
أصحاب الحراقات النفطية في دير الزور يرفضون قرار الإيقاف!
تشهد مناطق في دير الزور توتراً متصاعداً بعد قرار وزارة الطاقة إغلاق الحراقات البدائية، ما دفع عدداً من العاملين فيها إلى الاحتجاج، وتُوجت هذه التوترات في ريف المحافظة الشرقي. يأتي ذلك بعد سيطرة القوات الحكومية ووزارة الطاقة على حقول النفط الاستراتيجية في ريف دير الزور، مثل العمر وكونيكو والتنك والجفرة، عقب تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
الوزير يحسم قراره والمشغلون غاضبون
أبلغ وزير الطاقة محمد البشير في الثامن من شباط أصحاب الحراقات خلال اجتماع معهم في دير الزور، قرار الوزارة بوقف عمل الحراقات نهائياً في المحافظة بعد عودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، معتبراً أن النشاط “لم يعد مشروعاً في ظل الأطر القانونية النافذة”.
ارتفاع أسعار المحروقات… وتأثير مباشر على حياة السكان
أدى إيقاف الحراقات إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار المازوت والبنزين في الأسواق المحلية، ما أثّر على مختلف جوانب الحياة اليومية، من النقل إلى الزراعة وتشغيل المولدات الكهربائية. ويشير سكان محليون إلى أن الأسعار تضاعفت خلال فترة قصيرة، في ظل غياب بدائل حقيقية أو دعم حكومي يخفف من وطأة القرار.
أضرار بيئية وصحية خطيرة… والسرطان في الصدارة
من جانب اخر، وعلى الرغم من الغضب الشعبي، يؤكد مختصون في الصحة والبيئة أن استمرار عمل الحراقات البدائية كان يشكل كارثة حقيقية على صحة الإنسان والبيئة. فهذه الحراقات تعتمد على حرق مباشر للنفط الخام دون أي معايير سلامة، ما يؤدي إلى انبعاث كميات هائلة من الغازات السامة مثل:
– أكاسيد الكبريت والنيتروجين
– الجسيمات الدقيقة المسرطنة
– مركبات الهيدروكربون الثقيلة
ووفق تقارير طبية، ترتبط هذه المواد بشكل مباشر بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، الحساسية المزمنة، أمراض القلب، إضافة إلى زيادة واضحة في حالات السرطان.
وتشير مصادر طبية إلى أن نحو 90% من مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج في مشفى البيروني بدمشق هم من محافظة دير الزور، وهي نسبة صادمة تعكس حجم الكارثة الصحية التي خلّفتها الحراقات البدائية خلال السنوات الماضية.
شهادات وتحذيرات: الحراقات ليست حلاً… وليست حقاً مشروعاً
ومن جانبهم، يرى خبراء اقتصاديون وناشطون بيئيون أن المطالبة بعودة الحراقات البدائية لا يمكن اعتبارها “حقاً مشروعاً”، لأنها تشكل تهديداً مباشراً لحياة السكان، وتساهم في تدمير البيئة الزراعية والمائية في المنطقة.
كما أشار تقرير سابق “للشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أن التكرير البدائي في الحراقات خلال السنوات الماضية أدى لتسرب آلاف الليترات من النفط الخام إلى الأراضي الزراعية المحيطة ما تسبب بتلفها بشكل كامل أو شبه كامل وامتد إلى الحيوانات التي ترعى في هذه المنطقة.
ورصد التقرير شهادات لسكان القرى والبلدات التي تقع على أطرافها الحراقات البدائية، تؤكد انتشار أمراض بسبب الغازات السامة المنتشرة خاصة لدى النساء الحوامل والأطفال، في ظل معاناة الأهالي بشكل عام من ضيق في التنفس وحساسية مفرطة ومرض الربو والسرطان.
وفي سياقٍ متصل، أكد “البشير” أن “المرحلة المقبلة ستعتمد على المشتقات النفطية التي تنتجها الحكومة السورية، والتي ستؤمن للسكان من خلال القنوات النظامية المعتمدة. وتنظيم قطاع المشتقات النفطية يأتي في إطار فرض سيادة القانون وحماية البيئة وصون الصحة العامة”، حسب ما قاله لمشغلي الحراقات.
ومن جانب اخر، تكررت أعمال اشتعال نيران في مواقع لتكرير النفط في ريف دير الزور خلال الأيام الماضية، تركزت في حقل العزبة النفطي حسب مديرية الطوارئ والكوارث في دير الزور.
كما بينت مصادر محلية لصحيفة نينار، ترجح أن المستثمرين السابقين يقفون وراء تلك الحرائق.
بين الحاجة الاقتصادية والخطر الصحي..
في النهاية، تكشف احتجاجات أصحاب الحراقات عن أزمة معيشية، لكنها لا تلغي حجم الخطر الصحي والبيئي الذي خلّفته هذه الحراقات على سكان محافظة دير الزور.
وبينما ترتفع الأصوات المطالِبة بعودتها، تبقى الوقائع الطبية والبيئية دليلاً على أن هذا المسار ليس حلاً ولا حقاً مشروعاً، وأن حماية الإنسان يجب أن تتقدّم على أي مكسب اقتصادي مؤقت.