الهوية ليست سياسة: كيف نحول الانتماء إلى خيار مدني لا سجن طائفي

0

ليست الهوية “طائفيةً كانت أم قومية أم إثنية” معطى ثابتاً أو جوهراً متصلباً، بل هي بناء اجتماعي – ثقافي معقّد. إنها نسيجٌ من اللغة والطقوس والذاكرة والتاريخ، أو كما يصفها بندكت أندرسون “جماعة متخيَّلة”، أي أنها إطار رمزي يجمع بين الأفراد عبر قصة مشتركة، دون أن يفرض بالضرورة برنامجاً سياسياً محدداً. في المقابل، يفترض الانتماء السياسي أن يكون مشروعاً مستقبلياً وخياراً حراً، يعبّر عن إرادة المواطنين في بناء كيانهم المشترك: أي نظام حكم، وأي عدالة، وأي اقتصاد.

لكن هذه المساحة بين الهوية كخلفية ثقافية والسياسة كخيار مدنيّ تتقلص بشكل خطير عندما تتحول الهويات إلى أدوات في يد السياسة. وهنا ينشأ ما يُعرف بـ “التطييف السياسي”، وهي عملية تحوّل فيها الانتماءات الثقافية إلى هويات سياسية صلبة ومغلقة، يُفرض على الفرد ضمنها أن يصوت، ويؤيد، ويعارض، ليس انطلاقاً من قناعاته، بل من انتمائه “الطبيعي” المفترض. إن هذه الآلية ليست حتمية، بل هي بناء سياسي يزدهر في تربة الخواء المؤسسي، وانحسار الشرعية، وانتشار العنف.

لفهم كيفية ترسخ هذه الآلية، يمكن الاستعانة بمفهوم “الهيمنة الثقافية” عند أنطونيو غرامشي، حيث تقوم النخب المهيمنة بترويج خطاب يجعل من التقسيمات الطائفية أو الإثنية أمراً “طبيعياً” ومُسَلَّماً به، بل وضرورياً للحفاظ على النظام. كما يذكّرنا عزمي بشارة بأن الدولة ليست جهازاً محايداً، بل هي فاعل رئيسي في تشكيل الهويات من خلال سياساتها التعليمية والإعلامية والإدارية؛ فهي إما أن تعيد إنتاج الانقسامات أو تعمل على تجاوزها نحو فضاء المواطنة الجامعة.

تقدم التجارب أمثلة صارخة. ففي لبنان، تحوّل النظام الطائفي من إطارٍ يفترض أنه ينظّم التعايش إلى آلة لتقسيم الغنائم وإقصاء كل من خارج الطوائف “المعترف بها”. أما في سوريا، فقد تم استغلال الهوية كأداة لتعبئة الجمهور في سياق الصراع، عبر اختزال المجتمع إلى “مكونات” ثابتة، يُفترض أن لكل منها زعيمٌ يتحدث باسمها، وهي عملية تجريدية تخدم أطراف النزاع أكثر مما تخدم الناس. في المقابل، شكّلت جنوب أفريقيا نموذجاً مغايراً: حيث تم تحويل هوية عنصرية مفروضة (الأبارتايد) إلى حركة تحرر جامعة، انتقلت منها إلى عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة والمواطنة، لا على الانتماءات العرقية.

الخروج من أسر هذا النمط يتطلب استراتيجيات متداخلة:

سياسياً: بناء مؤسسات تمثيلية قوية تعمل على أساس المواطنة والكفاءة، وتطوير أحزاب وطنية برامجية، وتعزيز اللامركزية الإدارية الفعّالة التي تخدم الناس مباشرة.

اقتصادياً: تفكيك اقتصاد الريع والامتيازات الذي يغذي الزبائنية والولاءات ما دون الوطنية، وربط الفرص والخدمات بالجدارة والمعايير الموضوعية.

ثقافياً وتربوياً: تعميم التعليم المدني النقدي الذي يغرس قيم المواطنة والحقوق والواجبات، ودعم مبادرات الحوار المجتمعي التي تبني الثقة وتكشف القواسم المشتركة.

قانونياً: سنّ تشريعات صارمة لمكافحة التمييز بكافة أشكاله في الوظيفة العامة والتوظيف والخدمات، وضمان أن يكون القانون حامياً للجميع، لا أداةً لإقصاء البعض.

الهوية هي مصدر ثراء ثقافي، وليست سياسة بطبيعتها. الخطر كل الخطر أن تتحول إلى سجن هوياتي يُفرِغ السياسة من مضمونها المدني ويحوّلها إلى صراع انتماءات أولية. إن الانتماء السياسي الذي ننشده هو ذلك القائم على الاختيار الحر والمشروع المشترك، لا كإكراه طائفي أو إثني يعيد إنتاج الانقسام، والخشية من الآخر. فقط عندها يمكن أن نصنع فضاءً عاماً مفتوحاً للجميع، حيث تكون الهوية مصدر ثراء ثقافي لا سجناً سياسياً، وحيث يمكننا أن نبني مجتمعاً للجميع، لا كانتونات مغلقة تمزقها الفوضى وتذروها رياح التقسيم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني