دعم الحرب الأمريكية على الإرهاب بعد 2001 وسمح لقوات أمريكية بعبور روسيا إلى أفغانستان)، إلا أنه شعر بالخذلان لاحقاً: توسع الناتو استمر ليشمل دول البلطيق على حدود روسيا، والولايات المتحدة انسحبت 2002 من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) ما أقلق موسكو، ثم جاءت حرب العراق 2003 لتؤكد أن واشنطن تتصرف منفردة غير عابئة بمواقف روسيا المعارضة. كل هذه التطورات رسمت صورة لدى القيادة الروسية مفادها أن الغرب لن يمنح روسيا دور “الشريك الندّ” الذي تطمح إليه، بل يريد منها البقاء في موقع التابع أو في أحسن الأحوال المتلقي. وهكذا، بدأ تدريجياً نهج روسي مناهض للهيمنة الغربية، تبلور بوضوح في خطاب بوتين الشهير عام 2007 في مؤتمر ميونخ للأمن حيث انتقد بشدة نظام الأحادية القطبية وسياسات واشنطن التوسعية، معلناً أن روسيا ستدافع عن مصالحها بقوة.

2- لماذا لم تنشأ علاقة متوازنة حقاً؟ العلاقة المتوازنة تفترض شعوراً بالندية والاحترام المتبادل للمصالح الأمنية. هذا ما لم يتحقق بين روسيا والغرب لعدة أسباب جوهرية:

  • غياب إطار أمني شامل يضم روسيا: بعد الحرب الباردة، لم يُنشأ هيكل أمني أوروبي جديد يدمج روسيا. توسع الناتو كان إطاراً غربياً بحتاً، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي بقيت منتدى فضفاضاً. بمعنى آخر، لم تُمنح روسيا دوراً صانعاً للقرار في الأمن الأوروبي، بل وُضع أمامها أمر واقع. حاولت موسكو لاحقاً اقتراح معاهدات أمنية جديدة (مثال: اقتراح ميدفيديف 2008 لمعاهدة أمن أوروبي شامل) لكن قوبلت بفتور. هذا الخلل البنيوي جعل موسكو دائماً تشعر بالتهديد والتجاهل، فيما رأى الغرب أن إشراك روسيا بعمق قد يقوّض حرية قراره أو يشجع طموحاتها الإمبراطورية.
  • سياسة احتواء مبطنة من الغرب: يشير بعض المحللين إلى أن القوى الغربية لم تثق بنهضة روسيا حتى وهي ضعيفة؛ إذ خافت من عودة عدو الأمس قوياً. لذلك اعتمدت – بقصد أو بدون قصد – سياسة إضعاف أو عزل: دعم توسع الاتحاد الأوروبي اقتصادياً إلى الفضاء السوفيتي السابق، جذب دول أوروبا الشرقية بعيداً عن النفوذ الروسي، مدّ شبكات الطاقة لتقليل الاعتماد على موسكو، فرض شروط قاسية على انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية وتأخيرها لسنوات، إلخ. وشعرت روسيا أن الغرب يريد حصرها ضمن نطاق جغرافي محدود ومنعها من استعادة أي دور عالمي، بل والتعامل معها كمصدر تهديد يجب محاصرته (تجلى ذلك خاصة بعد وصول بوتين، حيث تعالت الأصوات في واشنطن بأنه يتجه لإحياء النفوذ السوفيتي). هذا الإدراك ولّد في موسكو عقلية دفاعية/هجومية بأن عليها أن تفلت من هذا الطوق المفروض.
  • عدم التوافق الإيديولوجي والقيمي: لعب الاختلاف في نموذج الحكم دوراً متنامياً. روسيا بوتين تبنت نهجاً قومياً سيادياً يرفض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية ويدافع عن “الديمقراطية السيادية” – أي نظام سياسي مصمم محلياً وليس بحسب وصفات غربية. في المقابل، استمرت الدول الغربية في الضغط على روسيا بشأن المعايير الديمقراطية، بل ودعمت منظمات مجتمع مدني وبرامج تعتبرها موسكو اختراقاً لنفوذها الداخلي. هذان الخطان المتوازيان جعلا بناء الثقة مستحيلاً تقريباً: فكل طرف رأى الآخر منافساً لقيمه وأسلوب حكمه (الغرب يرى روسيا دولة استبدادية توسعية، وروسيا ترى الغرب قوة متغطرسة تتدخل لفرض قيمها). بالتالي انعدمت الأرضية المشتركة التي تسمح بعلاقة شراكة حقيقية كالتي تربط مثلا دول أوروبا الغربية ببعضها أو بالولايات المتحدة.
  • قضايا إقليمية خلافية: طوال العقود الماضية، ظهرت أزمات إقليمية زادت الشرخ: كوسوفو 1999، العراق 2003، جورجيا 2008، ليبيا 2011، سوريا 2011-2015، وأوكرانيا 2014، وصولاً إلى أوكرانيا 2022. في كل من هذه الأزمات، وقفت روسيا والغرب في معسكرين متقابلين تقريباً. تراكم هذه الحالات عزز صورة كل طرف عن الآخر بوصفه خصماً يقوّض المصالح الحيوية: روسيا رأت الغرب ينتهك القانون الدولي ويدعم تغيير الأنظمة وتوسيع نفوذه على حسابها، والغرب رأى روسيا داعمة لأنظمة منبوذة ومعرقلة لحل الأزمات أو معتدية على جيرانها. مع مرور الوقت، تعزّز الإرث السلبي وانعدمت الثقة الإستراتيجية، فلم يعد ممكناً تخيّل دمج روسيا في تحالفات الغرب أو العكس.

خلاصة الأمر، لم تنخرط روسيا في علاقات متوازنة مع الغرب لأن التصورات والمصالح الأساسية للطرفين ظلت متصادمة منذ البداية. سعى الغرب لترسيخ نظام ما بعد الحرب الباردة وفق رؤيته الخاصة مع التعامل مع روسيا كوريث ضعيف للسوفييت، فيما تطلعت روسيا للندية والاعتراف، ولمّا لم تجدهما انعطفت إلى منافسة مفتوحة. وواقع الحال أن العلاقات مرت بدورات مد وجزر، لكن الاتجاه العام كان نحو إعادة إنتاج نمط الخصومة وإن بوسائل مختلفة عن الحرب الباردة الأيديولوجية. فاليوم الصراع يدور حول مناطق نفوذ وأمن إقليمي ومبادئ سيادة، أكثر منه حول مواجهة إيديولوجية شاملة (رغم وجود بُعد أيديولوجي كما ذكرنا). وفي ظل هذا الواقع، لم يكن ممكناً بناء تحالف حقيقي أو علاقة شراكة كاملة؛ إنما مجرد تعاون انتقائي أحياناً (كالتعاون في مكافحة الإرهاب بعد 9/11) يتبعه تنافر عميق مع بروز أي أزمة.

3- القوة النووية الروسية: الضامن الأخير لمكانة موسكو العالمية: ورثت روسيا عن الاتحاد السوفيتي واحداً من أكبر ترسانات الأسلحة النووية في العالم. وفي الحقيقة، أدى هذا العامل دوراً محورياً في إبقاء روسيا ضمن خانة “القوى العظمى” رغم فقدانها الكثير من مقومات القوة الأخرى. فبعد انهيار الاتحاد، احتفظت موسكو بمقعد دائم في مجلس الأمن وبالقدرة النووية المماثلة تقريباً للقدرة الأمريكية، ما منحها فوراً حق النقض والتدمير الشامل – وهما أداتان جعلتا التعامل الدولي معها مختلفاً جوهرياً عن تعامل المنتصرين مع دول مهزومة عاديّة. ويمكن القول إنه لولا الردع النووي لبريطانيا والولايات المتحدة، ربما كانت بعض القوى تفكر في استغلال ضعف روسيا في التسعينيات عسكرياً. لكن وجود الترسانة النووية حيّد هذا الخيار تماماً.

بالنسبة لروسيا الاتحادية، أصبحت الأسلحة النووية حجر الزاوية في أمنها القومي ومعادلة ميزان القوى. طوّرت موسكو عقيدة عسكرية تعطي للسلاح النووي دوراً مركزياً في ردع أي اعتداء واسع النطاق عليها أو على حلفائها وحتى كعامل توازن يعوّض التفوق التقليدي للخصوم. فعلى سبيل المثال، تدرك القيادات الروسية أن حلف الناتو يتفوق عليها تكنولوجياً واقتصادياً، ومن المحتمل أن يتفوق تقليدياً في أي حرب شاملة. لذلك، تعتمد موسكو مبدأ “التصعيد لخفض التصعيد” بمعنى أنها قد تلوّح باستخدام السلاح النووي التكتيكي مبكراً في أي مواجهة كبرى لردع الغرب وإجباره على التراجع. هذه النظرة بانت معالمها في تحديث العقيدة النووية الروسية خلال السنوات الأخيرة بحيث توسعت الظروف التي قد تستخدم فيها روسيا السلاح النووي (مثلاً إذا تعرض وجود الدولة ذاته للخطر حتى بهجوم تقليدي كبير).

وخلال الحرب في أوكرانيا، ظهر جلياً أن موسكو لا تزال ترى في قوتها النووية صمام الأمان الأساسي لإبقاء مكانتها الدولية. لقد كشفت العمليات في أوكرانيا نقاط ضعف عديدة في الجيش الروسي التقليدي – من حيث الأداء اللوجستي والتقني وكفاءة الاستخبارات – مما أدى إلى تعثر تحقيق نصر سريع. كما أن التفوق التقني والاستخباري لحلف الناتو (عبر دعم أوكرانيا) أبرز فجوة بين القوة الروسية التقليدية وقوة الغرب. بيد أن هذا الواقع لم يغيّر شيئاً في المعادلة النووية؛ فبقيت روسيا أعتى قوة نووية إلى جانب أمريكا، واستمر هذا العنصر رادعاً رئيسياً منع أي تدخل مباشر من الناتو لصالح أوكرانيا. منذ بداية الحرب، تعمّد بوتين وكبار مسؤوليه التلويح الضمني والمباشر بخيار النووي، كتذكير بأن روسيا مهما ضعفت تقليدياً قادرة على إلحاق دمار غير مسبوق إذا شعرت بتهديد وجودي. رفع بوتين حالة التأهب لقوات الردع النووي في الأيام الأولى للصراع، وصدرت تصريحات عن حلفائه مثل دميتري ميدفيديف تتوعد باستخدام الأسلحة النووية إذا تعرضت الأراضي الروسية (بما فيها القرم والمناطق التي ضمتها) لهجوم خطير. هذه الرسائل كانت مقصودة لتثبيت الخطوط الحمر ومنع الغرب من التفكير حتى في مواجهة مباشرة، ونجحت إلى حد كبير؛ إذ حرصت الولايات المتحدة وأوروبا على تجنب أي خطوات تصعيدية قد تؤدي لصدام مباشر مع موسكو (مثل الامتناع عن فرض منطقة حظر طيران أو إرسال قوات غربية).

من منظور مكانة روسيا الدولية، لا تزال موسكو تستند إلى قوتها النووية كوركيزة أساسية لمعادلة وضعها كقوة عظمى. فاقتصادياً، روسيا ليست نِدّاً للغرب أو للصين، وتقليدياً لا تستطيع بمفردها مواجهة الناتو في حرب شاملة تقليدية. لكن امتلاكها ترسانة قادرة على إفناء الخصوم جعلها دوماً لاعباً لا يمكن تجاهله أو فرض الإملاءات عليه بالقوة. ويُدرك الكرملين أن هذه الورقة تمنحه نفوذاً سياسياً يتجاوز وزن مقوماته الأخرى. على سبيل المثال، في الأزمات الدولية الكبرى (كأزمة الصواريخ الكوبية في 1962 أو حرب أكتوبر 1973، وحتى الأزمة الأوكرانية الحالية)، كان حضور السلاح النووي في خلفية المشهد كافياً لإجبار الجميع على ضبط النفس والسعي للحل السياسي. واليوم، بينما تواجه روسيا عزلة غربية وعقوبات غير مسبوقة وضعفاً في إظهار تفوقها التقليدي، فإنها تعيد التأكيد على دور الردع النووي بشكل أكبر. وقد انعكس ذلك مؤخراً في قرارات كالانسحاب من معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية، ونشر رؤوس نووية تكتيكية في بيلاروسيا الحليفة، كتذكير بأن أوراق موسكو الخطرة لا تزال على الطاولة.

بالتأكيد، هذا لا يعني أن روسيا تتطلع فعلياً لاستخدام السلاح النووي – فالكرملين يعي تبعاته الكارثية – لكنه يوظّفه كسلاح سياسي نفسي لإبقاء مكانته مكافئة للولايات المتحدة، قائلاً بصوت غير مباشر: “قد تتفوقون علينا في الاقتصاد والتقنية، لكن في توازن الرعب نحن متساوون، لذا يجب أن تؤخذ مصالحنا بجدية”. ومن هنا، يُلاحظ أن روسيا تُكثر من الخطاب النووي في سياق أي مواجهة مع الغرب، ليس بالضرورة لشن ضربة فعلية، بل لفرض واقع استراتيجي يمنع خصومها من المضي بعيداً في إضعافها أو تهديد نظامها. إنها سياسة حافة الهاوية النووية التي ورثتها روسيا عن حقبة الحرب الباردة ولا تزال ترى فيها ضماناً أخيراً لموقعها على قمة هرم القوى العالمية. وبرغم الانتقادات الدولية لهذا النهج التصعيدي، فإن موسكو تعتبره مبرراً دفاعياً في مواجهة تفوق الغرب التقليدي وفي ظل إحساسها بأنها مستهدفة.

باختصار، لم يتحقق تقارب استراتيجي حقيقي بين روسيا والغرب بعد 1991 بسبب انعدام الثقة وتضارب المصالح والقيم منذ البداية. ووجدت روسيا تدريجياً نفسها في موقع الخصم مجدداً، مما دفعها للارتكان أكثر فأكثر إلى أدوات الردع النووي لتأمين مصالحها ومكانتها. وهكذا نرى اليوم أن الترسانة النووية الروسية لا تزال تُستخدم كسلاح سياسي عالمي يبقي موسكو في مصاف القوى الكبرى، ويعوض جوانب الضعف الأخرى، ويشكل جوهر عقيدتها الأمنية خاصة بعد أن كشفت حرب أوكرانيا حدود القوة التقليدية الروسية.

رابعاً: التحالف الروسي الصيني – الدوافع والمحاور الإستراتيجية

شهدت السنوات الأخيرة تقارباً غير مسبوق بين روسيا والصين، حتى وصفه قادة البلدين بأنه شراكة استراتيجية “بلا حدود”. هذا الاصطفاف بين عملاقين أوراسيين أثار تساؤلات حول طبيعته وأهدافه: ما العوامل التي تدفع موسكو وبكين نحو التحالف؟ وهل تبحث روسيا من خلاله عن تعويض غياب حلف وارسو السابق؟ وماذا تريد الصين استراتيجياً من روسيا؟ لفهم ذلك، ينبغي تفكيك الدوافع المشتركة والمصالح المتبادلة، وكذلك إدراك حدود هذا التقارب.

1- عوامل التقارب الروسي-الصيني: يعود التعاون الوثيق بين روسيا والصين في العصر الحديث إلى مطلع الألفية، وتحديداً منذ أوائل عهد بوتين وتزامنه مع صعود الصين الاقتصادي. لكن التحالف الفعلي بدأ يتبلور بقوة بعد عام 2014، حين تعرضت روسيا لعقوبات وعزلة غربية إثر أزمة أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم. في تلك اللحظة الحرجة، وجدت موسكو في بكين شريكاً موثوقاً ليس فقط لتخفيف عزلتها، بل لمشاركتها رؤى بعيدة المدى حول النظام العالمي. يمكن إيجاز أهم عوامل التقارب في النقاط التالية:

  • عدو مشترك/تنافس مشترك مع الغرب: ربما يكون هذا أبرز محدد. فكلٌ من روسيا والصين تصطدم مصالحهما بالولايات المتحدة وحلفائها، وإن كان ذلك بطرق مختلفة. روسيا ترى الناتو والهيمنة الأمريكية تهديداً لأمنها ونفوذها الإقليمي (في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط)، بينما تنظر الصين بقلق إلى تطويق أمريكي محتمل عبر تحالفات واشنطن في آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية، أستراليا، الهند جزئياً) ومحاولات كبح صعودها. هذه المواجهة المشتركة مع الغرب ولّدت شعوراً لدى موسكو وبكين بأنهما في “خندق واحد” إلى حد بعيد. كلاهما مستاء من النظام الدولي القائم الذي تهيمن عليه أمريكا منذ 1990، وكلاهما يدعو إلى عالم متعدد الأقطاب تكون لهما فيه كلمتان مؤثرتان. من الطبيعي إذن أن يؤدي هذا التشابه في التحديات إلى تعزيز التعاون والتنسيق في المحافل الدولية (الأمم المتحدة ومجموعات مثل بريكس وشنغهاي) وفي المواقف السياسية الكبرى (رفض العقوبات أحادية الجانب، معارضة “الثورات الملونة”، إلخ).
  • التكامل الاقتصادي والتكنولوجي: رغم اختلاف حجم اقتصاديهما (اقتصاد الصين يفوق الروسي بعشرة أضعاف تقريباً)، إلا أن اقتصادَي البلدين مكملان لبعضهما بشكل مفيد. روسيا تزخر بموارد طبيعية هائلة تحتاجها الصين لإدامة نموها الصناعي: النفط، الغاز، الفحم، المعادن، الأخشاب… وبالمقابل، الصين تمتلك قاعدة صناعية وتصنيعية متقدمة ومنتجات استهلاكية وتقنيات يحتاجها السوق الروسي. بعد العقوبات الغربية على موسكو، تسارعت اتفاقيات الطاقة الضخمة بين البلدين (مثل مشاريع أنابيب “قوة سيبيريا” لنقل الغاز الروسي للصين)، وازدهرت التجارة الثنائية لتسجل أرقاماً قياسية عاماً بعد عام متجاوزة 190 مليار دولار سنوياً. أضف إلى ذلك أن روسيا مزوّد رئيسي لأسلحة وتقنيات عسكرية متطورة للصين منذ التسعينيات (مقاتلات سوخوي، أنظمة دفاع جوي إس-300 ثم إس-400، محركات صواريخ… إلخ)، مما ساعد بكين في تحديث جيشها قبل أن تلحق بالركب ذاتياً. إذن يحقق الطرفان منافع اقتصادية واضحة: الصين تؤمّن موارد طاقة مستقرة ومجاورة تقلل اعتمادها على المعابر البحرية الخاضعة للنفوذ الأمريكي، وروسيا تكسب سوقاً عملاقاً لصادراتها ومصدراً بديلاً للتكنولوجيا والاستثمارات.
  • التقارب الأيديولوجي والسياسي: لا يعني ذلك أن البلدين يشتركان في أيديولوجية رسمية متطابقة (فالصين شيوعية اسماً ورأسمالية اقتصاداً، وروسيا دولة قومية محافظة رأسمالية)، لكن كلاهما يتبنى فلسفة حكم سلطوية ذات توجهات وطنية قوية، ترفض النموذج الليبرالي الغربي في السياسة. هذا التقارب القيمي نسبياً سهّل تفاهم القيادتين؛ فكلاهما يضع الاستقرار والنمو فوق ديمقراطية النمط الغربي، وكلاهما ينزع لعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول – مبدأ مهم خاصة للصين في قضية هونغ كونغ وتايوان، ولموسكو في قضية الشيشان مثلاً أو تعاطيها مع المعارضة. كذلك يتشارك البلدان سرديات تاريخية عن إهانة الغرب لهما في الماضي: الصين تحمل إرث “قرن الإذلال” الاستعماري، وروسيا تحمل ذاكرة انهيار الاتحاد السوفيتي ونظرة الغرب الدونية لها بعد ذلك. مثل هذه الخلفيات صنعت قدراً من التعاطف المتبادل: فالصين لم تنتقد روسيا على أفعالها في الشيشان أو أوكرانيا بشكل جوهري، وروسيا تدعم موقف الصين في قضايا كتايوان وشينجيانغ بشكل عام أو تقف على الحياد المائل لبكين.
  • التعاون العسكري والأمني: على الصعيد العسكري، زاد التنسيق العسكري بين البلدين بشكل ملحوظ. أجرت القوات الروسية والصينية تدريبات ومناورات بحرية مشتركة في المحيط الهادئ وبحر الصين، ودوريات جوية استراتيجية مشتركة قرب اليابان وكوريا. هذه الأنشطة تحمل رسائل مهمة بأنها شراكة عسكرية ناشئة. كذلك تبادل البلدان المعلومات الاستخباراتية حول تحركات تنظيمات إرهابية (خاصة في آسيا الوسطى وأفغانستان) ضمن منظمة شانغهاي للتعاون. بل إن الصين شاركت كمراقب في تدريبات روسية كبرى (كـ “فوستوك”)، ما يعكس مستوى ثقة مستجد، علماً أن موسكو historically تتوخى الحذر من الجيش الصيني.

كل هذه العوامل رسمت مع مرور الوقت صورة تحالف شبه رسمي: فليس هناك معاهدة دفاع مشترك مكتوبة (مثل حلف وارسو سابقاً)، لكن السلوك السياسي والاقتصادي للبلدين يكاد يناظر تحالفاً في الجوهر. لقد أكّد بيان القمة الروسية-الصينية في فبراير 2022 (عشية حرب أوكرانيا) على “صداقة بلا حدود” ورفض لكافة محاولات الهيمنة، في إشارة واضحة لمواجهة الغرب كتفاً بكتف. هذا الإعلان لم يكن كلاماً عابراً؛ فقد تطابق تقريباً موقف بكين وموسكو منذ بداية الأزمة الأوكرانية في تحميل الغرب المسؤولية وتفهم دوافع روسيا الأمنية (امتناع الصين عن وصف التدخل بالعدوان أو التصويت لصالح إدانته في المنظمات الدولية). بالمقابل، ساندت روسيا الصين بقوة في رفض أي عقوبات عليها وفي تأييد سيادتها على تايوان كشأن داخلي صيني.

2- هل تعوّض روسيا غياب حلف وارسو بتحالفها مع الصين؟

منذ تفكك حلف وارسو عام 1991 (الذي كان مظلة التحالفات العسكرية السوفيتية في أوروبا الشرقية)، فقدت روسيا غطاءً استراتيجياً مهماً وأصبحت مكشوفة نسبياً أمام توسع الناتو. حاولت موسكو لاحقاً تشكيل ترتيبات أمنية بديلة: أقامت رابطة الدول المستقلة مع جمهوريات الاتحاد السابق، وأنشأت تحالفاً أصغر هو منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) مع بعض الحلفاء التقليديين (بيلاروسيا، أرمينيا، كازاخستان، طاجيكستان، قرغيزستان). لكن هذه المنظمة ظلت محدودة النفوذ والقدرات مقارنة بحلف وارسو القديم، كما فقدت روسيا الكثير من حلفائها في أوروبا الذين انضموا للناتو. لذا وجد الكرملين نفسه أمام فراغ نسبي في حلفاء أقوياء يدعمون مواقفه على الساحة الدولية.

في هذا السياق، يشكل التقارب مع الصين بالنسبة لروسيا تعويضاً نوعياً عن غياب التحالفات الكبرى. فالصين وإن لم تكن حليفاً عسكرياً رسمياً، لكنها قوة عظمى بكل المقاييس (ثاني اقتصاد عالمي، جيش حديث ضخم، نفوذ سياسي عالمي)، ووقوفها إلى جانب روسيا – ولو دبلوماسياً واقتصادياً – ي عني أن موسكو ليست وحيدة في مواجهة الغرب. بعبارة أخرى، بات الثنائي الروسي – الصيني بالنسبة لموسكو إطاراً غير رسمي يوازن هيمنة التحالفات الغربية. ومع أن الصين لا تندرج تحت قيادة روسيا كما كان حال دول وارسو (بل العكس أصبحت هي الأقوى اقتصادياً)، إلا أن وجودها كشريك مقرب يعزز عمق روسيا الاستراتيجي في عدة محاور:

  • ظهر آمن في الشرق: التحالف مع بكين يضمن لموسكو حدوداً شرقية آمنة. فبعد قرون من التوجس والاقتتال الحدودي (كما حدث في مناوشات نهر أوسوري 1969)، أصبح اليوم خط الحدود الروسي-الصيني البالغ طوله 4200 كم الأكثر أمناً وهدوءاً. لم تعد روسيا تخشى تهديداً عسكرياً صينياً مباشراً، بالعكس سحبت الكثير من قواتها شرقاً لنشرها في الجبهة الغربية. هذا الوضع يُذكّر بعض المحللين بتنسيق هتلر – ستالين 1939 قبيل الحرب العالمية الثانية، عندما ضمن كل طرف أمن أحد حدوده ليتفرغ لمواجهة أخرى (مع الفارق طبعاً في طبيعة العلاقة حالياً). وبالتالي، غياب التهديد في الشرق مكسب استراتيجي جسيم لروسيا يعوّض كثيراً عن فقدان حلفاء الشرق الأوروبي سابقاً.
  • دعم سياسي ودبلوماسي: في المحافل الدولية، غالباً ما تقف الصين بجوار روسيا أو تمتنع عن التصويت على قرارات تدينها (كما في مجلس الأمن حول سوريا وأوكرانيا). هذا الغلاف السياسي يحمي روسيا من العزلة التامة ويعطي ثقلاً لمواقفها. إذا كان حلف وارسو سابقاً يصوّت كتلة واحدة مع السوفييت، فاليوم الصين مع دول بريكس ومنظمة شانغهاي تشكل كتلة جديدة داعمة أو متفهمة لموسكو في وجه التحالف الغربي. هذا لا يصل لمستوى حلف عسكري منظم، لكنه بالتأكيد تحالف مصلحي دولي يشبه إلى حد ما تحالف الدول غير الغربية الكبرى لرفض إملاءات واشنطن.
  • تحييد جبهة الشرق الأقصى: كثيراً ما عبّر مفكرون استراتيجيون روس عن كابوس الدخول في صراع ثنائي الجبهة: مع الناتو غرباً والصين شرقاً (كما خاض السوفييت الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا واليابان معاً). التحالف الحالي مع الصين يضمن عدم تحقق هذا الكابوس، بل على العكس يوحّد الجبهتين ضد خصم واحد. من هذه الزاوية، قد لا يكون تحالفاً رسميا كحلف وارسو، لكنه أقرب إلى محور إستراتيجي ناشئ يذكرنا بمحاور الحرب الباردة (كالصين – أمريكا ضد السوفييت في السبعينيات).
  • المساندة الاقتصادية والتكنولوجية: إحدى وظائف حلف وارسو كانت تحقيق نوع من التكامل الاقتصادي بين أعضائه يدعم اقتصاد المعسكر الشرقي في مواجهة العزلة عن الغرب. اليوم، توفر الصين لروسيا شريان حياة اقتصادي وتكنولوجي حيوي في ظل العقوبات الغربية. فالشركات الصينية تملأ فراغ شركات الغرب المنسحبة من السوق الروسية، والبنوك الصينية الكبرى تقدم قنوات بديلة للتجارة باليوان بديلاً عن الدولار، والتقنيات الصينية (من رقائق إليكترونية إلى آلات صناعية) تساعد المصانع الروسية على الاستمرار. بهذا المعنى، يشعر الاستراتيجيون الروس أن لديهم عمقاً اقتصادياً يستند إلى ثاني أقوى اقتصاد عالمي، مما يخفف آثار المقاطعة الغربية. هذا الدعم – وإن تم بحذر نسبي من بكين لتجنب عقوبات ثانوية – إلا أنه أثبت فعاليته في صمود روسيا خلال 2022-2023.

رغم هذه المنافع الكبيرة، ينبغي التنويه بأن التحالف الروسي – الصيني ليس نسخة طبق الأصل من حلف وارسو. إنه تحالف غير معلن وغير مقيّد بمعاهدة، يقوم على التقاء مصالح وليس على أيديولوجيا جامعة أو قيادة مركزية واحدة. كذلك هناك عدم تناسب في ميزان القوى: في حلف وارسو كانت موسكو المهيمنة والقلب الصلب، أما الآن فالصين هي الشريك الأقوى اقتصادياً وربما لاحقاً عسكرياً، وروسيا تجد نفسها في موقع الشريك الأصغر لأول مرة في علاقة كهذه. هذا الوضع قد يثير حساسية ومخاوف ضمنية لدى بعض الروس (خشية نفوذ صيني مفرط في سيبيريا أو وسط آسيا مثلاً)، لكنه حالياً تحت السيطرة بسبب حاجة الطرفين لبعضهما. إجمالاً، تعوّل موسكو بشدة على تحالفها مع الصين لتعويض غياب كتلة دعم دولية قوية، وقد نجحت إلى حد بعيد في خلق ثنائي دولي بات يوصف بمحور موسكو-بكين، والذي قد يتوسع مع الوقت ليشمل قوى أخرى (كإيران وربما دول بريكس الأخرى) في مواجهة تكتلات الغرب.

3- ماذا تريد الصين استراتيجياً من روسيا؟

إذا كانت المكاسب الروسية من هذا التحالف واضحة، فالمكاسب الصينية لا تقل أهمية، وإن اختلفت طبيعتها. الصين قوة صاعدة عالمياً تطمح لأن تصبح القطب الاقتصادي والعسكري المهيمن في آسيا والمحيط الهادئ، وأن تعيد تشكيل النظام الدولي لمصلحتها بحلول منتصف القرن. ومن أجل تحقيق هذه الرؤية، وجدت بكين في موسكو شريكاً إستراتيجياً مفيداً لتحقيق عدة أهداف:

  • ظهر استراتيجي وأمني في الشمال: تاريخياً، عانت الصين تهديدات من حدودها الشمالية (الغزو المغولي قديماً، ثم التوسع القيصري الروسي، حتى الصدام مع السوفييت 1969). اليوم، بتحالفها مع روسيا، أمنت الصين جبهتها الشمالية بشكل شبه تام، وأزالت احتمال وجود عدو قوي على حدودها البرية الطويلة. هذا يسمح لجيش التحرير الشعبي بتركيز موارده شرقاً وجنوباً حيث التحديات الحقيقية: تايوان، بحر الصين الجنوبي، الهند في الهمالايا. كذلك، يشكل التنسيق مع روسيا عامل استقرار لحدود الصين مع جمهوريات آسيا الوسطى، حيث لكل منهما نفوذ هناك ويمكنهما التعاون لضمان عدم تحول تلك الجمهوريات لبؤر نفوذ غربي أو فوضى (وقد رأينا مثلاً تعاوناً ضمن منظمة شنغهاي لمكافحة الإرهاب والنزعات الانفصالية في تلك المنطقة).
  • مورد موثوق للطاقة والمواد الخام: تعاني الصين من معضلة استراتيجية تسمى “عنق الزجاجة الملاحي”: فهي تستورد غالبية نفطها وغازها عبر البحار (مضيق ملقا وغيره) التي تسيطر عليها البحرية الأمريكية. هذا يشكل خطراً كبيراً على أمن الطاقة الصيني؛ فأي حصار بحري قد يخنق اقتصادها. هنا تأتي روسيا كحل مثالي: احتياطي هائل من النفط والغاز يمكن ضخه براً عبر خطوط أنابيب مباشرة إلى الأراضي الصينية دون المرور بأية عقدة خاضعة للغرب. وبالفعل، زادت الصين مشترياتها من النفط الروسي خاصة بعد العقوبات الأوروبية (غالباً بأسعار مخفضة، ما يعد مكسباً اقتصادياً أيضاً) ووسعت شبكة الأنابيب بين البلدين. إلى جانب الطاقة، روسيا مصدر رئيسي لموارد تحتاجها نهضة الصين الصناعية: خامات معادن كالنيكل والبلاتين والحديد، أخشاب من سيبيريا، وحتى منتجات زراعية كالقمح. بكين تريد تنويع وتأمين إمداداتها الاستراتيجية بعيداً عن تحكم الغرب، وروسيا تلبي جزءاً كبيراً من هذا الهدف.
  • شريك في مواجهة الضغط الأمريكي: تعاني الصين منذ بضع سنوات من تزايد الضغط الأمريكي: حرب تجارية واقتصادية، عقوبات على شركاتها التقنية (هواوي وغيرها)، تشكيل تحالفات أمنية مضادة (كواد مع الهند وأستراليا واليابان، أوكوس مع بريطانيا وأستراليا)، دعم عسكري وسياسي متنامٍ لتايوان، انتشار بحري مكثف في بحر الصين الجنوبي… هذه البيئة العدائية تدفع الصين للبحث عن حلفاء إستراتيجيين لكسر الطوق الأمريكي. وجود روسيا إلى جانبها مفيد على عدة مستويات:
    • في الأمم المتحدة، صوت روسيا كعضو دائم يُشكل مع الصوت الصيني جدار صد ضد قرارات غربية قد تضر بمصالح الصين.
    • عسكرياً، مجرد الشراكة مع روسيا تشتت انتباه واشنطن وجهودها. إذ لا تستطيع الولايات المتحدة التركيز الكامل على احتواء الصين وهي غارقة في صراع محتدم مع روسيا في أوروبا. هذا التنافس الثنائي يكبل القدرات الأمريكية ويمنح الصين هامشاً للمناورة والتقاط الأنفاس. وفي هذا السياق، لا تخفي بكين استفادتها من استنزاف الغرب اقتصادياً وعسكرياً في دعم أوكرانيا، ما قد يؤثر على تركيزه في شرق آسيا. بكين تدرك أن موسكو تقوم فعلياً بإشغال المعسكر الغربي، وهذا عامل يصب في مصلحتها الاستراتيجية المباشرة.
    • لدى روسيا أيضاً تقنيات عسكرية متقدمة (رغم كل شيء) مثل بعض أنظمة الصواريخ أو الخبرات في المجالين النووي والفضائي، والتي تهم الصين. بالفعل هناك مشاريع تعاون كمحاولة إنشاء منظومة ملاحة بالأقمار الصناعية تكاملية بين “بيدو” الصيني و”غلوناس” الروسي لمنافسة GPS الأمريكي. كذلك تحدث البلدان عن مشاريع استكشاف فضاء مشتركة (قاعدة قمرية مستقبلية). مثل هذه الشراكات تعزز القدرات التكنولوجية للصين أو على الأقل توفر لها دعماً خارجياً.
    • أيضاً، روسيا بالنسبة للصين شريك أيديولوجي في الدفاع عن شرعية النظم غير الغربية. فكلاهما يرفض انتقادات واشنطن لسجله في الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدافعان عن مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل. هذا الدعم المتبادل يقلل الضغط الغربي على كل منهما، فالصين مثلاً تستفيد من وقوف روسيا ضد أي محاولات أممية للتدخل بشأن قضايا كالإيغور أو هونغ كونغ، والعكس صحيح في ملفات تهم موسكو.
  • مشروع أوراسيا وبناء نظام عالمي جديد: للصين مشروع جيوسياسي اقتصادي ضخم هو مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير الجديد)، الذي يهدف لربط الصين بأوروبا وإفريقيا عبر شبكات تجارة وبنية تحتية تمر براً وبحراً في آسيا. تنسيق الصين مع روسيا ضروري لنجاح الجزء البري من هذا المشروع: فخطوط السكك الحديد والطرق البرية تمر عبر آسيا الوسطى وروسيا للوصول إلى أوروبا. موسكو رحبت بأن تكون شريكاً في هذه المبادرة، رغم بعض التحفظات، إذ استفادت من استثمارات صينية في بنيتها التحتية. ورغم التنافس الضمني بين رؤية الاتحاد الأوراسي الاقتصادي الروسي وطريق الحرير الصيني، وجد الطرفان مساحة للتعاون عبر ربط المبادرتين. الصين تريد من روسيا دعماً وتسهيلاً لمشاريعها الأوراسية وعدم عرقلتها في مناطق النفوذ الروسي التاريخية. وفي المقابل، تريد روسيا استثمارات ومشاريع تعود عليها بالنفع. هذا التفاهم يخدم طموح الصين الأكبر في أن تكون مركز شبكة اقتصادية عالمية جديدة لا تهيمن عليها الولايات المتحدة.

في المحصلة، ترى الصين في روسيا شريكاً إستراتيجياً ثميناً يساعدها في تأمين مصادر الطاقة والموارد، وتخفيف الضغط الأمريكي، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي غرباً. وبالطبع دون أن تضطر الصين لخوض حرب أو مواجهة مباشرة بعد – بل تُركت روسيا تتصدر التحدي العسكري (في أوكرانيا) بينما دعمتها بكين سياسياً واقتصادياً من الخلف، مستفيدة من انشغال الغرب بهذا الخصم القوي. كذلك تفضّل الصين ألا تنتصر أمريكا على روسيا انتصاراً ساحقاً؛ لأن ذلك سيعني تفرغ واشنطن لبكين بكامل قوتها في المرحلة التالية. لذا مصلحتها أن تبقى روسيا ممانعة وصامدة بحيث يبقى الغرب مشتتاً بين جبهتين. وفي نفس الوقت، تحرص بكين على استقرار روسيا وعدم انهيارها؛ لأن أي فوضى في روسيا أو قيام نظام موالٍ للغرب فيها سيكون كابوساً للصين، يُفقدها أهم حليف ويضع خصماً جديداً على حدودها. لذا، في الأزمات الخطيرة قد تقدم الصين طوق نجاة لروسيا (بالدعم الاقتصادي أو حتى العسكري غير المباشر) لتمنع سقوطها. وعلى المدى البعيد، تريد الصين بناء نظام عالمي تشكل فيه محوراً مع روسيا وقوى أخرى يوازن بل ويتجاوز المحور الغربي. إن المصلحة الإستراتيجية العليا للصين من هذه الشراكة هي قيام عالم متعدد القوى تستطيع فيه بسط نفوذها الاقتصادي بحرية، مستندة إلى حليف عسكري (روسيا) يمنحها غطاء سياسيا وأمنيا وعمقاً جيوبوليتيكياً في مواجهة أي محاولة تطويق أو احتواء.

وخلاصة القول، التحالف الروسي – الصيني نتاج تلاقٍ براغماتي لمصالح قوتين عالميتين وجدت كل منهما في الأخرى سنداً في وجه الخصم المشترك (الهيمنة الغربية). إنه ليس تحالفاً أيديولوجياً كحلف شيوعي سابق، بل شراكة مصلحة متبادلة: روسيا تحاول من خلاله تعويض خسارة حلفائها السابقين وبناء جدار استراتيجي أمام الضغط الغربي، والصين تستفيد منه لتأمين صعودها المستمر ومشاريعها الكبرى. ورغم وجود منافسة تاريخية أو مستقبلية محتملة بينهما، فإن الظرف الحالي وحسابات الربح جعلتهما أقرب من أي وقت مضى منذ ستينيات القرن الماضي. هذا التحالف الناعم يعيد تشكيل موازين القوى الدولية، ويرسم ملامح محور أوراسي يزداد متانة كلما ازداد التوتر مع المحور الغربي.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني