
النهر والرجل الغريب
اِحمِلْ سريركَ الوثيرَ أيها النهر الغريب
واِملأ جيوبكَ بصمتِ الغَرَبِ،
فكلُّ نهاية هنا تشبِهُ البدايةَ:
السَّماءُ ترتدي ثوباً من ضبابٍ،
والأرضُ تبكي كالطفلِ المُعذَّبِ.
اِحزم ضفتيكَ..
اِجعلهما شجرتينِ تنموان في فراغِ الصَّمتِ،
فالخلودُ ليس إلا لعبةَ أطفالٍ
يرمونَ أحلامهم فوق سقوفِ المجهولِ.
لا تلتفتْ.. فالذئابُ الورقيَّةُ تأكل آخرَ أسرارك،
ولا تتركْ خلفكَ إلا نفسكَ..
مشدودةً كصليبٍ على بابِ الوجودِ.
***
بعد انكسارِ الزمن على مرآةِ الغيوب،
صرتَ تسيل نهراً يحمل الأسئلةَ العصمـاء
مزجتَ رمادَ الجسدِ بغبارِ الكواكبِ،
وطفقتَ تسألُ:
أهذا الموتُ أَمْ بواعثُ الخلقِ الجديدِ؟
الموتُ كان غماماً يحمل أشباحَ الأمسِ،
وأنت الآن بدءٌ لا ينتهي،
شعاعٌ يجاورُ العشبَ والماءَ،
صمتٌ يناجي الأبديَّاتِ.
***
قلبكَ العاري يبكي كالطفلِ الذي وُلِدَ من جرحٍ،
يحتضنُ السماءَ بيدين مقطوعتينِ،
يرفض أن يكونَ قفصاً لطيور الوهمِ،
فصار بيتاً للريحِ.. تعبره الأنهارُ وتسكنه الأنغامُ.
قلبكَ – مثل كتابٍ مغسولٍ بالمطر –
يفتح صفحاتِهِ للغرباء،
كلُّ حرفٍ فيه ملحٌ يذوبُ في دم الفجائعِ،
نارٌ تحرق أطلالَ الأسماءِ.
***
الساتر الوهميُّ انهارَ كزجاجٍ شفيفٍ،
صارت خطوطُ الحدودِ سحاباً،
وصرتَ تسمع صوتَ المسافاتِ تذوبُ في صمتك،
كم خطوةٍ بين الوجودِ والفناءِ؟
لا جوابَ إلا وقعُ قدميكَ على جماجمِ الأيامِ.
كان الساتر مرآةً تكسّرتْ بأظافرِ الأوهامِ،
فانسكبَ الضوءُ من شقوقِها كأفعى ملساءَ
تلتهمُ ظلالَنا المعلّقةَ على جدرانِ الذاكرةِ.
مشيتَ.. لكنَّ الخطى لم تكن خطاكَ،
بين الرمادِ، اِكتشفتَ أنَّ الحقيقةَ
ليستْ إلا ظِلالاً تلعبُ بالقلبِ العاري.
***
الهباءُ العاصفُ جاء كنذيرٍ من عالمٍ مطموسٍ،
حيثُ الأسماءُ تتساقطُ كأوراقِ الشجر،
الورودُ تُسمِّي نفسها بالألوانِ،
والناسُ أشباحٌ تلبسُ أقنعةَ الضياعِ.
***
الآنَ، بعدَ أن صارَ الوقتُ قميصاً مُخلخَلاً،
والمعنى سراباً يرقص على حافةِ الكلماتِ،
عليك أن تمشي…
فالطريقُ إلى الأمام هو الوحيدُ الذي لا يموتُ.
المدينةُ التي تركتها مزهوَّةٌ بأسطرِ الدخانِ،
كلُّ من فيها يبني سرادقه على شفا الجروحِ،
أمَّا أنتَ فقد صرتَ تشرب نورك من كأسِ الفضاءِ.
ولتكنْ خطاكَ سِفراً بلا لغةٍ،
حيث الحروف تولد من براعم الأشواقِ،
والمسافات تتنفس بين أضلاعكَ،
تحمل أسرارها كنجومٍ متساقطةٍ.
***
امْشِ…
فقد صار الوجودُ قمراً في كفكَ العالي،
والصباحُ ينبتُ من جباهِ الغيوبِ،
وأنت تسطو على الفراغِ برايةِ الحياةِ،
كأنما الموتُ لم يكن إلا ظِلاً لقصيدةٍ لم تُكتبْ بعدُ
على صفحة الغيابِ
بعدَ أن صار الجسدُ سحابةً تائهةً
تلملمُ ذراتِها رياحُ اللانهايةِ،
تهاطلَ الكونُ رماداً على صدرِ الزمنِ الفاجعِ،
وغسلتَ وجهَكَ بأمطارِ العدمِ.
موتكَ ليس سوى سحابةٍ تمرُّ كخطيئةٍ بسيطةٍ،
تذكّركَ أنَّ الحياةَ حذاءٌ مهترئٌ
تسير به إلى حيثُ لا وجه للوقتِ.
***
قلبُك ميناءٌ غارقٌ في ضبابِ الغرباءِ،
أبحرتْ سفنُه نحوَ مجاهيلَ
حاملةً أسماءً مزورةً على أشرعتها الباليةِ،
والآن – بعد إعصارِ الفراغِ –
صار قارباً من عظامِ الكلماتِ المنخورة
يخترق لجةَ الأحزانِ.
عاصفةُ الهباءِ ليست ريحاً..
بل شهقةُ الأرضِ الأخيرةُ
قبل أن تنفجرَ نجمة سوداء في عينيك،
شظايا الأيامِ تدورُ كالكواكبِ اليتيمةِ،
وأنت – بين الرمادِ –
تبحث عن بصمةِ إبهامك على جبينِ الفراغِ.
الأسماءُ تذوب كحلوى الأطفالِ في لهيبِ الغيابِ،
والأشجارُ تخلعُ أوراقها المُرقّمةَ بأسماءِ العابرينَ،
حتى الخطواتُ على الرصيفِ
تصيرُ حروفاً ميتةً في قاموسِ الريحِ.
لا تلتفتْ…
فالطريقُ خلفكَ صار حبراً يابساً في دفتر الماضي،
اجعلْ من عظامِ الأحلامِ المدمرةِ سلّماً
تتسلق به إلى حافةِ الغيمِ،
حيثُ الموتُ – ذلكَ السربُ من العصافيرِ الوهميةِ –
لا يتركُ سوى ريشةٍ واحدةٍ
تُعلّمُ الأرضَ فنَّ الولادةِ مِن جديدٍ.
ستصيرُ – ذاتَ يومٍ –
قصيدةً مكتوبةً بحروفِ الضوءِ والضبابِ،
وكأنَّ جرحكَ لم يكن سوى فراشةٍ
خرقتْ شرنقةَ الظلامِ.
حاملة الأنهار
في الفرات – حيث دورا أوروبوس أخت سيزيف –
جسدٌ كالنهار يضيء بغير شمسٍ، وروحٌ كالنسيم يلامس سرَّ السَّحَر.
في كل خطوة تولد أسطورةٌ، وفي كل انحناءة تنكسر الغيوبُ.
لكنَّ الأقدار – الغيورة من نضالها – حوَّلت تاجها إلى دلوٍ من عطشٍ،
وحولت النهر إلى سلاسل تجرها إلى الهامش.
تسير دورا.. تحمل الفرات في كفها
تتسلق الصخر.. والدم يزهر في قدميها
والدلو يبكي ماءً يلمع كالذكريات
لكنَّ القمة تريق دمعها في الفراغ.
***
أيها الجسد الذي صار جبلاً
أيها الروح الذي صار نهراً
كم مرة يشقى الشقاء؟
لكنَّ الضوء في عينيك لم يسقط
هنا.. حيث الحياة تشبه دلواً مثقوباً
نحمل الماء المسرَّبَ بضحكةٍ
نرسم على جدار العبث زخارف أملنا.
لا معنىً في القمة، فالمعنى يولد من رحم المسير
والسعادة هي القبضة التي ترفع الماء.
فاصعدي يا دورا.. فالنضال فلسفتنا
والجبل رغم علوه يصير سرير أحلامنا
وكل قطرة تسقط تُنبتُ زهرةً في الصخر
تعلن أنَّ الخلود أغنية نغنيها بلا نغمات:
يا دورا يا ابنة الفرات
يا دورا أوروبوس
يا نقوش الجسد المقدَّس
***
تصعد دورا كنشيدٍ منحوتٍ من ضوء وطين
تسكب اللحن أنهاراً من فضة ترقص في لجّة العينين
ياقوتتان تحتضنان أسرار الخليقة
حيث التقاء الأرض بالسماء على ضفتين..
صدرك: هضبة تتنفس نشوة الخلود
تنحدر منه الحياة كالندى على أقدام الورود
قمران يرصعان ليل الكون بالإشعاع
يحملان دفء الأمومة وعناد الأنهار
نسيج من ضوء الفجر وعمق الغابات
وفي انحناءة ظهرك رحلة المجد التي لا تنتهي
تعبك يروي قصة الأرض التي تنزف نوراً..
ربما الطبيعة حاولتْ تهشيم / تهميش جمالك
لكنَّ جسمك صار معبداً يحمل الفرات في صدره..
كل قطرة تسقط من دلوك المثقوب
ترسم خريطة جديدة للوجود على واديك المقدس.
ليس الهامش إلا وهماً
فالجبل ينحني ليشرب من راحتك
والنهر يعود معتذراً بين كفيك الدافئتين
يكمل رحلته نحو البحر حاملاً رائحة غَرَبِك المظفّر.
فاصعدي يا من تحملين العالم بين عينيك
وارفضي أن تكوني غير ملكة الجمال والعناد
فكل خدش على جلدك آية؛ وكل نقطة عرق واحةٌ في جبين الأبد.
أيتها الحامل فراتاً في حنايا جسد
لن تسقطي.. فالجبل يرتعش من لمسة قدميك
والعناد فيك هو اللغز والمفتاح.
***
لسنا سوى أسطر تتماهى على دفتر الوجود
وكل حرف يبكي على معناه القديم.
ها هي دورا أوروبوس
تصعد من جديد
حاملة نهرها في دلو اللعنة المثقوب
ليس لأن القمة تطلبها..
ولكنها تخشى أن ينكسر الفرات.
دورا لا تحمل الأنهار..
إنها تحمل ميثاقاً بين الوجود والعدم:
أنّ الرئة التي تتنفس الحياة
هي نفسها التي تتنفس الموت.
————–
- دورا أوروبوس: مدينة أثرية تقع شمال شرق الفرات (300 قبل الميلاد). وأحد أسماء مدينة دير الزور تاريخياً
عبد الناصر حسين حداد
مواليد سورية – دير الزور 1972.
مؤسس ومدير بيت الشعر الفراتي سابقاً.
عضو في اتحاد الكتّاب العرب – جمعية الشعر، رئيس المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب بدير الزور، وصدر له حتى العام 2010 خمس مطبوعات:
خافقي زئبق ويدي كالغبار – دار سعاد الصباح، الكويت: 1998
ذاكم دمي وعليّ تشكيل النهار – اتحاد الكتّاب العرب، دمشق: 2001
دمعة.. فقط – وزارة الثقافة، دمشق: 2002
أنا روما – شعواية (شعر+ رواية) بيت الشعر الفراتي 2009
جدل – شعر – بيت الشعر الفراتي 2010
شارك في العديد من الأمسيات والمهرجانات الشعرية، كما فاز بعدة جوائز ومسابقات محلية وعربية.
من الجوائز:
– جائزة دار سعاد الصباح الثانية 1997
– جائزة اتحاد الكتاب العرب مرتين دير الزور
– جائزة سعد صائب مرتين دير الزور
– جائزة تجمع شعراء بلا حدود 2008
– جائزة ربيع الرقي 2009
ومن المهرجانات التي شارك بها:
– مهرجان الشعر السوري المعاصر القامشلي 2007.
– مهرجان الشعر العربي الثالث في الرقة 2007.
– مهرجان أبي تمام الشعري – درعا 2008.
والعديد من مهرجانات دير الزور الشعرية.