تعيين ثلث مجلس الشعب.. اختبار الجدية في التغيير لا تبديل الوجوه

0

في المراحل المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس الخطوات السياسية بحجمها الشكلي بل بعمق معناها وتأثيرها في الواقع. والسوريون اليوم، بعد كل ما مرّوا به من صدمات ومعاناة، لم يعودوا يبحثون عن تغييرٍ في الوجوه بقدر ما يتطلعون إلى تحولٍ في النهج والعقلية الحاكمة، وإلى رؤية جديدة تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس المشاركة والمساءلة والشفافية.

من هذا المنطلق، فإن خطوة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب لا يمكن النظر إليها كإجراء إداري عابر، بل كاختبارٍ حقيقي لمدى جدية السلطة الانتقالية في السير بطريق الإصلاح العميق، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج المشهد السابق بملامح جديدة. فالقضية لا تتعلق بالأسماء، بل بمنهجية الاختيار ومدى استقلالها عن المحسوبيات والتوازنات الضيقة.

لقد أنهكت الحروب والانقسامات السوريين، حتى باتوا أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأقدر على التمييز بين الخطوات الجادة والإجراءات الشكلية. وما ينتظره الناس اليوم هو دلائل فعلية على وجود إرادة سياسية جديدة، لا وعود مؤجلة أو شعارات متكررة. إن أي عملية تعيين تُبنى على الولاءات أو الاعتبارات الطائفية والمناطقية، ستعيد إنتاج فشل الماضي وتؤدي إلى مجلس فاقد للثقة الشعبية، عاجز عن أداء دوره الرقابي والتشريعي.

وفي ظل غياب قانون عصري ينظم الحياة الحزبية حتى الآن، تظل مسألة تمثيل القوى السياسية في المجلس محدودة الإطار، ما يجعل من الضروري أن يعتمد التعيين على منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والفعاليات الوطنية المستقلة التي تعبّر بصدق عن نبض الشارع ومطالبه. غير أن ذلك لا يتحقق إلا عندما تكون هذه الكيانات حقيقية وفاعلة، لا واجهات صُنعت لتجميل المشهد أو تلميع السلطة. فالمجتمع المدني لا يُخلق بقرار من فوق، بل ينشأ من القاعدة الاجتماعية ويستمد شرعيته من الناس.

المطلوب اليوم ليس تزيين الصورة أو تدوير الخطاب، بل تأسيس ثقافة جديدة في الحكم والإدارة، تقوم على الشراكة والمحاسبة وتؤمن بدور المواطن في صناعة القرار. فالمجالس المنتخبة أو المعيّنة على حد سواء لا تُقاس بعدد المقاعد أو أسماء الأعضاء، بل بقدرتها على تمثيل هموم الناس، وطرح الحلول الواقعية، وممارسة الرقابة بشجاعة واستقلالية.

كما أن المرحلة الانتقالية تتطلب اختيار شخصيات مستقلة ذات كفاءة ونزاهة وخبرة، قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية بعقلية مهنية، بعيداً عن الولاءات الشخصية والحزبية. فهذه المرحلة لا تحتمل التجريب أو المجاملة، بل تحتاج إلى عقول تؤمن بالدولة لا بالسلطة، وبالمواطنة لا بالولاء.

ومن الضروري أيضاً أن يتضمن التعيين تمثيلاً نسائياً لا يقل عن 10 بالمئة من إجمالي الأعضاء، فالمشاركة النسائية ليست استجابة شكلية لضغوط خارجية، بل هي ركيزة أساسية للعدالة والمواطنة. لقد أثبتت التجارب في دول عديدة أن مشاركة المرأة في مواقع القرار ترفع من مستوى الشفافية والكفاءة وتمنح الاهتمام اللازم بالسياسات الاجتماعية والتنموية، وهو ما تحتاجه سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إن أي محاولة للالتفاف على جوهر التغيير أو إعادة تدوير الماضي بطرق جديدة، ستكون خيبة أمل إضافية في سجل السوريين الذين تعبوا من الانتظار ومن الإصلاحات الشكلية. فالشعب الذي دفع ثمناً باهظاً في سبيل كرامته وحريته يستحق أن يرى إرادة سياسية صادقة تتحول إلى خطوات ملموسة تبني الثقة وتؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني.

إن تعيين ثلث مجلس الشعب هو لحظة اختبار مفصلية: فإما أن تكون خطوة تأسيسية نحو دولة القانون والمؤسسات، أو تتحول إلى واجهة جديدة تُضاف إلى تجارب انتقالية فاشلة. والفرق بين الخيارين هو في النية والإرادة والجرأة على اتخاذ قرارات حقيقية تعيد لسوريا مكانتها وتفتح باب الأمل لمواطنيها.

فالتاريخ لا يرحم من يتردد في لحظات التحول الكبرى، ولا يغفر لمن يفرّط بفرص الإنقاذ الوطني. وما يحتاجه السوريون اليوم هو شجاعة في القرار وشفافية في الإدارة وإيمان عميق بمفهوم الوطن الجامع. عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا فعلاً مسار التغيير، لا مجرد تبديل الوجوه.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني