الهوية البصرية السورية الجديدة وفصل السلطات: تحليل قانوني وسياسي في المرحلة الانتقالية

0

مقدمة: جدلية الرمز والشرعية في سوريا الجديدة

يمثل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة تحول مفصلية في تاريخ سوريا، إذ أطلقت مرحلة انتقالية طموحة تهدف إلى إعادة بناء الصورة الوطنية وتعزيز الوحدة والهوية الجامعة. في هذا السياق، جاء إطلاق الهوية البصرية السورية الجديدة في 3 تموز/يوليو 2025، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، كخطوة رمزية محورية للإعلان عن “سوريا الجديدة”. وقد صُممت هذه الهوية لتعكس تطلعات المرحلة الراهنة، مؤكدة على القطيعة مع الماضي وبداية عصر جديد.

غير أن هذا الإطلاق السريع للهوية البصرية أثار تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الحكومة الانتقالية بالمبادئ الدستورية وفصل السلطات. فقد أشارت التصريحات الأولية والنصوص الدستورية إلى أن إقرار شعارات الدولة يتطلب مصادقة السلطة التشريعية، أي مجلس الشعب. ومع ذلك، بدأ الشعار الجديد يُستخدم بالفعل على الأوراق الرسمية للقرارات الحكومية قبل تشكيل السلطة التشريعية بشكل كامل. هذا التناقض بين الإجراءات الفعلية والمتطلبات القانونية يضع على المحك التزام النظام الجديد بمبادئ الحكم الرشيد، ويفتح الباب أمام مقارنات مع ممارسات النظام السابق الذي اتسم بتهميش السلطة التشريعية. يسعى هذا التقرير إلى تحليل الأبعاد القانونية والسياسية لهذا التطور، وتقييم مدى احترام مبدأ فصل السلطات في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

إن الأهمية التي أولتها الحكومة الجديدة لإطلاق الهوية البصرية، من خلال الاحتفالات العامة الواسعة وعروض الطائرات المسيرة، تشير إلى إدراك عميق للدور الذي تلعبه الرموز في تشكيل الوعي الوطني. في أعقاب الصراعات الكبرى أو التحولات الجذرية، تتجاوز رموز الدولة كونها مجرد عناصر جمالية لتصبح أدوات قوية للشرعنة السياسية. فهي تعلن عن قطيعة حاسمة مع الماضي وتعمل على صياغة هوية جماعية جديدة. إن العرض المبكر والبارز لهذه الرموز، حتى لو كان سابقاً للموافقات القانونية الكاملة، يمكن أن يُنظر إليه على أنه محاولة من السلطة التنفيذية لترسيخ سلطتها وروايتها الجديدة بسرعة، استباقاً لأي تفسيرات بديلة لمفهوم “سوريا الجديدة”. هذا الفعل يمثل عملية بناء للأمة عبر الرمزية، حيث تُعطى الأولوية للوحدة الوطنية المتصورة والبداية الجديدة على الالتزام الصارم بالمعايير الإجرائية خلال فترة هشة.

الهوية البصرية الجديدة: الدلالات والاعتماد المبكر

أُطلقت الهوية البصرية السورية الجديدة رسميًا في 3 تموز/يوليو 2025، بحضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في حفل أقيم لهذه المناسبة. وقد حظي الحدث بتغطية واسعة، حيث أُرسلت رسائل إلى هواتف السوريين وأُعدت شاشات عامة في ساحات المحافظات، بما في ذلك احتفال كبير في دمشق عند نصب الجندي المجهول في سفح جبل قاسيون. هذه الجهود المنسقة تعكس الرغبة في جعل الإطلاق حدثاً وطنياً بارزاً.

تضمنت الهوية الجديدة شعاراً يعتمد على “العقاب الذهبي السوري”، مع تعديلات عليه، حيث أُضيفت ثلاث نجوم فوقه ترمز إلى “تحرر الشعب”، وخمس ريشات في ذيله تمثل المناطق السورية الخمس: الشمالية والشرقية والغربية والجنوبية والوسطى. وقد أكدت الرواية الرسمية أن الهوية الجديدة تهدف إلى “إعادة بناء الصورة الوطنية وتعزيز الوحدة والهوية الجامعة” بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وصرح الرئيس الشرع بأن الهوية تعبر عن “سوريا التي لا تقبل التجزئة ولا التقسيم، سوريا الواحدة الموحدة”، وأن التنوع الثقافي والعرقي هو عامل إثراء لا فرقة.

أرى أن إطلاق الشعار يحمل رسائل مفادها أن “سوريا باتت دولة جديدة، وهناك شعار جديد للبلاد”، وأنها “دولة مهنية وليست اعتباطية كما كانت في زمن بشار الأسد”، وأؤكد على “قطيعة مع النظام السابق”. كما أفسر تضمين الموسيقى في الحفل كإشارة إلى القطيعة مع الأفكار الدخيلة والسلفية. تُقدم الهوية الجديدة كامتداد للهوية التاريخية والثقافية لسوريا منذ عام 1945، مع التركيز على كونها “دولة جديدة منبثقة من إرادة شعبها”، وهدفها التخلص من إرث النظام البائد وحزب البعث.

الملاحظة الجوهرية التي أراها هي أن هذا الشعار الجديد “بات يستخدم على الأوراق الرسمية للقرارات الحكومية قبل ولادة السلطة التشريعية”. وهذا ما أؤكده أن هذه الهوية “ستكون الأساس المعتمد في تصميم المواد الرسمية للدولة كافة”. هذا الاستخدام الفوري والواسع النطاق يبرز التحدي القائم بين الحاجة الملحة لترسيخ صورة الدولة الجديدة والالتزام بالمسارات القانونية.

هذه الرسالة المزدوجة تسعى إلى استقطاب شرائح واسعة من السوريين (سواء من يقدرون الجذور التاريخية أو من يتطلعون إلى تغيير جذري) محاولة بذلك بناء شرعية أوسع. إن الغموض نفسه قد يكون تكتيكاً مقصوداً للسماح بتفسيرات متعددة وتجنب إقصاء أي فئة من المجتمع خلال هذه المرحلة الحساسة.

إن التبني الفوري والواسع النطاق للهوية البصرية الجديدة، على الرغم من المتطلبات القانونية المسبقة لموافقة تشريعية، يشير إلى تأكيد قوي من السلطة التنفيذية على صلاحياتها ورغبتها في تجسيد سردية “سوريا الجديدة” بسرعة. يمكن تفسير هذه الخطوة على أنها إجراء عملي في فترة انتقالية، حيث قد يُنظر إلى الإجراءات التنفيذية السريعة على أنها ضرورية لملء الفراغ السلطوي وإظهار الاستقرار. ومع ذلك، فإنها في الوقت نفسه ترسي سابقة لتجاوز السلطة التنفيذية، مما قد يقوض مبدأ فصل السلطات منذ البداية. يبدو أن الحكومة تعطي الأولوية للترسيخ البصري والرمزي لشرعيتها على الالتزام الصارم بالإجراءات القانونية، ربما لاعتقادها أن رغبة الجمهور في بداية جديدة تفوق المخاوف بشأن المخالفات الإجرائية. هذا السلوك يعكس، في سياق مختلف، الهيمنة التنفيذية التي سادت في ظل النظام السابق، حيث كانت العمليات القانونية الرسمية غالباً ما تكون تابعة لإرادة السلطة الحاكمة. وهذا يثير التساؤل الأساسي للمستخدم: هل هذا استمرار لنظام لا يعنى بفصل السلطات؟

الإطار الدستوري والقانوني لرموز الدولة: بين الدستور والإعلان الانتقالي

لطالما نصت الدساتير السورية، أن مجلس الشعب هو السلطة التشريعية المخولة بإقرار القوانين. “يبين القانون شعار الدولة ونشيدها الوطني والأحكام الخاصة بكل منهما”. هذا يعني أن رموز الدولة ليست مجرد قرارات تنفيذية، بل تتطلب قانوناً رسمياً يصدر عن الهيئة التشريعية.

بعد سقوط نظام الأسد، صدر الإعلان الدستوري الانتقالي في 13 آذار/مارس 2025، ووقعه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بهدف تنظيم المرحلة الانتقالية وسد الفراغ الدستوري. ومن اللافت أن هذا الإعلان الدستوري المؤقت قد حافظ على ذات المبدأ القانوني المتعلق برموز الدولة. فالمادة 5 منه تنص صراحة على أن “يُحدّد شعار الدولة ونشيدها الوطني بقانون”. كما يؤكد الإعلان على استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها، مما يعني أن شرط إقرار شعار الدولة بقانون لا يزال ساري المفعول.

ومع ذلك، فإن السياق الزمني يكشف عن تناقض واضح: تم حل مجلس الشعب السابق وتعليق العمل بدستور 2012 في 29 كانون الثاني/يناير 2025. وفي 13 حزيران/يونيو 2025، صدر مرسوم بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” الجديد. هذا يعني أنه في تاريخ إطلاق الهوية البصرية الجديدة في 3 تموز/يوليو 2025، لم يكن هناك مجلس شعب قائم ومكتمل الصلاحيات يمكنه المصادقة على الشعار بقانون. وقد توقعت قبل الإطلاق أن الإعلان سيكون “أولياً” وأنه سيتطلب “موافقة من مجلس الشعب حتى يتم إقرار الهوية البصرية الجديدة”، وأنها قد تكون “مقترحاً سيتم إقراره أو تعديله عند التئام مجلس الشعب لاحقاً “. لكن الاستخدام الفعلي للشعار على الوثائق الرسمية تجاوز هذا التوقع.

إن الإدراج الصريح للمادة 5 في الإعلان الدستوري الانتقالي، والتي تُلزم بالموافقة التشريعية على رموز الدولة، يسلط الضوء على تناقض بين الالتزام الطموح بالدستورية والواقع العملي للمرحلة الانتقالية. هذا الأمر يشير إلى محاولة لإظهار الالتزام بسيادة القانون وفصل السلطات، حتى في الوقت الذي تتصرف فيه السلطة التنفيذية (بقيادة الرئيس الشرع الذي وقّع الإعلان) في فراغ تشريعي. هذا التناقض قد يدل على إما نقص في التخطيط لتسلسل تشكيل المؤسسات، أو استراتيجية متعمدة تحتفظ فيها السلطة التنفيذية بصلاحيات واسعة في الفترة الانتقالية، مع الاعتراف الرسمي بالرقابة التشريعية المستقبلية. وهذا يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بفصل السلطات إذا كانت السلطة التنفيذية تمضي قدماً في إجراءات تتطلب قانوناً دعماً تشريعياً في غياب الهيئة التشريعية الفاعلة.

مجلس الشعب السوري: من التهميش إلى التشكيل الانتقالي

تاريخياً، وعلى الرغم من أن مجلس الشعب السوري كان يُعرف رسمياً بأنه السلطة التشريعية المسؤولة عن إقرار القوانين والسياسة العامة للدولة بموجب الدستور، إلا أن استقلاليته كانت منقوصة بشكل كبير خلال حكم حافظ الأسد وبشار الأسد. كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه هيئة شكلية، أداة بيد السلطة التنفيذية، وخاصة الرئيس. وصفته بعض المصادر بأنه “برلمان مصفق” أو “أداة بيد السلطة”، وقد جرى “تقزيمه وتهميشه”. سيطر حزب البعث الحاكم على غالبية مقاعده، مما ضمن توافق النتائج التشريعية مع أجندة النظام. كما أن النظام السابق منع نشر عدد كبير من التشريعات، مما يؤكد سيطرة السلطة التنفيذية على العملية التشريعية وغياب الشفافية.

بعد سقوط نظام الأسد، حُلّ مجلس الشعب السابق وعُلّق العمل بدستور 2012 في 29 كانون الثاني/يناير 2025. وفي 13 حزيران/يونيو 2025، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مرسوماً بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” الجديد. ووفقاً للمرسوم، سيتألف مجلس الشعب الجديد من 150 عضواً، يُنتخب ثلثاهم من خلال هيئات فرعية ناخبة، بينما يُعيّن الثلث المتبقي مباشرة من قبل الرئيس الشرع.

أما صلاحيات الهيئة التشريعية المؤقتة، فقد حددها الإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في آذار/مارس 2025. ورغم أن المادة 2 من الإعلان تنص صراحة على أن الدولة “تؤسس لإقامة نظام سياسي يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات”، إلا أن منظمات حقوقية، مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، انتقدت الإعلان بشدة لمنحه الرئيس صلاحيات “شبه مطلقة” تقوض هذا المبدأ.

تشمل الانتقادات الموجهة إلى الإعلان الدستوري ما يلي:

– هيمنة الرئيس على البرلمان: تمنح المادة 24 الرئيس سلطة تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب والإشراف على انتخاب الثلثين الآخرين، مما يفرغ الانتخابات من مضمونها التمثيلي الحقيقي.

– صلاحيات رقابية محدودة: المادة 30 من الإعلان حددت مهام مجلس الشعب المؤقت وصلاحياته، لكنها حجبت عنه الحق في محاسبة الوزراء أو أي مؤسسة حكومية، مما يضعف سلطته الرقابية التي تعد أساسية لمهام أي برلمان.

– سيطرة الرئيس على المعاهدات وإعلان الحرب: يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إقرار المعاهدات الدولية وإعلان الحرب وحالة الطوارئ، مع وجود مجلس أمن قومي يهيمن عليه، مما يقلل من الرقابة البرلمانية.

– تبعية القضاء: تُعيّن المحكمة الدستورية العليا من قبل الرئيس فقط، ويخضع القضاء إدارياً ومالياً للسلطة التنفيذية، مما يهدد استقلاليته.

هذا الوضع يشير إلى أنه على الرغم من اللغة الدستورية التي تتحدث عن فصل السلطات، فإن الآليات العملية المحددة في الإعلان، والملاحظة في إجراءات مثل التبني المبكر للشعار، تشير إلى استمرارية قوية للهيمنة التنفيذية.

إن آلية تشكيل مجلس الشعب الانتقالي، وخاصة سلطة الرئيس في تعيين جزء كبير من أعضائه والإشراف على انتخاب البقية، تشير إلى استمرارية هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، وإن كان ذلك تحت مسمى جديد. هذا الهيكل، على الرغم من أنه يبدو وكأنه يؤسس لهيئة تشريعية، إلا أنه يمنع فعلياً استقلاليتها الحقيقية وقدرتها على العمل كرقيب على السلطة التنفيذية. وهذا يهدد بتكرار ديناميكية “البرلمان المصفق” التي سادت في عهد الأسد، حيث كان الجهاز التشريعي يخدم بشكل أساسي لشرعنة قرارات السلطة التنفيذية بدلاً من تمثيل الشعب بصدق أو ممارسة رقابة مستقلة. وهذا يقوض جوهر مفهوم “سوريا الجديدة” المبني على مبادئ ديمقراطية وفصل السلطات.

“سوريا جديدة” مستقرة وشرعية يعتمد على بناء مؤسسات قوية ومتوازنة لا تحتكر فيها أي سلطة قوة غير مقيدة، وبالتالي منع العودة إلى “جور السلطة” الذي عانى منه الشعب السوري.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني