رواية 1984 لجورج أورويل.. أشهر الروايات السياسية في القرن العشرين (1-2)

0

عندما أعارني صديقي حسام رواية 1984 لجورج أورويل بقيت مركونة لأشهر بين عدة كتب على الطاولة ولكن بعدما سقط النظام في سورية في الثامن من كانون الأول عام 2024 وبدأ الحديث يعلو عن التعذيب والقمع والظلم والخيانة والفساد والمخابرات والأجهزة الأمنية وتزوير التاريخ وكان حسام ذكر لي ان الرواية تتحدث عن النظام الدكتاتوري في بلاد مفترضة اسمها أوقيانيا.

بدأت بقراءة الرواية المؤلفة من 350 صفحة من القطع المتوسط في ثلاثة أجزاء لا تعرف على ذلك الشاب ونستون سميث العضو في الحزب الحاكم والذي مهمته في وزارة الحقيقة مراقبة الناس وقد نسي أنه هو نفسه مراقب من قبل شرطة الفكر السرية التي لا يمكن لاحد أن يتعرف على عناصرها. حيث تدور الأحداث حول حياة ونستون الشاب النشيط في الحزب الحاكم الذي ينتهي به المطاف في السجن بتهمة الخيانة.

يدخل السجن بعد أن عاش سنوات طويلة كالزوج المخدوع وشرطة الفكر تراقبه. لحين الايقاع به مع جوليا صديقته في الحزب. ترسم رواية 1984 لجورج أورويل صورة سياسية وأدبية عن النظام الدكتاتوري الفردي الذي يمكن أن يكون قريباً من حكم ستالين حتى أن الصورة على الغلاف الخارجي للرواية هي لرجل صارم بشاربين كثيفين أشبه بالزعيم السوفييتي السابق هي تصور مجتمعاً شمولياً يخضع لديكتاتورية فئة تحكم باسم الأخ الأكبر يمثل السلطة الحاكمة المبنية على القمع والتعذيب وتزوير الحقائق تحت عنوان الدفاع عن الوطن والكادحين أو البروليتاريا، حيث يحول الحزب الحاكم حياة الناس إلى جحيم لا يطاق وتقوم أجهزة الدولة المفترضة أو شرطة الفكر بالتضييق على الناس وتحصي عليهم أنفاسهم وتقيد حرياتهم وتحول الحياة الإنسانية والحب والزواج والأسرة إلى علاقات بعيدة عن الطبيعة الإنسانية حيث يبقى الناس في بلادهم كالغرباء يتوجسون الخوف. ولا يمارسون أي نوع من الأعمال بدون أن يحسبوا حساباً لشرطة الفكر التي لا يعرف أفرادها أحد. وهذه الشرطة المخفية تراقب الناس وخاصة أعضاء الحزب الحاكم نفسه.

‌يروي أورويل قصة ونستون الطفل الذي عاش يتيماً بعد اعتقال أمه وموت أبيه خلال الحرب المشتعلة بين أوقيانيا وجارتها أوراسيا حيث كان الناس يموتون من الجوع والمرض والخوف والاعتقالات، بينما كان أعضاء الحزب الحاكم يعيشون في قصور شيدوها من جماجم الفقراء والناس البسطاء الذين يصور الكاتب نساءهم كأفضل ما تكون النساء وأطفالهم وكيف يحولهم الحزب الحاكم إلى أرقام ويستخدمهم لتنفيذ برامجه كما لو كانت أدوات لا أكثر ولا أقل دون أن يهتم بمستقبلهم. amythrill courtney eaton nude

يقول ونستون بعد أن رأى يداً مبتورة على الرصيف فأزاحها بقدمه كما لو كانت عرق ورقة ملفوف وهو يخاطب نفسه: إن العامة هم البشر أما نحن فلسنا من البشر ويقصد أعضاء الحزب الحاكم. هي رواية تدور أحداثها حول شخصية الأخ الأكبر المرعبة والمخيفة وتدور الأحداث خلال الفصول الثلاثة بين أربع شخصيات ونستون ورفيقته في وزارة الحقيقة جوليا والقيادي في الحزب أوبراين المقرب من الأخ الأكبر أما الطعم أو الشرك الذي نصبه الأخ الأكبر للإيقاع الحزب فهو غولدشتاين المعارض الذي تجرأ على انتقاد الأخ الأكبر والذي يعد الانتماء إلى جماعته «الإخوة» خيانة لا تغتفر يستحق صاحبها الموت.

كنت اقرأ الرواية بنهم وكأني أقرأ ذاكرة الجسد أو نسيان لأحلام مستغانمي أو كأني أتابع فيلماً مثيراً فالمسألة ليست حكاية أو قصة وإنما هي أدب ولغة وأسلوب وموقف وثقافة.

وقلت لنفسي ربما تصبح رواية 1984 بعد انتصار البرجوازية في العالم وانتهاء العصر الاشتراكي أو زمن الاشتراكية أكثر أهمية وربما كان جورج أورويل يستحق عليها جائزة نوبل للأدب وقد ظلت رواية 1984 طوال العقود الماضية حاضرة ولم تغب عن الساحة الأدبية.

ولا أقول إنها ساهمت في فضح الأنظمة الشمولية فحسب، بل ملأت فراغاً وغطت مساحة لم يكن أحد من الروائيين قد ملأه كما فعل جورج أورويل، وقد شعرت وأنا أقرأ صفحاتها المرصوفة كحجارة الرخام الجميلة وأنا أطارد الأحداث والأيام والساعات وحكاية ونستون المثيرة وفتاته الجميلة جوليا وأولئك الأشخاص القياديين أو المخبرين مثل أوبراين المقرب من الأخ الأكبر والذين هم في الواقع يتحملون مسؤولية كبيرة وهم يسفكون دماء الناس الأبرياء لمجرد التفوه بكلمة أو بهفوة وهم يخربون حياة مئات الاشخاص سنوياً وبشكل مستمر ويعتقدون أنهم يخدمون الوطن وهم يتلذذون بعذابات البشر ومعاناتهم في السجون والمعتقلات ومراكز التحقيق هؤلاء شرطة الفكر الذين لا يمكن لأحد أن يشك فيهم لحظة. فقد اكتشف ونستون أن الرجل الذي وشى به كان من شرطة الفكر الذين يتمتعون بسلطة مطلقة.

شعرت وكأن جورج أورويل يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا حتى ظننت أنه يعيش بيننا يأكل ويشرب معنا ويقضي أوقاته في تفسير أحلامنا وطريقة تفكيرنا، فلا تفوته فائتة وهو يحلل أعماق أعماق الناس الذين يفكرون بسرية تامة ولا يستطيعون التعبير عن أفكارهم جراء الخوف الشديد من شرطة الفكر.

كان بطل روايته ونستون الشاب الألمعي الذكي الذي ينتمي إلى الحزب الحاكم في لندن في دولة مفترضة اسمها أوقيانيا وعنده زعيم بمثابة الإله حكمه مطلق إنه الأخ الأكبر رأس النظام، حيث تنتشر صوره في أوقيانيا وفي مؤسساتها ومبانيها في كل مكان مع أجهزة الرصد والمراقبة أو شاشات الرصد التي تراقب الناس صغاراً وكباراً من لحظة ولادتهم حتى وفاتهم أو قتلهم وكان ونستون تحت مراقبة صديقه ورفيقه في الحزب أوبراين المقرب من الأخ الأكبر.

يرسم أورويل صورة عن الحكم الدكتاتوري لا يستطيع أي عقل بشري أن يتخيلها يمزج فيها الخيال مع الواقع ويستخدم أشخاصاً بارعين وأذكياء في أماكن وأزمنة محددة، كنت أقارن بين ما كان يحصل في بلادنا وما يكتبه جورج أورويل وكنت أظنه يكتب عنا.

كدت أن ألتهم الرواية التهاماً وأعيد قراءتها لكي أفهم بالضبط ماذا يحصل في بلادنا وفي بلاد أوقيانيا المفترضة التي بقيت في حروب داخلية وخارجية لا تتوقف طوال حكم الأخ الأكبر الذي يراقب الشعب ولا يترك أحداً يسلم من شره.. بقيت أوقيانيا في حرب طويلة مع أوستاسيا وبقي ونستون وصديقته اللدودة جوليا في وزارة الحقيقة يعملان داخل الحزب ويتآمران عليه في نفس الوقت بما يسمى التفكير المزدوج فهم يعملون في مكان لا ينتمون إليه ويحلمون بتهديمه وهم داخل الحزب يريدون أن يخدموا بكل قوتهم وإرادتهم تنظيم الإخوة الذي يتزعمه غولدشتاين المعارض الذي تجرأ يوماً على مهاجمة وانتقاد الأخ الأكبر فإذا به يتحول إلى أيقونة فهم يعملون مع السلطة داخل وزارة الحقيقة وفي نفس الوقت ينتمون الى جماعة مفترضة وهمية اختلقها الحزب الحاكم لتكون مصيدة وهي جماعة غولدشتاين الذي ظهر مرة وانتقد الأخ الأكبر وتحول إلى بطل قومي وكل من يؤيده يكون مصيره الموت أو السجن والتعذيب.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني