
بوصلة الشرع تتجه شمالاً: لقاء مفاجئ يعيد تشكيل ميزان القوى والدبلوماسية في قلب المنطقة
أثارت زيارة الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، المفاجئة إلى موسكو في أكتوبر 2025، واللقاءُ الذي جمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تداعيات واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي. لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع دبلوماسي روتيني، بل قد يشكَّل نقطةً مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السورية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. وتحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية معقدة، تعكس الواقع الجديد لسوريا والتحديات الكبيرة التي تواجهها في سياق إعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي. إضافة إلى الرغبة في كسب دعم روسيا في ملف حساس يتعلق برفع اسمه وسوريا الجديدة عن قوائم الإرهاب.
سياسياً، تأتي الزيارة في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة تأسيس مؤسسات الدولة الجديدة، بما في ذلك مجلس الشعب وبقية الأجهزة التنفيذية والقضائية. ويرى الكثيرون أن توجه الشرع نحو موسكو قبل اكتمال هذه المؤسسات يعكس تسارعاً غير اعتيادي في العلاقات مع روسيا، ربما بفعل ضغوط داخلية واقتصادية. فالوضع الاقتصادي المتردي، مع أزمة الطاقة ونقص الموارد الأساسية، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لإعادة تأهيل البنية التحتية، شكَّل عامل ضغط مباشر على السلطة الجديدة. هذه الضغوط قد تكون السبب الرئيسي وراء توجُّه الشرع الأنظار إلى موسكو، بغض النظر عن الموقف الأمريكي أو الإقليمي، سواء كان ترخيصاً أو تحفظاً.
ومن جانب الموقف الأمريكي والخليجي، يطرح السؤال نفسه: هل توجه الشرع كان بتنسيق معهم، أم أنه تحرك بشكل مستقل؟ تشير بعض المصادر إلى أن الزيارة تمت دون موافقة رسمية من واشنطن أو العواصم الخليجية، ما يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام الشرع في ظل الحاجة الملحة إلى دعم عاجل. في المقابل، يرى محللون آخرون أن هناك نوعاً من التفاهم غير المعلن، ربما يهدف إلى السماح للشرع بإدارة الأزمة الاقتصادية والأمنية دون التورط المباشر للقوى الغربية، وهو ما يعكس تراجعاً في الدور الأمريكي المباشر في سوريا.
اقتصادياً، كانت الحاجة الماسة إلى دعم عاجل أحد المحركات الرئيسية للزيارة. فعدم وصول المساعدات الخليجية والمالية في الفترة الماضية أدى إلى تفاقم الأزمة، وخلق ضغطاً شعبياً وسياسياً على السلطة الجديدة، خاصة مع موجة عودة اللاجئين الكبيرة. ويمكن تفسير زيارة موسكو على أنها محاولة لتأمين مساعدات إسعافية ودعم للطاقة والبنية التحتية، وهو ما كان ضرورياً لتخفيف الاحتقان الداخلي ومنع الانهيار الاجتماعي قبل استقرار المؤسسات.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فالوضع أكثر تعقيداً. فروسيا، رغم أنها كانت طرفاً مباشراً في الحرب السورية السابقة، لا تزال تملك نفوذاً استراتيجياً في البلاد، خاصة عبر قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم. ويُرسل لقاء الشرع مع بوتين رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد التعاون مع موسكو لضمان الدعم الاقتصادي والعسكري، ومن جهة أخرى، إعادة توازن القوى على الأرض السورية بما يتيح للحكومة الجديدة أن تتفاوض مع اللاعبين الدوليين من موقع قوة أكبر. ويعيد هذا التوجه إلى الأذهان سياسات وملفات التسليح والتعاون العسكري السابقة.
على الصعيد الدولي، تكشف زيارة الشرع عن تراجع نسبي في الدور الأمريكي المباشر في سوريا. فالولايات المتحدة، التي كانت سابقاً داعماً للمعارضة السورية، اختارت سياسة أكثر حذراً، اقتصرت على دعم محدود سياسياً واقتصادياً، دون الانخراط في إعادة الاستقرار الكامل. وهذا التراجع الأمريكي وفَّر مجالاً لموسكو لتعزيز نفوذها في سوريا، وهو ما يفسر جزءاً من أسباب توجه الشرع إلى روسيا.
في المقابل، تحمل الزيارة فوائد واضحة. فالدعم الروسي يمكن أن يخفف من الأزمة الاقتصادية الطارئة، ويوفر خطوط تمويل للطاقة والبنية التحتية، بالإضافة إلى تعزيز قدرة الدولة الجديدة على فرض سيطرتها على الداخل ومنع الانفلات الأمني. كما أن اللقاء مع بوتين يمنح الشرع شرعية سياسية إضافية، ويتيح له استغلال هذه المكانة في التفاوض مع اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين.
لكن هناك مخاطر حقيقية. فاعتماد سوريا على روسيا قد يثير رفضاً شعبياً، نظراً لتورط موسكو في قتل مئات الآلاف من السوريين خلال الحرب. كما أن التحرك دون تنسيق واضح مع الدول الإقليمية قد يؤدي إلى توترات مع تركيا والدول الخليجية، ويعقِّد مسار إعادة الإعمار والعودة السلسة للاجئين. وتسليح الجيش السوري بأسلحة روسية قد يعيد المشهد العسكري لسوريا إلى ما كان عليه سابقا، مما يزيد من احتمالات الاحتكاك مع الولايات المتحدة وأوروبا.
في المجمل، يمكن القول إن زيارة أحمد الشرع إلى موسكو تمثل خطوة استراتيجية معقدة، تعكس الواقع السوري الجديد، وتظهر تحديات الحكم الانتقالي في مرحلة حساسة. فالزيارة تحمل إيجابيات واضحة، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي والأمني، لكنها تأتي مع مخاطر سياسية وجيوسياسية ملحوظة، بما في ذلك إعادة نفوذ روسيا إلى الأرض السورية، واحتمالية توترات مع تركيا والدول الخليجية، فضلاً عن حساسيات دولية أكبر مع الولايات المتحدة وأوروبا. لذا، فإن نجاح هذه الخطوة يعتمد على قدرة الحكومة السورية الجديدة على الموازنة بين مصالح القوى الكبرى والإقليمية، وإدارة العلاقات مع روسيا بحذر دون أن تتحول الدولة السورية إلى مجرد أداة لتحقيق النفوذ الروسي. وفي الوقت نفسه، يجب أن ترافق هذه السياسة خطوات لتعزيز الاستقرار الداخلي، وتطوير المؤسسات الجديدة، وتحقيق قدر من الاستقلالية الاقتصادية والسياسية، لضمان ألا تعود سوريا مرة أخرى مسرحاً لصراعات دولية أو إقليمية كما كانت في الماضي.