تعليق تعاون إيران مع الوكالة الدولية: استراتيجية استعراض القوة أم كسب الوقت؟

0

بعد وقف إطلاق النار في حرب الـ 12 يوماً، وفي الوقت الذي كان العالم يتوقع ثمة تغيير في النهج المتشدد للنظام الإيراني وجنوحه نحو مواقف سياسية أكثر اعتدالاً وعقلانية، فإن الذي يبدو ظاهراً لحد الآن بأن أي من التوقعات الإيجابية التي تم الإعراب عنها هنا وهناك ليس لم تتحقق بل وحتى إن العكس منها هو الذي صار يتبلور ليٶكد بأنه لا جديد في سياسة ونهج هذا النظام بل إنه وكما كان دائماً!.

الأصوات التي بدأت تتعالى في برلمان النظام مطالبة بعدم التفاوض والتمسك بالنهج والسياسات المشبوهة رافقتها أيضاً ووفق ما أعلنته وسائل الاعلام الرسمية للنظام من إن مسعود بزشكيان قد صادق يوم الاربعاء الماضي الثاني من يوليو 2025، على قانون أقره البرلمان الشهر الماضي لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبدء بتنفيذه.

وينص القانون على أنه، نظراً لما وصفه بـ “انتهاك السيادة الوطنية وسلامة الأراضي الإيرانية” من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، فإن الحكومة “ملزمة بتعليق جميع أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) واتفاقيات الضمانات ذات الصلة، وذلك حتى يتم تلبية شروط من بينها تأمين سلامة المنشآت النووية والعلماء الإيرانيين”. وبذلك فإن بعض من كان ينتظر من أن يلوح النظام بغصن زيتون فإنه وبدلاً من ذلك يسير في الاتجاه المعاكس ليٶكد من جديد على ولعه بإثارة الأزمات والحروب.

هذا التصعيد الجديد الذي يبدو أنه قد فاجأ العالم إلا أنه لم يأت بأي جديد بالنسبة للمعنيين بالشأن الإيراني خصوصاً وإن النظام الإيراني قد أثبت منذ تأسيسه سعيه للعمل من أجل إثارة الفوضى والحروب وفرض هيمنته على بلدان في المنطقة ولم يجنح يوماً باتجاه مساع تهدف لاستتباب السلام والأمن، ولذلك فإن هذا التصعيد لا يمكن أن يٶخذ على أي محمل حسن، بل إنه مسعى من أجل إبقاء الضبابية والغموض على مواقف وسياسات هذا النظام.

قرار وقف إطلاق النار في حرب الأيام الـ 12 جاء باتجاه شبيه بذلك الاتجاه الذي حدث في الأحداث والتطورات التي نجمت عن سقوط نظام بشار الأسد وضمور حزب الله، أي أنه قد جاء بصورة مخالفة لتلك التي كان النظام يطمح إليها وهذا ما جعل النظام يشعر بقلق بالغ ولاسيما وأنه يعلم جيداً بأن الشارع الإيراني سوف يطالبه بتفسير لكل هذه الأحداث والتطورات السلبية التي تثبت وبصورة عملية فشل وخيبة سياساته التي شرع بها منذ بداية تأسيسه، ولأن هناك أيضاً مقاومة منظمة ضد النظام سعيت وتسعى من أجل تعبئة الشعب وتوجيهه ضد النظام، فإنه لابد من التنويه هنا أن تعليق النظام الإيراني للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد جاء أساساً بعد أن قام النظام باتخاذ احتياطات أمنية غير عادية في طهران ومختلف المدن الإيرانية واعتقاله للمئات بتهم شتى، وهو يهدف من وراء هذا التعليق إضافة لكسب العامل الزمني، المزيد من المراوغة والمناورة من أجل الحصول على مكاسب وامتيازات تعينه في وضعه الحالي الصعب.

استراتيجية استعراض القوة أم كسب الوقت؟

يجدر بالذكر أن القانون المتعلق بتعليق تعاون النظام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أُبلغ رسمياً من قبل مسعود بزشكيان إلى الجهات الإيرانية المعنية في الثاني من يوليو/تموز. وقد تمت المصادقة على هذا القانون في البرلمان الإيراني في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران، وأقرّه مجلس صيانة الدستور، وهو الجهة المسؤولة عن المصادقة على القوانين، بسرعة.

وجاء في هذا القانون، من بين أمور أخرى: على الحكومة أن تعلّق فوراً بعد إقرار هذا القانون أي تعاون مع الوكالة بناءً على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) واتفاقية الضمانات المرتبطة بها، حتى تحقيق شروط معينة، بما في ذلك ضمان أمن المنشآت والعلماء.

النظام الإيراني، الذي لا يمتلك القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا، يستهدف من جهة الوكالة ومديرها العام كحلقة ضعيفة، ومن جهة أخرى، لا يريد أن يكتشف مفتشو الوكالة حجم الدمار الناجم عن القصف الأمريكي للمواقع النووية في فردو ونطنز وأصفهان.

كما يعتقد النظام أن التظاهر بصنع قنبلة نووية بعد تعليق التعاون مع الوكالة يمثل استعراضاً للقوة وورقة يمكن أن يلعب بها لكسب الوقت.

يأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه ترامب في الأول من يوليو أنه يمكن الآن استخدام كلمة “الدمار” لوصف المواقع النووية الإيرانية التي استهدفتها الولايات المتحدة، حيث قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه لا يمكن حتى الوصول إلى تلك المواقع.

ومن الجدير بالملاحظة أن النظام الإيراني، على عكس تهديداته السابقة، لم ينسحب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بل علّق التعاون مع الوكالة فقط. ويتمثل الهدف من هذا النهج المزدوج في استعراض القوة من جهة، وإبقاء الباب مفتوحاً لاستئناف التعاون مع الوكالة في المحادثات المحتملة لاحقاً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني