
تغيّرات نوعية في استراتيجيات السيطرة الأمريكية – عوامل سياق ومسوّغات!
عندما يقول السفير الأمريكي أنّه لا عودة إلى “سايكس بيكو”، يعني أنّه قد انتهى في استراتيجية إدارة ترامب الجديدة عصر التدخّل الاستعماري لتقسيم دول المنطقة، ولا فرصة لبقاء كانتون قسد، ولا لتعميم نموذجها “اللامركزي” في الساحل السوري والسويداء!!.
هو جوهر رؤية الولايات المتّحدة الجديدة تجاه مشاريع التقسيم السابقة، كما أوضح السيد السفير، مؤكدًا أنّ “الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته روبيو كانا واضحين تماماً: سيكون هناك دولة واحدة سنتعامل معها وهي الحكومة السورية، أمّا قسد التي ينتمي إحدى مكوناتها YPG (وحدات حماية الشعب) إلى PKK (حزب العمال الكردستاني التركي)، فقد قاتلت مع الأمريكان في مهمتنا ضد تنظيم داعش. من وجهة نظر الولايات المتّحدة، كان ذلك رائعا. الآن، على قسد أن تندمج عسكرياً وسياسياً في سوريا الجديدة. بالمناسبة، هذا ينطبق على العلويين والدروز، وكلّ المجموعات التي تسعى لتمثيل سياسي، في أطر العملية السياسية”.
التساؤل الرئيسي الذي يطرح نفسه بقوّة على الرأي العام السوري:
“لماذا تراجعت إدارة الجمهوريين عن مشروع السيطرة الإقليمية والسوريّة السابق لتاريخ 27 نوفمبر الذي كانت تتمحور أهدافه حول قطع مسارات الانتقال السياسي والتحوّل الديمقراطي وتفشيل دول الإقليم وتقسيمها، بأذرع الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني، وماهي ملامح الصيرورة الجديدة للاستراتيجية الترامبية؟”
في محاولتي توضيح أبرز عوامل السياق وما صنعته أحداث الصراع من وقائع حددت بمجموعها أهداف وأدوات مشروع الولايات المتّحدة الجديد في سوريا، من الموضوعية الأخذ بعين الاعتبار حرص صنّاع السياسات الأمريكية على رؤية آفاق حركة الوقائع السياسية والبناء عليها بما يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة، دون أن يعني أنّها دائما تحقق النجاح!
في استغلال لما نتج عن المواجهات الأمنية والطائفية لاستحقاقات ديمقراطية في سوريا ربيع 2011 من حروب متعددة المستويات على السلطة ومصير الكيان، وجدت واشنطن في هذه الظروف الجديدة فرصة تاريخية لإضافة سوريا إلى قائمة الدول التي نجحت سياساتها التشاركية مع سلطة النظام الإيراني في تفشيلها وتقسيمها بعد إعطاء الوقت الكافي للقوى المتصارعة على شكل السلطة ومناطق النفوذ لقطع مسارات التحوّل الديمقراطي ودفع الصراع على مسارات الخَيار الطائفي الميليشياوي، فكان للعامل الأمريكي الدور الرئيسي في نجاح جهود سلطة الأسد وشريكيها الإيراني والروسي، وما أدّت إليه من هزيمة صيرورة الثورة وتفشيل الدولة مطلع 2014، وقد توفّرت عندها جميع شروط إطلاق صيرورة مشروع المرحلة الثانية لتقسيم سوريا، فتدخّلت واشنطن وحلفها الدولي عسكريا، ونسّقت لاحقاً تدخّلاً روسياً خلال 2015.
هكذا، وبفعل عوامل سياق الصراع الأمريكية، انتهت حروب إعادة تقاسم الجغرافيا والسيطرة عند نهاية 2019 بتبلور أربع سلطات أمر واقع ميليشاوية، كانت جميعها موضوعياً أدوات وشركاء تحقيق أهداف وخطوات مشروع التقسيم الأمريكي، وكان مصير سلطاتها يتحدد وفقاً لخطط مركز بحوث “RAND” الأمريكي، وتسير خطواته على خارطة طريق تأهيل متزامن ومتكامل لسلطات الأمر الواقع، قسد والمؤقّتة والإنقاذ، وإعادة تأهيل سلطة أسد، بما يضمن تثبيت مرتكزات مشروع التقسيم، ويشرعن وجود سلطاته، صانعة بذلك خارطة السيطرة الجيوسياسية التشاركية، وشكل النظام السياسي السوري الجديد، حيث سلطة الأسد الشرعية، والعمود الفقري لمشروع التقسيم الإيراني الأمريكي، وبات مصير الجميع مرتبطاً جوهرياً باستمرار شبكة السيطرة التشاركية الأمريكية – الإيرانية.
التساؤل الذي تكشف الإجابة عليه طبيعة التطوّرات اللاحقة، بدءا من طوفان الأقصى قي السابع من 2023:
ما هي طبيعة التحدّيات التي واجهتها شبكة التقسيم، وجهود إعادة تأهيل سلطاتها؟
1- تناقضها مع مصالح السوريين المشتركة، والأمن القومي السوري.
2- تناقضها مع مصالح تركيا – الأمن القومي التركي.
3- تناقضها مع مصالح السيطرة الإقليمية والسورية، الإسرائيلية.
الصراعات التالية، بين واشنطن وطهران وتل أبيب ودمشق، واستمرار الهجمات العدوانية الأسدية على مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ، وارتفاع سقف أهداف الحروب العدوانية الإسرائيلية في أعقاب هجوم طوفان الأقصى، واستعصاء ملف العلاقات التركية السورية، هي التي، في ترابط تفاعلاتها الجدلية، صنعت مفاعيل التغيير النوعي وأوصلت شبكة السيطرة الإيرانية الأمريكية التشاركية في سوريا (ولبنان وفلسطين)، إلى درجة التفكك، (وقد عجزت سياسات بايدن طوال 2024 عن وقف الحروب الإسرائيلية التي تستهدف تفكيك مرتكزاتها في قطاع غزة و لبنان وسوريا، كما فشلت السياسات التركية في دفع الأسد إلى تسوية سياسية، تعالج مواقع التهديد في الأمن القومي التركي والسوري)، وحددت طبيعة أداته السورية الرئيسية، وتكون في المحصلة قد فشلت إدارة بايدن الديمقراطية في توفير شروط اعتراف متبادل بين سلطات الأمر الواقع، يخلق شروط استقرار دائم لسلطات أسد وقسد والمؤقّتة والإنقاذ…ويثبّت مرتكزات مشروع تقسيم سوريا وفقا لخارطة طريق مركز RAND التابع للبنتاغون الأمريكي.
إذا أضفنا إلى ذلك فشل سياسات وجهود تطبيع “سلام أبراهيم” الإقليمي الذي أطلقت واشنطن صيرورته منذ مطلع 2020 بالتساوق و التزامن مع إطلاق تسويتها السياسية الجزئية في سوريا مطلع 2020 (التي سعت، كما أشرتُ سابقا، إلى توفير شروط استقرار لجميع سلطات الأمر الواقع التي تبلورت في نهاية 2019)، بسبب عجزها عن توفير شروط “حل الدولتين”، نكون أمام رؤية واضح لجميع جوانب مشهد الأحداث منذ 27 نوفمبر 2024.
في خلاصة القول، الوقائع تقول إنه مع وصول ترامب والجمهوريين إلى السلطة نهاية 2024، تكون قد وصلت استراتيجيات إدارات الديمقراطيين منذ وصول كارتر وبريجنسي إلى السلطة عام 1977 (قطع صيرورات التحوّلات الديمقراطية وتفشيل الدول و تقسيمها بالشراكة مع سلطات وميليشيات الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني)، إلى طريق مسدود، (انقطاع مسارات سلام أبراهام، وفشل التسوية السياسية الأمريكية الجزئية في سوريا، ونجاح الحروب العدوانية الإسرائيلية في تفكيك مرتكزات السيطرة الإيرانية – التشاركية، وفشل جهود التسوية السياسية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي)، وأنّ أكثر الدول التي ساهمت في تفشيلها هي حكومات الحرب الإسرائيلية و سياسات تركيا وعجز سلطة النظام الإيراني والسوري عن التعامل مع نتائج الحرب الإسرائيلية، ووصول دور روسيا إلى حالة اللافعل، وقد أدركت إدارة ترامب عدم جدوى الدخول في مواجهات شاملة مع الدولتين لكي تحافظ على شبكة سيطرة متهالكة، و قد باتت أدواتها، خاصة سلطات النظام الإيراني وأسد وقسد، في مواجهة حروب مصيرية مع الدولتين الحليفتين للولايات المتّحدة…!
هي أبرز العوامل التي وجّبت على إدارة ترامب والجمهوريين، وبدعم من الديمقراطيين في الكونغرس، تبنّي خطط وسياسات استراتيجية جديدة، تتناقض مع غايات ووسائل الاستراتيجية السابقة!!
ما هي أبرز ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تنفذها إدارة ترامب؟ التخلّي عن أدوات مشروع تقسيم سوريا، ودعم جهود ومسارات بناء سلطة دولة مركزية، وموحّدة، تحتكر السيطرة على السلاح الجغرافيا والسيادة!
لماذا تمّ اختيار هيئة تحرير الشام، وتم تكليف تركيا بتشكيل غرفة عمليات هجوم رد العدوان؟ لأنّه لا يمكن لسياسات المشروع الأمريكي الجديد أن ترى النور في سوريا دون مشاركة وموافقة تركيا – الدولة الأكثر تضرراً من مشروع التقسيم السابق – الإيراني – أمريكي – ولأنّ قيادة هيئة تحرير الشام ورئيسها هي الأكثر قدرة على تفكيك الفصائل التي تسيطر على سوريا، سواء التابعة لغرفة عمليات رد العدوان أو المواجهة لها، بعد نجاح جهود واشنطن في تفكيك سلطة الأسد، وبالتالي على حصر امتلاك السلاح بيد مؤسسات دولة جديدة، ولأن رصيدها الشعبي هو الأوسع… تخيّلوا لو وقع الخَيار الأمريكي على قسد؟ فهل يكون لهذه الميليشيا المتطرّفة والعنصرية أيّة حظوظ في النجاح!!
على أية حال، أعتقد أنّ إدراك تلك الحقائق والعوامل فيما حصل من تغيّرات نوعية في حيثيات ونتائج هجوم رد العدوان في هو العامل الأساسي لفهم طبيعة السلطة الجديدة، ومآلات العملية السياسية الانتقالية التي تقودها بدعم كامل من تركيا والولايات المتّحدة بالدرجة الأولى..
المؤكّد أنّه لا يمكن أن تسمح الولايات المتّحدة وتركيا بنجاح جهود قسد، التي تعمل على تفشيل مسارات العملية السياسية بالتعاون مع فلول أسد وشبكة السيطرة الإيرانية، وتحت يافطات اللامركزية السياسية وحماية حقوق المكوّنات، ليس فقط لأسباب تتعلّق بضرورات نجاح استراتيجية سيطرة جديدة في سوريا، بل ولأنّ نجاح حلقتها السورية يرتبط مباشرة بتقدّم خطوات وإجراءات مشروع التطبيع الإقليمي الأمريكي..