خارطة طريق تعافي السويداء.. مواقف وتحدّيات

0

توافقاً على مبدأ “إنّ محافظة السويداء جزء أصيل من سوريا، ولا مستقبل لها خارجها، وأبناء المحافظة مواطنون سوريون متساوون بالحقوق والواجبات مع جميع السوريين”، واستكمالاً لحوارات 8 آب و19 تموز في العاصمة الأردنية حول آليات تثبيت وقف إطلاق النار وإيجاد حل دائم للصراع على السويداء، استضافت دمشق بتاريخ 16 سبتمبر مؤتمراً ثلاثياً، ضمّ وزير الخارجية السوري ونظيره الأردني والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وقد تمخّض عن خارطة طريق سورية – أردنية – أمريكية لإعادة الاستقرار إلى المحافظة.

في المؤتمر الصحفي الختامي، قدّم السيد أسعد الشيباني رؤية الحكومة السورية لحيثيات الأحداث وتطلّعاتها لآليات العلاج الوطنية، مؤكّدا إيمانه بأنّ “… السوريين، رغم كلّ ما مرّ بهم، قادرون على أن يتجاوزوا آلامهم، وأن يفتحوا طريقاً جديداً لأبنائهم. طريق عنوانه الأمل والعمل المشترك لبناء وطن آمن”، وأنّ ما يعلنه اليوم “يشكّل بداية لمسار طويل، يهدف إلى إعادة جسور التواصل على نحو يعزز جسور الوحدة بين أبناء البلد الواحد، ويمنع تكرار المآسي، ويعيد الطمأنينة لكلّ بيت”، وانّ ما يطرحه “ليس لمصلحة طرف دون آخر، بل هو لمصلحة سوريا كلّها، ولخير كلّ أبنائها وبناتها دون استثناء”.. آملاً “أن تسود لغة العقل والحكمة، وأن نغلّب صوت المصلحة الوطنيّة على أيّة حسابات ضيقة”.

من جهته، أكّد السيد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي على المبادئ العامّة التي تحدد سياسات المملكة تجاه أحداث السويداء، موضّحا أنّ بلاده تريد “… لسوريا أن تستقر وتنهض وتعيد البناء بعد سنوات من الدمار والمعاناة التي عاشها الشعب السوري والبدء بخطوات عملية نحو مستقبل مشرق لكل السوريين”، ومشددا على أنّ الأحداث التي شهدتها السويداء مأساوية ولا بد من تجاوزها عبر آليات فعّالة تتضمّن محاسبة مرتكبي الانتهاكات وإيصال المساعدات الإنسانية.

في نفس السياق، أعلن السيد توماس باراك التزام الولايات المتّحدة بدعم خارطة الطريق ومساعدة الحكومة السورية لتحقيق الأمن والاستقرار، وأنّ الاستقرار في سوريا يتحقق بالتعاون والتنسيق بين أبناء الوطن من خلال بناء الثقة والأمل والتسامح، كما أشاد بالخطوات العملية التاريخية التي اتخذتها الحكومة السورية لضمان السلم الأهلي.

أولاً: على صعيد ردود أفعال الأطراف المعنية في السويداء:

في تسجيل مصور نشره على صفحته يوم، 15 سبتمبر، أعلن قائد “تجمّع أحرار العرب” سليمان عبد الباقي عن تكليفه من وزارة الداخلية السورية لإدارة الملف الأمني داخل مدينة السويداء، وأنّه يتابع ملف المختطفين على خلفية الأحداث التي جرت منتصف تموز الماضي، نافياً في الوقت ذاته، وجود أي مختطف أو معتقل في سجون الحكومة السورية، من أبناء الطائفة الدرزية.

عبد الباقي، هو قائد “تجمع أحرار العرب” أحد الفصائل البارزة في السويداء، وكان وجهاً حاضراً في الحراك الذي انطلق ضد النظام السوري السابق في ساحة “الكرامة” في عام 2023، وعرف بتأييده للثورة السورية، وقد اتخذ عبد الباقي موقفاً مؤيداً للحكومة السورية الجديدة، التي تسلمت البلاد عقب الإطاحة بالرئيس المخلوع، بشار الأسد، في 8 ديسمبر 2024.

في نفس السياق، وفي اتجاه معاكس، أعلن بيان “اللجنة القانونية العليا في السويداء” أسباب وحيثيات رفض “ما سُمّي بخارطة الطريق” وإعادة التأكيد على ثوابت رفض المصالحة مع السلطة الجديدة وخَيار “حق تقرير المصير“.

ثانياً: في طبيعة التحدّيات!

بناء على ما تضمّنته أهداف وإجراءات الاتفاق من آليات تنفيذ فعّالة وغطاء دولي وإقليمي تؤشر إلى الفرص الكبيرة في نجاح الجهود المبذولة، دون أن تلغي إمكانية بروز تحدّيات خطيرة، قد تعرقل إجراءات وخطوات المسار أو تؤدّي إلى تفشيله، لصالح خَيارات التصعيد العسكري، وتأكيدا على أهميّة العمل بأقصى درجات الجهد والحذر من أجل توفير شروط نجاح خطوات خارطة الطريق، وتحويل المأساة إلى نموذج للوفاق الوطني وحماية مقوّمات السلم الأهلي والأمن القومي السوري، من المفيد الإشارة إلى طبيعة المخاطر والتحدّيات. أعتقد أن “الهجوم المضاد” الذي أطلقه بيان “اللجنة القانونية العليا في السويداء”، وحصل على دعم قوى سياسية مرتبطة بمشروع قسد، يحمل مخاطر ويشكّل تحدّيات قد تمنع تقدّم خطوات وإجراءات مسارات العمل السياسي والميداني.

دعونا نتساءل:

كيف يمكن أنّ نحدد طبيعة العقبة الرئيسية التي تواجه نجاح جهود خارطة الطريق، وأشكال المخاطر؟ ما هي القوى التي تتضرر من عواقب النجاح؟

لنقرأ بموضوعية أبرز عوامل وحيثيات تفاهمات خارطة الطريق:

بناء على وقائع توافق مصالح ورؤى جميع القوى المعنية حول ضرورات معالجة جروح الصراع على السويداء تحت سقف السيادة السورية التي تمثِّلها السلطة الجديدة، تأتي أهداف وإجراءات خارطة الطريق السورية لتصبّ في مصلحة جميع أبناء السويداء بما فيها القيادة الروحية التي تُمثّلها مشيخة العقل، وتتوافق مع مصالح السوريين الوطنية المشتركة، وهي بذلك مدعومة بشكل شبه كامل من قبل الرأي العام الدولي والإقليمي، وحكومات الأردن والولايات المتّحدة بشكل خاص ، اللتين تشاركان الحكومة السورية المصلحة في نجاح جهود إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة، وعلى حقيقة أنّ أدوات تنفيذ الاتفاق السورية (وزارة الداخلية) تتوافق مع مخرجات تفاهمات أمنية محتملة مع حكومة الكيان الاسرائيلي وتسحب “العصا” الإسرائيلية من يد القوى المناهضة للاتفاق، وفي ضوء وقائع تناقض أجندات مشروع قسد الداعية والداعمة ل “حق تقرير المصير” مع أهداف وأدوات ونتائج الاتفاق، وسياقه السوري…

من الموضوعية الاستنتاج أنّ بيان “مشيخة العقل” التي تقود “اللجنة القانونية” لا يخرج عن أطر ووسائل قسد الساعية لتفشيل الاتفاق!

ضمن هذا السياق، يمكن أن نتوقّع المزيد من وسائل العمل المضاد لإجراءات خارطة الطريق، كإعاقة وتفشيل جهود وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى مناطق سيطرة ميلشيات “المجلس العسكري” وجهود تبادل إطلاق الأسرى والمخطوفين والتعاون في قضايا التحقيق وكشف هويّات المتورطين في الجرائم، وتجيير نتائج الفشل سياسياً وإعلامياً لمنع تنفيذ خطوات الاتفاق…

الأخطر من كلّ ذلك، هو إمكانية أن تلجأ الميليشيات إلى تفجير معارك عسكرية جديدة، وما تحمله من مخاطر سقوط ضحايا وارتكاب انتهاكات واستثمار سياسي، يعيد تفاهمات خارطة الطريق إلى نقطة الصفر!

إذا كان إغلاق ملف السويداء يشكّل خطوة مهمة لإضعاف نزعات وقوى مشروع التقسيم على الصعيد السوري العام، فمن الخطورة تجاهل وقائع الدور القسدي القيادي، وقد نجحت جهود قسد منذ مطلع فبراير في توريط الجميع في صراعات دموية على الساحل السوري والسويداء وكانت الرابح الوحيد!

لقد أصبح الصراع على مفترق طرق خطير يوجّب إغلاق ملف قسد نهائيا، بغض النظر عن طبيعة الوسائل والأدوات، وتبقى المسؤولية الأولى والتاريخية على قيادة قسد لتجنيب مناطق “شمال شرق سوريا” والسوريين عواقب خَيارات عسكرية مدمّرة، وخسارة امتيازات قومية غير مسبوقة كان يمكن للكورد السوريين الحصول عليها في إجراءات تطبيق اتفاق العاشر من آذار!

يؤشّر إلى واقعية مخاطر المرحلة الراهنة من الصراع على مصير الكيان الجيوسياسي السوري بين سلطتي دمشق و”قامشلو” التطوّر الأخير بموقف الرئيس السوري المُعلن تجاه قسد، وقد حرصت سابقاً على تجنّب تحميل قسد مباشرة المسؤولية عن أحداث الصراع على الساحل والسويداء وضواحي دمشق، رغم ظهور دلائل على تورطها بالهجوم على كنيسة مار إلياس في الدويلعة، كما أكّدت نتائج تحقيقات وزارة الداخلية.

مما لاشك فيه أنّ الكرد السوريين جزء أصيل من الشعب السوري، ولهم ماله، وعليهم ما علية، في سوريا المستقبل – دولة القانون والمواطنة المتساوية، الموحّدة والمركزية، وأنّ عدم انخراط النخب السياسية الكردية القومية (والديمقراطية السورية التي انحازت في سياقات الصراع على سوريا لمشروع قسد في مسارات بناء نظام الدولة الجديدة، يضرّ بحقوق الكرد القومية، ومصالح السوريين الوطنية المشتركة، ويضعهم خارج دوائر الفعل الوطني والقومي.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني