بين الكفاءة والتمثيل: ملامح التعيين في مجلس الشعب القادم

0

تشهد الساحة السورية مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، مع بدء مرحلة جديدة وما تحمله من تحديات ومسؤوليات جسيمة، ليس أقلها تشكيل المؤسسات الدستورية التي يُفترض أن تعبّر عن روح هذه المرحلة وتطلعات السوريين في آنٍ معاً. وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن قيام الرئيس أحمد الشرع بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، خطوة تثير بطبيعتها تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأسماء المنتظر دخولها المجلس، والنهج الذي سيُعتمد في اختيارها، ومعايير التوازن بين الكفاءة والتمثيل، بين الخبرة والمشاركة المجتمعية، وبين الطموح الواقعي والإصلاح المأمول.

التكنوقراط… بين الحاجة والرمزية

منذ سنوات، يكثر الحديث في الأوساط السورية عن الحاجة إلى وجوه جديدة تحمل معرفة حقيقية بمفاصل الإدارة والاقتصاد والقانون والسياسة العامة، بعيداً عن الاعتبارات الشكلية أو الانتماءات الضيقة. ومن الطبيعي أن يتجه التفكير في المرحلة الجديدة نحو إشراك التكنوقراط — أي أصحاب الخبرة والكفاءة في مجالاتهم — في صياغة السياسات ورسم التشريعات التي يمكن أن تضع البلاد على سكة التعافي. 

لكنّ التكنوقراط وحدهم لا يكفون. فالإصلاح السياسي والاجتماعي لا يقتصر على إصلاح القوانين والمؤسسات، بل يتطلب فهماً عميقاً للنسيج السوري بكل تعقيداته. فربما لا يكون “الخبير” وحده هو الأقدر على تمثيل الناس، بقدر ما يكون القادر على الإصغاء إليهم، والتحدث بلغتهم، والتعبير عن همومهم دون تكلّف أو مسافة.

تمثيل النساء… ضرورة لا مجاملة

من بين التوجهات التي يجري الحديث عنها، تخصيص ما لا يقل عن 20% من مقاعد المجلس للنساء، سواء ضمن التعيينات أو عبر الانتخابات. وقد يرى البعض أن هذه النسبة رمزية أو محدودة، لكنّها – في الواقع – تشكل خطوة مهمة في مسار طويل لتصحيح التوازن في الحياة العامة. 

المرأة السورية، على اختلاف مواقعها الجغرافية والاجتماعية، كانت حاضرة في كل مفاصل الأزمة والنجاة منها: في التعليم، والصحة، والعمل الأهلي، والإغاثة، وحتى في مفاوضات المجتمع المحلي. لذا فإن تمثيلها في مجلس الشعب ليس منّة سياسية، بل استحقاق إنساني وأخلاقي، وضرورة لخلق تشريعات أكثر عدالة وشمولاً. 

وما يجعل هذه الخطوة أكثر أهمية هو أن تمكين النساء في الحياة السياسية قد يسهم في ترميم الثقة بين المواطن والدولة، إذ يفتح الباب أمام رؤية مختلفة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على الرعاية والشراكة لا على الوصاية.

الأحزاب والتيارات… تعددية مسؤولة لا شكلية

من الطبيعي أيضاً أن تشمل التعيينات شخصيات تمثل أحزاباً وتيارات فكرية متعددة، على اختلاف خلفياتها. فالمرحلة الجديدة لا يمكن أن تُبنى على صوت واحد، ولا على لون سياسي واحد، بل على اعتراف حقيقي بأنّ التنوع السوري ليس عبئاً بل مصدر غنى. 

لكنّ التعددية المطلوبة ليست تلك التي تُرفع شعاراتها في المناسبات، بل التعددية المسؤولة التي تراعي وحدة البلاد واستقرارها، وتدرك أنّ الحوار لا يعني التفريط، وأنّ المعارضة لا تعني العداء. 

ربما يكون من المفيد أن نرى في المجلس شخصيات حزبية شابة تمتلك أفكاراً جديدة، إلى جانب رموز من الجيل الأقدم ممن عاصروا مراحل مختلفة من التاريخ السوري. هذا المزج بين التجربة والطموح قد يكون المفتاح لبناء مؤسسة تشريعية أكثر واقعية، وأكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية.

المجتمع المدني… صوت الشارع وضمير الدولة

لا يمكن تجاهل الدور المتنامي لمنظمات المجتمع المدني، سواء كانت جمعيات تنموية أو ثقافية أو إنسانية. فهذه المنظمات، التي نشأت في معظمها كردّ فعل على غياب المساحات التقليدية للمشاركة، أثبتت أنها قادرة على الوصول إلى الفئات الهشة والمناطق المهمشة، وأنها تحمل حسّاً وطنياً لا يقلّ عن أي مؤسسة رسمية. 

إشراك ممثلي المجتمع المدني في مجلس الشعب سيمنح التشريعات القادمة روحاً جديدة، ويجعلها أكثر قرباً من الواقع، وأكثر قدرة على التفاعل مع مشكلات المواطن اليومية. كما أنه قد يشكل جسر ثقة بين الدولة والمجتمع، بعد سنوات من القطيعة أو الشك المتبادل.

يبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن تحقيق التوازن بين هذه الفئات جميعها؟ 

الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من الإيمان بأنّ المجلس المقبل يجب أن يكون مرآة للواقع السوري، لا مرآة للنخبة السياسية فقط. فالتعيين لا ينبغي أن يكون مجرّد توزيع حصص أو توازن رمزي، بل عملية مدروسة تراعي الكفاءة والتمثيل معاً. 

يمكن تخيل مجلس يضم الأكاديمي والناشط، المرأة الريفية وسيدة الأعمال، المثقف والفلاح، رجل القانون والعامل، بحيث تتلاقى هذه الأصوات تحت سقف واحد هو المصلحة الوطنية العليا. 

التنوع لا يعني التشتت، بل يعني الاعتراف بأنّ لكل فئة في المجتمع حقاً في أن تُسمع، وأن تساهم في صنع القرار الذي يمسّ حياتها.

بين الواقعية والأمل

من المبكر الجزم بطبيعة الأسماء التي ستُعيّن، لكنّ التوقع العام هو أن يغلب عليها الطابع المتزن، وأن يُراعى فيها تمثيل مختلف الشرائح دون انحياز حاد. وربما تكون هذه الخطوة بداية لإعادة الاعتبار لمفهوم المشاركة السياسية بمعناها الواسع، لا بوصفها امتيازاً بل مسؤولية. 

الناس اليوم لا ينتظرون من مجلس الشعب شعارات كبيرة بقدر ما ينتظرون تشريعات تحسّن حياتهم، وتدعم العدالة الاجتماعية، وتفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية. لذلك، فإنّ الأمل أن يكون ثلث الأعضاء الذين سيُعيَّنون قادرين على أن يكونوا صلة وصل بين الدولة والمجتمع، لا مجرد ممثلين شكليين.

ختاماً

إنّ أي خطوة إصلاحية حقيقية لا يمكن أن تنجح ما لم تتكئ على الثقة، والثقة لا تُمنح، بل تُكتسب من خلال الشفافية، والمصداقية، والقدرة على الفعل. 

ربما لا يكون تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب حدثاً إدارياً فحسب، بل لحظة اختبار لمفهوم جديد في الحكم: مفهوم المشاركة التوافقية التي توازن بين إرادة الدولة وإرادة الناس. 

وإذا استطاعت التعيينات المرتقبة أن تجمع بين التكنوقراط والنساء والمجتمع المدني والأحزاب، ضمن رؤية وطنية واحدة، فربما يمكن القول إننا بدأنا أخيراً نخطو نحو مجلس لا يمثل السلطة فقط، بل يمثل الوطن بكل ملامحه الإنسانية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني