الواقع الخدمي في مدينة حلب: بين محاولات النهوض وتحديات الواقع

0

تُعدّ مدينة حلب من أعرق المدن في سوريا والعالم، وهي تحمل في طيّاتها إرثاً حضارياً وثقافياً عظيماً. غير أنّ سنوات الحرب وما تبعها من دمار واسع في البنية التحتية والخدمات العامة، أفرزت واقعاً خدمياً معقّداً يتأرجح بين محاولات التعافي ومطبّات التحديات المستمرة. واليوم، وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على خروج المدينة من دائرة المواجهات العسكرية، لا تزال حلب تخوض معركة من نوع آخر: معركة إعادة تأهيل مرافقها الخدمية، ورفع سوية المعيشة لمواطنيها، ضمن ظروف اقتصادية وإدارية شديدة التعقيد.

أحد أبرز وجوه الواقع الخدمي في المدينة يتمثّل في البنية التحتية. فقد تضررت شبكات الطرق، المياه، الصرف الصحي، والكهرباء بشكل كبير أثناء سنوات الحرب، ومع أن العديد من الجهود الحكومية والجهات المحلية بذلت في سبيل إصلاح ما أمكن، إلا أن النتائج على الأرض لا تزال دون مستوى الطموحات. فشوارع كثيرة لا تزال تفتقر إلى التزفيت المناسب، والحفر باتت مشهداً مألوفاً في مختلف الأحياء، سواء في المناطق الشرقية التي شهدت الدمار الأكبر، أو حتى في المناطق الغربية التي كانت نسبياً أكثر استقراراً.

يُعزى هذا البطء في إعادة التأهيل إلى عدة عوامل، أبرزها ضعف الموارد المالية، وارتفاع تكاليف المواد الأولية، فضلاً عن التحديات اللوجستية المرتبطة بتأمين المستلزمات في ظل العقوبات الاقتصادية. لكن رغم هذه الصعوبات، لا يمكن إغفال أن بعض الخطط كان يمكن أن تُدار بكفاءة أكبر، لا سيما فيما يخص أولويات الصيانة ووضوح الرؤية في الجدولة الزمنية.

الكهرباء، التي تُعدّ عصب الحياة المدنية، لا تزال تمثل تحدياً يومياً لأهالي حلب. فبرامج التقنين القاسي، والتي تصل أحياناً إلى أكثر من 20 ساعة قطع في اليوم، أثّرت سلباً على حياة السكان وأعمالهم، وزادت الاعتماد على البدائل المكلفة مثل مولدات الأمبير، والتي بدورها أثارت إشكالات عدة تتعلق بالتسعير والانضباط.

أما المياه، فواقعها لا يقل تعقيداً، إذ تُضخ إلى الأحياء بشكل متقطع، وغالباً ما يُضطر المواطن إلى تخزينها بكميات محدودة في خزانات، وهو ما يفتح الباب أمام مشاكل صحية في حال تلوثها أو بقائها لفترات طويلة. ورغم المحاولات المتكررة لإصلاح محطات الضخ والآبار، إلا أن المنظومة لا تزال تعاني من قدم المعدات، ونقص الطاقة اللازمة لتشغيل المحطات بفعالية.

في ما يخص قطاع النظافة، تبذل البلديات جهوداً واضحة في رفع النفايات وتنظيف الشوارع، ولكن حجم المدينة وكثافتها السكانية، إلى جانب نقص العمال والمعدات، يجعل من هذه الجهود غير كافية لتغطية كامل المناطق. وتشهد بعض الأحياء تراكماً واضحاً للنفايات، خصوصاً في المناطق الشعبية أو العشوائية، وهو ما يشكل خطراً على الصحة العامة ويثير شكاوى المواطنين بشكل متكرر.

وفي ذات السياق، تعاني المراكز الصحية والمشافي من ضغط كبير نتيجة نقص الكوادر، والأدوية، والتجهيزات، ما يدفع البعض إلى اللجوء إلى القطاع الخاص رغم تكلفته المرتفعة. وتكمن الإشكالية هنا في غياب خطة متكاملة لتوزيع الموارد على القطاعات الأكثر احتياجاً ضمن الأولويات الصحية.

يعاني النقل الداخلي في حلب من ضعف شديد، إذ إن عدد الباصات المتوفرة لا يلبي الحاجة الفعلية، وغالباً ما تكون الخدمة غير منتظمة، مما يضطر المواطنين إلى استخدام سيارات الأجرة أو “السرفيس” بأسعار مرتفعة نسبياً، أو حتى اللجوء إلى السير على الأقدام لمسافات طويلة. ورغم إطلاق بعض المبادرات لتحسين هذا القطاع، إلا أن العقبات التمويلية والإدارية لا تزال تحدّ من تنفيذها على أرض الواقع.

من المهم عند الحديث عن الواقع الخدمي في حلب أن نفرّق بين الانتقاد البنّاء والتجريح غير المسؤول. فالمشكلة في مجملها ليست حكراً على فرد أو جهة واحدة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة ومعقدة، تتداخل فيها آثار الحرب، والوضع الاقتصادي العام، ونقص الكفاءات، إضافة إلى بعض القصور في الرؤية والتخطيط على المستوى المحلي.

وبينما تبذل المحافظة جهوداً في عدة مجالات، سواء في إطلاق مشاريع ترميم، أو التنسيق مع المنظمات الدولية، أو تعزيز الجباية لتحسين الإيرادات، تبقى الحاجة ماسّة إلى مزيد من الشفافية في عرض الخطط، وإشراك المجتمع المحلي في وضع الأولويات، ومتابعة التنفيذ بآليات رقابة أكثر فعالية.

ورغم هذا الواقع الثقيل، فإن مدينة حلب بدأت تستعيد تدريجياً بعض مظاهر الحياة الطبيعية. الأسواق تنشط، وبعض الأحياء تشهد تحسناً ملحوظاً في الخدمات، وهناك نماذج ناجحة لمبادرات فردية وجماعية أسهمت في تحسين واقع النظافة أو تنظيم المرور، ما يدل على أن روح المبادرة لا تزال حيّة في وجدان الحلبيين.

إن مستقبل الخدمات في حلب مرهون بقدرة المؤسسات على العمل التشاركي، وتجاوز البيروقراطية، والتفاعل مع مطالب الناس بمرونة وجدية. فحلب، التي صمدت في وجه الحرب، تستحق أن تُعاد إليها الحياة الكريمة، لا بالشعارات، بل بالخطط المدروسة، والتنفيذ الفعلي، والمساءلة البنّاءة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني