
حقبة الاستقلال والصراع على الهوية الوطنية في سوريا
شكّلت مرحلة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1946 منعطفاً حاسماً في التاريخ السوري الحديث، إذ لم تكن مجرد انتقال سياسي من سلطة أجنبية إلى حكم وطني، بل كانت لحظة تأسيس معقدة لمشروع الدولة والهوية والسيادة. خرجت سوريا من الانتداب وهي مثقلة بإرث من التقسيمات الطائفية والإدارية، وبحياة سياسية شديدة الحيوية لكنها بلا تقاليد مستقرة، ما جعل سنوات الاستقلال الأولى مزيجاً من الطموح والاضطراب في آن واحد.
مع إعلان قيام الجمهورية السورية، برزت رغبة واضحة في بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والمساواة أمام القانون. تجلّى ذلك في دستور عام 1950 الذي اعتُبر من أكثر الدساتير تقدماً في المنطقة آنذاك، حيث نصّ على الحريات العامة، والفصل بين السلطات، واحترام التعدد السياسي. كان هذا الدستور تعبيراً عملياً عن محاولة ترسيخ هوية وطنية مدنية تتجاوز الانتماءات الطائفية والعرقية، وتعتمد مفهوم المواطن الفرد بوصفه أساس الدولة.
ففي قلب مرحلة الاستقلال، اشتعل صراع عميق حول تعريف الهوية الوطنية نفسها. القوى السياسية التي تصدّرت المشهد لم تكن متفقة على تصور واحد لسوريا الجديدة. التيارات القومية العربية دفعت باتجاه هوية تتجاوز الجغرافيا السورية نحو المشروع الوحدوي، فيما ركّزت التيارات الاشتراكية على البعد الاجتماعي للهوية وربطتها بالعدالة والتحرر من الإقطاع والرأسمالية، في حين تمسّكت قوى وطنية أخرى بفكرة الدولة السورية المستقلة ذات الخصوصية السياسية والتاريخية. هذا التعدد الفكري لم يتحول إلى غنى سياسي منتج، بل دخل في صراع مفتوح على السلطة والشرعية.
في الوقت ذاته، شهدت الحياة السياسية نشاطاً حزبياً واسعاً مثّل أحد وجوه الصراع على تعريف الهوية. فـحزب البعث العربي الاشتراكي قدّم تصوراً للهوية قائماً على البعد القومي العربي، معتبراً أن سوريا جزء من أمة عربية واحدة، وهو ما تُرجم لاحقاً في تجربة الوحدة مع مصر عام 1958 تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة”. هذه التجربة شكّلت مثالاً واضحاً على تغليب الهوية القومية العابرة للحدود على الهوية الوطنية السورية المستقلة، وهو ما أثار انقساماً سياسياً واجتماعياً حاداً داخل البلاد.
في المقابل، مثّل حزب الشعب الذي أُعلن رسمياً عام 1949، إلى جانب تيارات ليبرالية أخرى، اتجاهاً يركّز على الدولة المدنية البرلمانية وعلى خصوصية الهوية السورية وضرورة تحصين السيادة الوطنية من الذوبان في مشاريع وحدوية متسرّعة. وقد ظهر هذا الخلاف بوضوح في النقاشات الحادة داخل البرلمان السوري المنتخب بعد دستور 1950، وفي الأزمات الحكومية المتكررة التي عرفتها البلاد خلال أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، قبل أن يتجدد الصراع بصورة أكثر حدّة مع تصاعد المدّ القومي وصولاً إلى الوحدة مع مصر عام 1958.
أما العامل الطائفي، فقد بقي حاضراً بصفته أحد أخطر التحديات البنيوية التي ورثتها سوريا عن الانتداب. ففرنسا كانت قد قسّمت البلاد سابقاً إلى كيانات طائفية، مثل دولة العلويين ودولة جبل الدروز، ما ترك أثراً عميقاً في الوعي السياسي والاجتماعي. وبعد الاستقلال، برزت مخاوف متبادلة بين المكونات المختلفة، خاصة مع صعود العسكر إلى السلطة عبر انقلاب حسني الزعيم عام 1949، ثم انقلاب سامي الحناوي وأديب الشيشكلي لاحقاً، حيث بدأ الجيش يلعب دوراً سياسياً متزايداً، ما أضعف المسار المدني وأعاد طرح سؤال الهوية والسلطة من زاوية القوة لا التوافق.
ورغم هذه الاضطرابات، شهدت سوريا في الخمسينيات تجربة سياسية نشطة نسبياً، تمثّلت في تداول الحكومات عبر البرلمان، وحرية الصحافة، واتساع النقابات والمنظمات المهنية، إضافة إلى تطور التعليم العام والجامعي. لعبت المدارس والجامعات دوراً مهماً في نشر فكرة الانتماء الوطني، حيث جرى التركيز على التاريخ السوري المشترك، وعلى رموز الاستقلال، وعلى فكرة الدولة السورية باعتبارها الإطار الجامع لكل أبنائها.
غير أن هذه التجربة لم تصمد طويلاً أمام تسارع الانقلابات والتدخلات الإقليمية والصراعات الأيديولوجية. فمع سقوط الوحدة عام 1961 ثم وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخلت سوريا طوراً جديداً من إعادة تعريف الهوية من أعلى، لا عبر التوافق المجتمعي، بل عبر السلطة والأيديولوجيا والأجهزة الأمنية. وهكذا ترحّل الصراع على الهوية من ساحة السياسة المفتوحة إلى بنية الدولة العميقة.
ترك الاستقلال، بذلك، إرثاً مزدوجاً في الوعي السوري. فمن جهة، أسّس لمفاهيم السيادة والجمهورية والدستور والحياة النيابية، ومن جهة أخرى، فشل في بلورة عقد وطني مستقر يحسم تعريف الهوية ويُخرجها من دائرة الصراع السياسي الحاد. وظلّت الأسئلة الكبرى المرتبطة بعلاقة السوري بالدولة، وبحدود انتمائه الوطني، وبموقعه بين الهويات الفرعية والهويات العابرة للحدود، مفتوحة وقابلة للانفجار مع كل أزمة.
إن الصراع على الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل كان صلب الأزمة السورية الحديثة. فكل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد لاحقاً، من صعود العسكر إلى هيمنة الدولة الأمنية، وصولاً إلى الانفجار الكبير في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تحمل في جذورها ذلك التعثّر الأول في بناء هوية وطنية جامعة قائمة على المواطنة والحرية والمساواة.
بهذا المعنى، تبقى حقبة الاستقلال ليست مجرد فصل من الماضي، بل مرآة تعكس الجذور العميقة لأزمة الدولة والهوية والسيادة في سوريا، وهي الأزمة التي ما زال السوريون يدفعون أثمانها حتى اليوم.