
إعادة بناء سورية والنهوض الاقتصادي
د. حسين مرهج همّاش
تمهيد:
إن إعادة بناء سورية ونهوضها الاقتصادي من جديد لن يكون ممكناً، حتى في المرحلة الانتقالية المنشودة، ما لم يسقط نظام الأسد كلياً ونهائياً، ويتم تحرير سورية من كافة الجيوش والمليشيات المحتلة وبصورة كاملة وقطعية. لقد حوّل الأسد، الأب أولاً ثم جاء ابنه على ذات المنهج، حكم سورية من دولة متطلعة إلى الديمقراطية والتنمية إلى سلطة دكتاتورية عائلية فجّة، وألغى وجود الدولة وسماها “سورية الأسد”، ثم حوّلها لاحقاً إلى سلطة طائفية وقحة سحقت الإنسان والحيوان. فجاء الرد عليها ثورة شاملة لاقتلاع الأسد ونظامه اقتلاعاً أبدياً.
دولة بلاد الشام؟
الجانب السياسي يفرض نفسه في المصيبة السورية قبل التفكير بإعادة البناء الاقتصادي. لهذا نسأل أنفسنا: هل سورية التي نعرفها قابلة للشفاء والحياة، أم أنها دولة فشلت وانتهت كدولة سياسية؟ هنا نقول: لا بد من البحث عن اسم ودور جديد لها. وربما حان الوقت لاستعادة سورية اسمها الأصلي “جمهورية بلاد الشام” أو “دولة بلاد الشام”، وما يعادلها بالإنكليزية State of Sham Land. وكم هو اسم جميل! وبدلاً من اسم سورية الذي تلوث بكل سموم خبث الإنكليز والفرنسيين في اتفاقهم المسمى “سايكس-بيكو”. وقد يعترض أحدهم على أن بلاد الشام أكبر من سورية وتشمل فلسطين والأردن ولبنان. لا بأس في ذلك، فيكفي أن دمشق هي الشام أو قلب بلاد الشام. وربما هذا الاسم الطاهر ينظف جرائم سورية السياسية بحق نفسها وبحق بقية أجزاء بلاد الشام. ولا يكفي تغيير الاسم، بل يمتد إلى تغيير شكل العلاقات داخلها ونظامها السياسي، وحتى تغيير العملة، والعلم، والعمق الجغرافي.
ونحن نحضر لأفكار مسودة الخطة هذه، هل لازلنا نحلم، ونحن في عام 2022 وما فيه، بأنه ستتاح لنا فرصة لإعادة بناء سورية؟ وهل فعلاً سيسقط نظام الأسد أمام هذا الواقع المزري الذي تعيشه الثورة والبلاد؟ وهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه زوال كابوس نظام الأسد، ونشهد بعده قيام سورية الجديدة الديمقراطية بكل ما تحمله من معاني الحرية والعدل والعروبة والإسلام والمواطنة؟ الواقع كما هو يخبرنا أن هذا صعب المنال، كما يروجون لنا. ولكن إيماننا بالله وعدله، وإصرارنا على حقنا في بلدنا، سيمنعنا من اليأس، بل سيدفعنا للتخطيط للنصر.
نود أن نحذر: هذه المسودة ليست خطة كاملة، بل هي وثيقة مختصرة أشبه “بخارطة طريق”، وأفكارها مستقاة من واقع دمار سورية، ومن تطلعات أبنائها. وحتى لو استخدمنا كلمة “خطة” هنا، فإنها لن تكون كذلك إلا عندما تعتمد من قبل سلطة سياسية حرة وتضع لها أدوات تنفيذها.
وعليه نقول: إن أولى بديهيات إعادة البناء والنهوض هو قيام حكومة سياسية مركزية ديمقراطية تمثل الإرادة الحرة للسوريين، وتحترم ثقافة وقيم الشعب العربي المسلم، وتقيم العدالة، وتحمي حقوق المواطنة المتساوية في الحرية والعيش الكريم.
وصف مختصر للمصيبة:
لماذا نستخدم تعبير “إعادة بناء” وليس “إعادة إعمار”؟ لأننا نرى أن سورية التي نعرفها قد تدمّرت وانتهت. إذن، ما سوف يتم هو إعادة بناء من الصفر تقريباً، وليس إعادة إعمار لما تهدم.
1- لقد تعرضت سورية منذ عام 2011 إلى دمار رهيب على يد نظام الأسد وطائفته وحلفائه، بسبب ردة فعله العنيفة على مطالب الثورة السلمية بالحرية والكرامة والإصلاح، والتي تحولت إلى حرب غير متكافئة ضد الشعب. وفي الأصل، ومنذ عقود، كان الاقتصاد السوري ضعيفاً ومنهاراً من داخله بسبب سياسات الأسد الأب الذي دمّر البنية السياسية والأخلاقية، وأقام دولة الفساد والقمع للسيطرة على كل شيء. وبدأ الاقتصاد الهش حينها يمر بمرحلة انحدار طويلة منذ انقلاب الأسد على رفاقه البعثيين والطائفيين عام 1970. بل إن نظرة الخبير المحايد قد تصف الاقتصاد حينها بأنه اقتصاد كبر وتضخم، ولكنه كان مجرد تضخم ورم خبيث غير مرئي سيؤدي إلى هلاكه بعد حين. وهو ما حصل فعلاً بمجرد انطلاق الثورة السورية.
2- إن إصرار نظام الأسد الابن على انتهاج عقيدة أبيه المجرمة في الحل القمعي التدميري بقوة الجيش والأمن وميليشياته الطائفية، ثم الاستعانة بقوات إيرانية وروسية لإكمال جريمته ضد الشعب، قد أكمل ما بدأه أبوه من تدمير سورية تدميراً فعلياً، وليس مجازاً. فقد قتل وسجن وهجر نحو 12 مليوناً من شعبها (وخاصة العرب السنة)، أي نحو 60% من السكان. ولم تنجُ مدينة ولا قرية عربية سنية سورية من التدمير المقصود كلياً أو جزئياً، بغض النظر عما إذا كانت تلك المدينة ثائرة أو موادعة للنظام. نعم، لا تكفي مجلدات من الكتب لوصف جريمة هذا النظام، وهي لم تكتب بعد. وبالطبع لن تكفيه فقرات معدودة هنا في هذه المسودة، وإنما نوردها للدلالة على ذلك فقط تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الحديث والتخطيط لما بعد الكارثة من البناء والإصلاح.
3- بصريح العبارة، إن كلمتي “إعادة” و”الإصلاح” هما كلمتان غير كافيتين لشرح الحالة والهدف، لأن الاقتصار عليهما يعني تضليل أنفسنا بل وتضليل الناس الذين ينتظرون عوناً وفرجاً من مصيبتهم. وربما المعنى الأقدر على التعبير عن الحالة هو إعادة البناء من الصفر حرفياً في كل مجال: البشر والحجر معاً. نعم، بناء من الصفر لسورية، وذلك فقط بعد سقوط نظام الأسد وبعد تطهير هذه البلاد من رجسه وآثامه تماماً. عندئذ يمكننا أن نتحدث عن بدء البناء من الصفر ليكون لنا وطناً جديداً ودولة يعتز مواطنوها بالانتماء إليها.
بعض التكاليف:
4- تتفاوت تقديرات الدمار في سورية كثيراً، وبالتالي يتبعها تفاوت تقديرات تكاليف الإعمار وفق المفاهيم المالية المعتادة تفاوتاً شديداً، بسبب أسلوب النظام في التهرب من عرض الحقائق كما هي على أرض الواقع. إذ إنه مع كل الدمار البشري والعمراني لا وجود للدولة فعلياً بمفهومها المعاصر، إذ إنها دولة منهارة وفاشلة، وحلت مكانها مليشيات مسلحة عديدة تفرض سلطتها على ما تبقى من أرض تحت علم سلطة نظام الأسد. ومع أنني قدّرت تكاليف الدمار في سورية خلال الستة أشهر الأولى من الثورة بنحو 44 مليار دولار، وذلك عندما حذرت الأسد شخصياً، خلال استقباله لنا في قصر تشرين 2011 ضمن ما سمي حينها “مجموعة المبادرة الوطنية” (أو مجموعة محمد سلمان)، بأن الخسارة الاقتصادية القادمة ستكون فادحة، وحينها استخف بحديثنا، وأنه لا يرى تدميراً في سورية كما قدرنا، كالعادة.
5- وبعد سقوط النظام البائد وانجلاء الغبار، ظهرت مصيبة من الدمار لم يكن أحد يتخيلها. فعلاً كانت حرب إبادة.
6- وأقل تقديرات الخسائر، بالضرورة تكلفة “إعادة الإعمار” وفق البنك الدولي، أنها تبلغ نحو 400 مليار دولار. وقد اعتبر بعض المختصين أنها تقديرات محافظة جداً. وأياً تكن التقديرات الفعلية، فهي ضخمة وخارج قدرة الاقتصاد السوري، ربما لمدة 30 عاماً قادمة. وهذا مفهوم للمنطق البشري السليم لبناء الدول بعد المصائب. ولهذا سنأخذ الرقم 400 مليار دولار كتقدير وسطي لتكلفة إعادة بناء سورية، حتى لو كانت التكلفة الفعلية أعلى من ذلك، لأننا سنعتمد على قدرات ومساهمات السوريين فقط في بناء بلدهم.
ملامح التفكير الاستراتيجي:
7- لأن الحكومة الانتقالية فشلت في إعطاء السوريين أي خطة عن المستقبل، وإنما كانت منشغلة بالمواقف الإعلامية البراقة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فإن هذا التفكير هو بديل لعقلنا فقط وليس لعقل السلطة الهائمة على غير هدى.
ما أوردناه وما سنورده أدناه ليست خطة إعمار لا تفصيلاً ولا إجمالاً، بل هي نوع التفكير العام عن كيفية إعادة بناء البلد، وإصلاح نظامه الاقتصادي، وإعادة بناء الإنسان. ولهذا فإن الأرقام المالية الواردة هنا هي الأقل حضوراً، لأنه لا توجد بيانات كافية ولا يجوز استباق الأمور عندما تختفي المكونات السياسية والحسابية للتكاليف.
8- إن إعادة بناء سورية (الوطن) ليست مهمة سهلة، بل إنها مهمة معقدة وصعبة ولها جوانب سياسية وأخلاقية واقتصادية واجتماعية متعددة. كما أن إعادة البناء ليست مرحلة زمنية واحدة تُفرغ فيها كل المخططات الجاهزة، بل هي سلسلة طويلة تتمثل بالمبادئ أو المسارات السبعة التالية:
1- المبادئ السياسية:
وهذه المبادئ السياسية هي الأهم في العمل، إذ إنه ليس منطقياً البدء بالبناء دون وجود سلطة سياسية مركزية وقوية على أسس ديمقراطية تعبر عن تطلعات وقيم السوريين. وهذه السلطة هي التي سترعى تنفيذ عملية إعادة البناء وفق توافق سياسي وثقافي واجتماعي يحترم الناس ويعتني بالمستقبل.
2- استعادة الهوية:
إن استعادة الهوية العربية الإسلامية لسورية هو عنوان عريض من قواعد المبادئ الأخلاقية وتشريعات التعليم والعلم وغيرها، والتي ربما تُطرح للمرة الأولى كأنها جزء من بناء الوطن. نعم. إعادة البناء يجب أن ترتكز على استعادة الهوية بعد الدمار الأخلاقي والإنساني الرهيب الذي مارسه نظام الأسد على مدى 6 عقود من الزمن، وعلى قيم سامية أخلاقية عالية ترتكز على العروبة والإسلام.
3- الحرية الاقتصادية:
إن انتهاج مبدأ الحرية الاقتصادية المنظمة ينسجم مع الديمقراطية التي انتهجها السوريون لنظامهم السياسي. وهذا يعني أن الحرية الاقتصادية للعمل ستكون مكفولة ومصانة ضمن القانون والعدل وتكافؤ الفرص لكل الأفراد. وهذه الحرية ستكون عوناً رئيسياً لهم في إعادة البناء.
4- العدالة الاجتماعية:
إن خطة بناء الوطن لن تحقق هدفها ما لم يتم وضع واعتماد منهاج للعدالة الاجتماعية. وهذا المنهاج ضروري لإنصاف المواطن السوري من قسوة النزوح واللجوء ومن ظلم الفساد والقمع الذي عايشه قبل الثورة، بحيث يتم وضع آليات لحمايته من الفقر والبطالة والمرض، وتوفير التعليم له، وإشراكه بحصة من ثروة الوطن عبر إعادة توزيع الدخل ضمن قواعد الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
5- أولويات إعادة الإعمار:
أ- حاجة ملحة: السيول التي جرفت خيام النازحين في شباط 2026 هي أكبر دليل على فشل الحكومة الانتقالية في الاستجابة لتطلعات واحتياجات المواطن السوري المنكوب بحكومات عابثة متلاحقة منذ أيام السلطنة العثمانية.
أو الحد الأدنى، وهو ما نعتقده، أن إعمار البيوت والخدمات هو الجزء الأكثر وضوحاً وإلحاحاً من أجل عودة اللاجئين. وهذا الجزء هو المعني بإعادة البناء بالحد الأدنى للبيوت المدمرة وتوفير الخدمات والبنية التحتية إلى مستواها السابق ما قبل الثورة على الأقل، لتمكين هؤلاء اللاجئين من العودة الكريمة. وهذا يعني إعادة الإعمار إلى وضعه الراهن سابقاً فقط الآن، إذ إنه أولوية إنسانية وسياسية.
ب- المستقبل: وهذا يعني ضمناً تأجيل خطط المستقبل للارتقاء والتطوير وتلافي العيوب السابقة إلى ما بعد استكمال الاستقرار الإنساني والسياسي، لأن التخطيط للمستقبل والتطوير العمراني وغيره يجب أن يُستشار فيه كل الناس وليس فقط موظفين فنيين ذوي سلطة مطلقة. فالاستثمار الحقيقي يجب أن يكون بالإنسان وليس بالمبالغة في بناء الحجر مهما كان جميلاً. سورية تحتاج إلى بناء الإنسان والتعليم والصحة والعلم لعلها تلحق بركب الدول المحترمة.
6- الاعتماد على الذات:
يروج في أدبيات إعادة الإعمار وجود دور رئيسي للمنظمات العالمية والدول الأجنبية عن طريق منح قروض وهبات وغيرها. ونعتقد أن إعادة بناء الوطن يجب أن تعتمد على الذات السورية بالدرجة الأولى، ورفض كل القروض الخارجية تماماً مهما كانت شروطها مغرية. ولا بأس من قبول الهبات غير المشروطة من الدول والجهات الصديقة. وهذا يعطي حرية ومرونة للسوريين لتطبيق أهدافهم السياسية والأخلاقية والاقتصادية بعيداً عن إملاءات الدول والمنظمات.
7- المرحلية:
التفكير السليم يفرض التأني والتدرج في بناء الوطن وتقسيمه إلى مراحل زمنية مرنة حسبما تفرضه الظروف السياسية والتغيرات على أرض الواقع. ونستطيع الجهر بثلاث مراحل زمنية كل منها مدته خمس سنوات، بحيث نصل بعد 15 سنة إلى وطن مستقر سياسياً ونفسياً وقادر على الانطلاق إلى المستقبل بثقة واستقرار ووضوح.
أ- المرحلة الأولى: الانتقالية
وهذه لمدة 3 سنوات على الأكثر. وتعتبر الأهم والأخطر لأنها ستتكفل بتحقيق الاستقرار السياسي المؤقت وتمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم. وفي هذه المرحلة سيتم وضع القوانين والخطط للمستقبل.
ب- المرحلة الثانية: استعادة الهوية
وهي مرحلة قد تمتد إلى 5 سنوات وسطى، وتعتمد في نجاحها على ما تم إنجازه في المرحلة الانتقالية، إذ سيتم تقييم الواقع الإنساني والأخلاقي الذي سيحدد هوية الأمة ومستقبلها الإنساني والحضاري. وهو جهد أغلبه يمكن تسميته بالقوة الناعمة. وفي هذه المرحلة سيتم وضع الخطط والتوجهات التطويرية العمرانية والاقتصادية للمستقبل.
ج- المرحلة الثالثة: تثبيت المسار
وهذه هي المرحلة الثالثة، قد تصل إلى 10 سنوات من إعادة البناء، المعنية بتثبيت المبادئ التي ستحدد مستقبل البلد ومراجعتها والتأكد من المشاركة الشعبية في رسم المستقبل.
1- تقديرات مصادر تمويل برنامج إعادة بناء الوطن (مليار دولار أمريكي):
مصادر التمويل/المراحل الانتقالية استعادة الهوية تثبيت المسار المجموع
هبات دولية 60 20 20 100
هبات ومساعدات عربية 40 40 20 100
منح منظمات ومؤسسات تمويلية 20 16 16 52
القطاع الخاص السوري 80 24 44 148
المجموع 200 100 100 400
ملاحظة: هذه المبالغ خارج الميزانية الحكومية
2- تقديرات بنود الإنفاق على برنامج إعادة بناء الوطن (مليار دولار أمريكي):
بنود الإنفاق / المراحل الانتقالية استعادة الهوية تثبيت المسار المجموع
الإعمار وبناء الوطن المادي 100 0 0 100
النهوض الاقتصادي 40 60 40 140
العدالة الاجتماعية 16 24 16 56
استعادة الذات والحوكمة 24 36 44 104
المجموع 180 120 100 400
ملاحظة: هذه المبالغ خارج الميزانية الحكومية المعتادة