fbpx

الهامشيّون في مؤتمرهم

0 157

انعقد في دمشق الاجتماع الرابع السوري – الروسي المشترك حول عودة اللاجئين والمهجرين السوريين في الفترة ما بين 14 و17 من الشهر الحالي، وجرى التوقيع خلاله على عدد من اتفاقيات التعاون المشترك وكان أهمّها تعزيز التعاون البحري بين البلدين، والتعاون بين جامعة دمشق ومعهد تاريخ الثقافة المادية الروسي، والاحتفال بترميم مدرسة في الغوطة الشرقيّة، والتعاون في مجال طبّ العيون.

وكان قد سبق الاجتماع عدة نشاطات لمنظمات دوليّة مثل منظمة الصليب الأحمر الدولي وبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة واليونسكو وغيرها من المنظمات والهيئات الدوليّة، وهذه النشاطات تستهدف إعادة بناء البنى التحتيّة “القانونية، والتعليمية، والآثار والثقافة” عبر ورشات العمل والدورات التدريبية حول القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان تستهدف موظفي وزارة الخارجية وضبّاط الشرطة والأمن وقضاة النظام، وتصميم تطبيقات الخدمات القانونية بالتعاون مع نقابة المحامين، وترميم المدارس في القرى والمدن المُدمّرة الخاليّة من سكانها بسبب التهجير القسري، وترميم المتاحف والقلاع والكنائس والأديرة “دون المساجد” التي طالتها براميل وصواريخ النظام، والتي يستخدمها النظام والروس في الترويج لإعادة اللاجئين عبر مؤتمراتهم السنويّة.

وقد تزامنت هذه النشاطات المكثّفة مع قيام النظام السوري بإصدار جملة من التعديلات على القوانين، وإصدار قوانين أخرى جديدة، وكل هذه القوانين والتعديلات في حقيقتها تصبّ في تكريس الاستبداد وقمع الحريّات، وتبرير جرائم النظام وحلفائه، وتكريس مبدأ الإفلات من العقاب، وهي قوانين تحتمل عدة وجوه ظاهرها يختلف، وآخرها كانت قوانين تعديل قانون العقوبات، وإصدار قانون حظر التعذيب، وقانون الجرائم الإلكترونيّة وأخطرها القانون رقم “7” لعام 2022 الذي أطلِق عليه قانون العفو العام.

ما يثير القلق هو تعامل الأمم المتحدة ومنظماتها والمنظمات الدولية الأخرى مع هذه الإجراءات بإيجابية من خلال بيانات الترحيب والإشادة بها، أو من خلال رفع مستوى التعاون وتكثيف النشاطات المشتركة بينها وبين النظام الاستبدادي القمعيّ في سوريّة.

إن قبول وتمرير أكاذيب النظام، وتجاوز مكامن الخطر الحقيقية في تصرفاته وإجراءاته وقوانينه، وترويجها من قبل المنظمة الدوليّة يساهم في تحسين صورة هذا النظام ومن ثُمَّ إعادة إنتاجه على المستوى الدولي، وتصوير الوضع في سوريّة على أنه وضع آمن مستقِّر، يضمن عودة أو إعادة اللاجئين بسلام وأمان، ويفتح الباب للدول لإعادة العلاقات إلى طبيعتها معه، ودفعها لاتخاذ إجراءات خطيرة تمسّ حياة اللاجئين.

وتبياناً لخطورة هذا التوجّه وأثره على السوريّين في دول اللجوء لابدّ من بيان ما يلي:

  • ما زالت الأرضيّة القانونية القمعيّة للنظام قائمة وفي كل يوم يتم تعزيزها بتعديلات ورفدها بتشريعات جديدة تكفل حماية أركان النظام وتكفل حماية المجرمين ومنحهم الحصانة من الملاحقة والمحاسبة، وتضمن للمجرمين الإفلات من العقاب.
  • هذه القوانين ما زالت سيفاً مسلّطاً على رقاب السوريين وتنسف ما يُسمّى ” البيئة الآمنة ” لعودة اللاجئين فما زالت عمليات الاعتقال التعسفي والابتزاز قائمة على قدم وساق.
  • هذه القوانين والإجراءات هي لذرّ الرماد في عيون المجتمع الدولي لإيهامه بتحسّن سلوك هذا النظام وإمكانيّة تطبيع العلاقات معه.
  • أما البيئة الأمنيّة فما زالت الميليشيات الإيرانيّة والعصابات الطائفيّة والمرتزقة الروس والأجانب تسيطر على قطّاعات واسعة من الأراضي السوريّة بعيداً عن رقابة السلطة، وحصانتها من الملاحقة القانونية وعدم خضوعها للقانون الوطني بموجب الاتفاقيات الثنائيّة التي عقدها النظام مع روسيا وإيران.
  • إضافة إلى تفكّك مؤسسات الدولة وتحويل الجيش والأجهزة الأمنيّة إلى عصابات تمتهن القتل والاغتصاب والسلب والنهب وارتكاب كل الموبِقات، وتوظيف من أنهى خدمته العسكريّة منهم في مؤسسات الخدمة المدنيّة.

•       قانون “العفو” رقم 7 لعام 2022: يمارس النظام السوري فنون الخداع والمُراوغة والكذِب من خلال منح التطمينات للمطلوبين بينما هذه التطمينات هي فخّ خطير للإيقاع بهم وهذا يفضحه بيان وزير العدل السوري وتصريحات مسؤوليه التي تكمن خطورته فيما يلي:

أولاً: إن “إذاعة البحث – مذكرات التوقيف – طلبات المراجعة” هي إجراءات خاصة بالنيابة العامة في محكمة الإرهاب، وتختلف عن تلك الصادرة عن أجهزة المخابرات، فالأولى إجراءً قضائيّاً يمكن لوزير العدل التوجيه أو إصدار بيانات إعلامية ولكن ليس له صلاحية إصدار قرارات باسترداده رغم تبعية القضاء تنفيذياً له، والثانية إجراءات أمنيّة ً بحتة، ليس له صلاحية استرداد ها او المطالبة بذلك فأجهزة المخابرات تتبع تنظيميّاً لوزارة الدفاع، وبمقتضى مبدأ فصل السلطات يُمنع على وزير العدل التدخل بأعمال الجيش والقوات المسلحة وأجهزة المخابرات والأمن لأنها من أعمال سلطة وزارة الدفاع ووزارة الداخلية . وإن اتخاذ أي قرار من قبل هذه الأجهزة وفق مبدأ توزيع السُلطة منوط بمدراء إدارات المخابرات، ورؤساء الشِعَب الأمنية وفق آلية رفع مذكرات رأي للرئيس الأعلى للجهاز وهو صاحب القرار النهائي الذي لا معقب عليه أحد.

ثانياً: الاستثناء الوارد في بيان وزير العدل “مالم يثبت استمرار انتمائهم إلى تنظيمات إرهابية أو ارتباطهم مع دول أخرى”. يعني ومع – غياب مهلة زمنية محدّدة للمطلوبين لتسليم أنفسهم للسلطات – أن حالة الاستمرار الجرمية تبقى قائمة من اللحظة التالية لتاريخ نفاذ القانون وبالتالي عدم تشميل صاحبه بالقانون ويفتح الباب على توقيفه ومحاكمته.

–      ثالثاً: الغموض المُتعمّد وتجنّب الجهات القضائية تحديد ألية التحقق من إنهاء العلاقة بالمنظمات أو الدول، وإطلاق التصريحات والبيان والقوانين والبلاغات بصيغة التعميم في الوقت التي يجب تخصيصها تجعل العلاقة مع أي دولة من الدول أو مع أي منظمة من المنظمات جريمة تستدعي الملاحقة والتوقيف والمحاكمة وبالتالي عدم شول صاحبها بالقانون “7”، التي قد تكون عضوية مجلس محلي أو مجلس محافظة أو منظمة الدفاع المدني أو المنظمات الإغاثية أو المنظمة الحقوقية أو إعلامية أو عضوية ضمن كادر مشفى أو مستوصف أو حتى إمام جامع في المناطق المحررة، أو عضوية مجلس جالية أو إدارة منظمة أو حزب، أو موقع أو صحيفة أو قناة إعلامية مرخصة خارج سورية.

–      رابعاً: خامساً : عدم استفادة أي عسكري أو ضابط منشقّ أو أي مطلوب آخر بجرائم أخرى متلازمة مع جرائم الإرهاب المقصودة بقانون ” العفو ” غير المشمولة بالعفو وبالتالي تَحُولُ دون وقف الملاحقة أو إسقاط التُّهَم مثل ” الفرار الخارجي والداخلي والفرار بمؤامرة والعصيان المسلّح أو سرقة سلاح أو ذخائر أو عتاد الجيش ” بالإضافة إلى جرائم أمن الدولة والجرائم الإلكترونية، وحتى باقي الجرائم الجنائية العاديّة التي قد يتم إسنادها للمطلوبين، وهذا ما أكّده العدد المحدود للمُفرج عنهم والذي بلغ حتى اليوم “539” شخصاً وأغلبهم من موقوفي “التسويّات” وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

•       قانون حظر التعذيب رقم “16” لعام 2022:

 إن هذا القانون هو البوابة الرئيسية لإفلات المجرمين من العقاب المسؤولين عن جرائم التعذيب من خلال إبقاء ” النظام على نص المادة “391” من قانون العقوبات العام وهي النص الوحيد الذي يُجرِم التعذيب، وهي جريمة جنحويّة الوصف، وتمكين الإفلات من العقاب من خلال إعمال المبادئ القانونيّة المستقِّرة والتي تُعتبر من القواعد الآمِرة، المعروفة بـ “النظام العام” وهي مبدأ عدم سريان القوانين الجزائيّة بأثر رجعي، ومبدأ تطبيق القانون الاصلح للمتهم، وتطبيق أحكام التقادم الجزائي، التي تنتهي جميعها إلى تكريس إفلات المجرمين من العقاب باعتبار أن جرائم التعذيب المرتكبة قبل تاريخ نفاذ القانون رقم “16” لعام 2022 غير مشمولة بأحكامه ويبقى القانون الواجب التطبيق هو نصّ المادة 391 من قانون العقوبات العام التي تم تشميها بقوانين العفو المتعاقبة من عام 2011 وما بعد.

•       تعديلات قانون العقوبات

–      لقد استبدل النظام السوريّ مصطلح وهن الأمة بمصطلح “بث اليأس أو الضعف بين أبناء المجتمع” مُلغياً مفهوم الوهن ومفهوم الأمة، واستحدث جرائم جديدة هي “جريمة تحسين صورة دولة معادية للمساس بمكانة الدولة السورية” وجريمة “الكتابة أو أي خطاب يدعو فيه صاحبه إلى اقتطاع جزء من الأرض السورية أو التنازل عنها”.

–      واستبدل عقوبة السجن بعقوبة الحبس في جريمة مقاومة موظف أي أنه بّدل الوصف الجرمي من جنحة الى جناية.

–      وإحلال مفهوم المجتمع بدل مفهوم الأمة يعني تكريس مفهوم “المجتمع المتجانس” الذي يتخيله بشار أسد ونظامه الذي تربط أعضائه علاقات المصلحة المشتركة والعِداء المشترك للأكثرية العربية السنية من خلال تكريس تحالف السلطة مع المجرمين من الأقليات وحثالات ما تبقى من أهل السُنّة، هذا التحالف الذي شّن الحرب على الشعب السوري على مدى أحد عشر عاما وارتكب ما يفوق التصّور من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واستيلائهم على أراضي وأملاك ومقدرات السوريين، الأمر الذي يستدعي تأمين الامتداد القانوني والتضامن بين الأجيال المتعاقبة وثبات واستمرار المصالح المشتركة في هذا المجتمع “المتجانس” وتوفير الحماية لهذا التحالف وتحصين أفراده من التعّرض لهم أو فضح جرائمهم، من خلال إصدار قوانين تقوم بحماية هذه التركيبة التي استحدثها هذا النظام المجرم من خلال التغيير الديموغرافي الذي عمل عليه مع حلفائه الروس والإيرانيين وتوطين المرتزقة وتجنيسهم ومنحهم امتيازات وحقوق المواطن السوري الأصيل.

•       قانون الجرائم الإلكترونية

–      الذي أدرج في نصوصه “جرائم سياسية وجرائم تمسّ أمن الدولة” منصوص عنها في قانون العقوبات العام، وهذه الجرائم جنائية الوصف موجِبة لفرض عقوبات “الحجر القانوني والتجريد المدني والمنع من ممارسة الحقوق المدنية” كعقوبات أصلية في الجرائم السياسية والجرائم التي تمس أمن الدولة، وتعتبر عقوبة إضافية تفرض في باقي الجرائم مع العقوبة الجزائية وفق احكام المادتين “49 و63” من قانون العقوبات العام، الأمر سيفتح الباب لهذا النظام لتجريد معارضيه أو من يحاول أو يُفكِّر أو يشرع في معارضته من أمواله المنقولة وغير المنقولة وحرمانه من حقه في التوظيف أو الترشح أو الانتخاب.

–      كما تضمّن القانون مصطلحات فضفاضة مثل “تغيير الدستور بطرق غير مشروعة وحماية مكانة الدولة المالية وحماية هيبة الدولة واحترام الأديان” وهذه المصطلحات في حقيقتها غير موجودة وبالتالي تفقد هذه الجرائم “محلّها القانوني” الذي ينتفي معه العقاب، فلا الدستور ولا مكانة الدولة المالية ولا هيبة الدولة ولا احترام الأديان موجودة منذ بداية الثورة بعد أن نسف النظام الدستور ومزّق وحدة البلاد ودمّر وحدة الشعب وهجّر أكثر من نصفه وتسبب بانهيار الاقتصاد.

–      كما أن النظام سيستفيد من اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة ومن خدمات منظمة الإنتربول الدولي في هذا المجال في ملاحقة المعارضين استناداً للنصوص الناظمة للتعاون الدولي ومنها “التعاون الأمني – التعاون في التحقيق – التعاون في تدريب القضاة والضابطة العدلية – تبادل المعلومات والبيانات – تسليم المجرمين ….”. وهو ما رصدناه من خلال نشاط “لجنة الصليب الأحمر الدوليّة” في سوريّة.

–      كما يمكنه الاستفادة من هذه الميزات المنصوص عنها في اتفاقية بودابست في حال صادق عليها أو انضم إليها، وتمنحه هذه الاتفاقية كثير من الميزات التي تمكّنه من ملاحقة معارضيه والتضييق عليه.

•       القاسم المشترك الآخر في هذه القوانين هو الغرامات والعقوبات الماليّة الباهظة التي يعجز عنها الأغلبية العظمى من السوريين، والتي تؤكد على أن الهدف من هذه التشريعات هو إرهاق السوريين اقتصادياً وجعلها رافدا من روافد دعم خزينة النظام إضافة إلى أنها قوانين جائرة لا تأتلف مع شرعة حقوق الإنسان ولا مع المبادئ والأعراف الدستوريّة والقانونيّة.

•       النتيجة ومن خلال هذا الاستعراض الموجز لثلاث قوانين فقط يتبيّن للقارئ أن النظام لم يتنازل للمجتمع الدولي في طلب تغيير سلوكه، بل على العكس فإن المغريات والتطمينات الدوليّة والتعاون معه على أي مستوى كان، يمنحه الثقة بعدم وجود المحاسبة مما يُمكِّنه من التغوّل أكثر فأكثر في إجرامه وانتهاكه للقانون الدولي ولشرعة حقوق الإنسان.

إن إصراره وحلفاءه الروس والإيرانيين على إعادة اللاجئين، يؤكد على الطبيعة الإجراميّة المتأصلة فيه التي لا تنفع معها لا قواعد التأديب، ولا العقاب، والتي تؤكِّد أن الحلّ الوحيد للتخلص من شروره هو استئصاله من حياة السوريين حتى تتحقّق البيئة الآمنة المستقِرّة التي يطمح إليها كل السوريين للعودة إلى ديارهم وإعادة الحياة لها وإعادة إعمارها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني