
الهزيمة كما هي
لم يعد هناك حاجة للتحليل لإثبات أن الحرب، من منظور الإسرائيليين، لا تزال مستمرة ففي غزة، عاد الدمار والعنف بأقصى شدته، وفي لبنان، لا تزال المواجهة قائمة، بينما تستمر إسرائيل في التمدد داخل سوريا، سواء عبر قضم أراضيها أو بفرض سيطرة جوية رُسّخت منذ العهد البائد، ومع انضمام الولايات المتحدة إلى إسرائيل في استهداف الحوثيين في اليمن، يتضح أن هذه الحرب ليست إسرائيلية فقط، بل أميركية أيضاً. أما إيران، التي بات تدمير قواتها الجوية أمراً مكشوفاً، فباتت خياراتها تضيق بين الخضوع المسبق أو انتظار الضربة، في حين فُرضت قيود صارمة على العراق تحدّ من قدرته على الحركة والتدخل.
إذا كان الهدف من التصعيد الإسرائيلي – الأميركي هو الدفع نحو معاهدات سلام تعكس ما وصفه نتنياهو بـ«الشرق الأوسط الجديد» أو استكمال مشروع «السلام الإبراهيمي»، فإن هذا الاحتمال يملك الكثير من الوجاهة المعززة بالقرائن وفي ظل هذه التطورات، تزداد فرص تنفيذ سياسات تهدف إلى فرض واقع احتلالي وإحلالي، سواء من خلال تهجير سكان غزة أو ضم الضفة الغربية إلى الدولة الإسرائيلية.
لا نضيف جديداً إذا وصفنا المرحلة الحالية من الحرب بنفس الطريقة التي وُصف بها المرحلة الأولى. فهو أيضاً من صناعة القوّة الإسرائيليّة العارية غير المعنيّة بشيء وغير المكترثة بقانون دوليٍّ لم يعد يكترث به في العالم كثيرون. لكنّ هذا لا يلغي أنّ الفارق الفلكيّ في موازين القوى يجعل موازين القوى نفسها تعبيراً افتراضيّاً، وذلك بعدما جُرّبت الحروب والمقاومات تباعاً لتنتهي بنا إلى ما نحن فيه حاليّاً. فوق هذا، تعيش منطقة المشرق تنافساً في الضعف والهزال اللذين يضربان جيوشها واقتصاداتها ومجتمعاتها المدنيّة، فضلاً عن بعثرة سكّانها في ظلّ هجراتها المليونيّة. وهي، إلى ذلك، تفتقر إلى أدنى القدرة الذاتيّة على إعادة الإعمار الضاغطة في سوريّا وغزّة ولبنان، ولا تجد، في مواجهة التغوّل الإسرائيليّ، حلفاء قادرين ومؤثّرين في العالم. ولئن كانت الأوضاع الأهليّة داخل بلدانها شديدة التردّي، تعصف بها رغبات انفصاليّة مكتومة، فإنّ أوضاعها الحدوديّة، على ما دلّت الاشتباكات اللبنانيّة – السوريّة مؤخّراً، أقرب إلى أن تكون استطالة لأوضاعها الأهليّة المضطربة.
هذه الصورة القاتمة تدفع إلى التوقف والتأمل في واقعنا: ماذا يمكننا أن نفعل؟ كيف نمنع الانحدار من التفاقم؟ ألا ينبغي لنا إعادة النظر في الأفكار والممارسات والعلاقات التي أوصلتنا إلى هذا الوضع الكارثي؟
وحدهم دعاة الممانعة يملكون إجابة واضحة وحاسمة، إجابة تقلب صيغة مقولة الإمام مالك بن أنس رأساً على عقب، لتصبح: “لن يُدمَّر آخر هذه الأمة إلا بما دُمّر به أولها”، بمعنى أن الحل يكمن في الاستمرار بالمقاومة ذاتها للخروج من المأزق الذي أفضت إليه المقاومة. وهذا الطرح يمكن تفسيره من زوايا متعددة، قد تبدو متناقضة أحياناً، لكنها تتقاطع في أحيان أخرى.
هناك، بطبيعة الحال، البعد الإيراني، الذي يتمثّل في إبقائنا عالقين في خنادق خاسرة، مما يمنح طهران فرصة للتفاوض مع الولايات المتحدة، رغم أن هذا الخيار نفسه يفقد فاعليته يوماً بعد يوم.
كما يوجد البعد الإعجازي، حيث يُعوَّل على معجزة ما للتدخل وتغيير المعادلات القائمة، رغم وضوح هذه المعادلات وصعوبة تأويلها بغير ما هي عليه.
وهناك أيضاً البعد العدمي، الذي يتجلى في ربط العظمة بالتعرض لضربات الأقوياء. ويبرز ذلك فيما فعله معمر القذافي عندما أطلق على بلاده اسم “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى” عقب الغارات الأميركية عام 1986، وكأن الضربة العسكرية باتت علامة على القوة والمجد.
وتحمل هذه النزعة العدمية في طياتها بعداً انتحارياً، يتجسد في العبارة التوراتية المنسوبة إلى شمشون: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ»، وهو ما يتجلى بوضوح في واقع الشطر الحوثي من اليمن الغارق في البؤس.
وأخيراً، هناك البعد الجريمي، الذي تعكسه شعارات مثل «القتال بلحم الأطفال»، حيث تصبح التضحية بالبشر ممارسة قائمة على يأس مطلق، ليس فقط من تحقيق النصر، بل حتى من تحسين شروط الهزيمة. وفي ظل هذا اليأس المدعوم بالواقع، لا يعود “الأعداء” في المعادلة الشمشونية سوى نحن بوصفنا وحدنا المرشحين للموت المجاني.
منذ القرن السابع عشر، ميّز الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، في تأملاته حول «الفهم الإنساني»، بين ما أسماه «الصفات الأساسية» و«الصفات الثانوية» للأشياء والمواد. فالتفاحة، على سبيل المثال، تمتلك حجماً ووزناً محددين، وهذان من صفاتها الأساسية. أما مذاقها، فهو من صفاتها الثانوية. ونظراً إلى أن الصفات الأساسية تتمتع بطابع «موضوعي»، فإنها لا تثير خلافاً يُذكر، فلا يمكن لشخص أن يقول إن وزن التفاحة ربع كيلوغرام، بينما يدّعي آخر أنه ثلث كيلوغرام، ويكون كلاهما على صواب. أما الصفات الثانوية، لكونها «ذاتية»، فتبقى خاضعة للتقدير الشخصي، حيث يمكن لشخص أن يجدها لذيذة، بينما يرى آخر أن مذاقها غير مستساغ.
أما الواقع الأساسي اليوم، فهو الهزيمة، التي لا يبدو أن هناك حلاً سهلاً لها يلوح في الأفق. في المقابل، يبقى اختلافنا في تفسير أسبابها وتبعاتها، وربما في مشاعرنا ورغباتنا المرتبطة بها، أمراً ثانوياً. لكن الممانعين يقلبون المعادلة، فيجعلون ما هو أساسي وموضوعي مسألة ثانوية وذاتية، بينما يرفعون ما هو ثانوي وذاتي إلى مرتبة الأساسي والموضوعي، متجاهلين في ذلك تبعات الأمر على البشر والتكاليف الباهظة المترتبة عليه. وهذا النهج قد يدفع من يتأمل في «الفهم الإنساني» إلى حالة من التشاؤم العميق.