القمة الثلاثية والحرب في أوكرانيا مستقبل الصراع والدور الأوروبي في المفاوضات

0

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الصراع الروسي الأوكراني في فبراير/شباط 2022، لا تزال آفاق السلام بعيدة المنال رغم تعدد المبادرات الدبلوماسية. وقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في المساعي الدولية لإنهاء الحرب، تجسّد في الحديث عن قمة ثلاثية جديدة تجمع قادة الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، بهدف تمهيد الطريق لمفاوضات مباشرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. تأتي هذه التحركات في سياق جيوسياسي معقد: إدارة أمريكية جديدة تتبنى مقاربة تفاوضية مختلفة، وروسيا تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة، وأوروبا تحاول تأكيد دورها وضمان عدم فرض تسوية تضر بمصالحها الأمنية.

السياق الجيوسياسي للقمة الثلاثية

اندلعت الحرب في أوكرانيا على نطاق واسع عام 2022 وتصاعدت لتصبح أكبر نزاع تشهده أوروبا منذ عقود، متسببة في أزمة أمنية عالمية وتوتر حاد بين روسيا والغرب. ومع دخول الصراع عامه الرابع، استقرت خطوط المواجهة نسبياً وتحولت الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، دون تحقيق نصر حاسم لأي من الطرفين. حاولت جهود دبلوماسية عديدة وقف النزاع خلال السنوات الماضية؛ أبرزها محادثات إسطنبول في ربيع 2022 التي لاحت خلالها بوادر اتفاق أولي قبل أن تنهار بسبب تباين مواقف موسكو وكييف. إلا أن طريق التفاوض بقي مسدوداً طوال 2023 ومعظم 2024 مع إصرار كل طرف على تحقيق مكاسب ميدانية أولاً لتحسين شروط أي اتفاق محتمل.

في هذا السياق، جاءت مبادرة دبلوماسية وتحرك دبلوماسي جديدة في 2025 مع تغير المعطيات الدولية. فقد شهدت الساحة عودة وساطة أمريكية نشطة إثر تغيير الإدارة في واشنطن. عقدت قمة ثنائية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا مؤخّراً، طرحت خلالها على ما يبدو أفكار لكسر الجمود، وإن لم تُسفر عن اختراق حاسم. أعقب ذلك اجتماعات في واشنطن ضمت ترامب والرئيس الأوكراني زيلينسكي بمشاركة قادة أوروبيين بارزين وأمين عام حلف الناتو. هذه اللقاءات أحيت آمالاً حذرة بإمكانية إطلاق عملية سلام؛ إذ وصفها الجانب الأوكراني بأنها كانت “الأفضل على الإطلاق” من حيث الدعم والتفاهم الذي لقيه زيلينسكي من الحلفاء الغربيين. واشنطن بدورها أعلنت شروعها في ترتيبات لعقد قمة ثلاثية تجمع ترامب وبوتين وزيلينسكي وجهاً لوجه لمناقشة جميع القضايا الخلافية وإنهاء الحرب الطاحنة المستمرة منذ سنوات. روسيا من جانبها لم ترفض الفكرة مبدئياً لكنها تبدي تريثاً واضحاً؛ فبعد لقاءات واشنطن كثّفت القوات الروسية قصفها لمدن أوكرانية في استعراض قوة يُفسَّر بأنه محاولة لفرض أمر واقع ميداني وتعزيز أوراق التفاوض. ومع ذلك، تُعتَبَر هذه التحركات الدبلوماسية الأوسع نطاقاً منذ بدء الحرب، وتمثل منعطفاً مهماً انتقل فيه زخم المبادرات السلمية إلى أعلى المستويات بين عواصم القرار العالمي.

على الجانب الأوروبي، واكب هذه التطورات حراك سياسي لضمان أن يكون لأوروبا صوت مسموع في أي تسوية قادمة لحل الازمة الاوكرانية. فقد عقد وزراء خارجية عدة دول أوروبية كبرى اجتماعاً تنسيقياً في باريس في وقت سابق من هذا العام وأعلنوا صراحة أنه “لا سلام عادلاً ومستداماً في أوكرانيا من دون مشاركة أوروبا وكييف في أي مفاوضات”. جاء هذا الموقف الأوروبي إثر شعور العواصم الأوروبية بالقلق من أي صفقة قد تُبرم منفردة بين واشنطن وموسكو دون مراعاة لمطالب أوكرانيا وضمانات أوروبا الأمنية. بالمقابل، تُبدي موسكو تحفظاً شديداً على إشراك الاتحاد الأوروبي رسمياً في المفاوضات بحجة أن الأوروبيين منحازون لأوكرانيا، وهو ما عقّد تحديد إطار وشكل القمة الثلاثية المنتظرة. هكذا يقف المشهد الجيوسياسي الحالي عند مفترق طرق: مفاوضات غير مسبوقة تلوح في الأفق لكن أجواء عدم الثقة المتبادلة وتباين الأجندات يظل مخيماً على جميع الأطراف مع استمرار المعارك ميدانياً وإنهاك الحرب للجميع.

أهداف الأطراف في المفاوضات المرتقبة

بالنسبة لأوكرانيا، تتمثل أولوياتها في أي مفاوضات قادمة بإنهاء الحرب مع الحفاظ على سيادتها الوطنية ووحدة أراضيها المعترف بها دولياً قدر الإمكان. تؤكد كييف أنها لن تقبل بأي اتفاق سلام ينتقص من استقلالها أو يمنح شرعية دائمة للسيطرة الروسية. هدف أوكرانيا المعلن هو استعادة جميع الأراضي الأوكرانية التي سيطرت عليها روسيا، أو على الأقل استعادة ما يمكن استعادته عبر التفاوض. كما تطالب بضمانات أمنية دولية صارمة تحول دون تكرار العدوان مستقبلاً، خاصة إذا اضطرت لبحث حلول وسط تتضمن وضعاً خاصاً للمناطق المحتلة حالياً. في المحصلة، تسعى القيادة الأوكرانية إلى سلام يُنهي معاناة شعبها لكنه سلام عادل لا يُكرِّس نتائج الحرب بالقوة؛ فهي تريد وقف نزيف الدم والدمار، لكن دون تقديم تنازلات تمس جوهر السيادة والاستقلال السياسي لأوكرانيا أو حقها في التوجّه غرباً.

في المقابل، تسعى موسكو من خلال المفاوضات إلى تثبيت مكاسبها الميدانية وترجمة الأمر الواقع العسكري إلى اعتراف سياسي ودولي. الهدف الروسي الأساسي هو ضمان حياد أوكرانيا عسكرياً وإبعادها عن حلف الناتو، مع الحصول على اعتراف بوضعية الأراضي التي سيطرت عليها روسيا خلال الحرب. وبالنسبة للكرملين، يشمل ذلك على الأقل شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا عام 2014) وكذلك مناطق دونيتسك ولوغانسك في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا (والتي أعلنت موسكو ضمها أحادياً عام 2022)، وربما مناطق أخرى احتلتها جنوباً كجزء مما يسمى “ممر بري” إلى القرم. تطالب روسيا بأن تقر كييف بـالحقائق الجديدة على الأرض بعد عام 2022، أي سيادة موسكو على تلك الأراضي أو منحها حكماً ذاتياً موسعاً يكرس نفوذ روسيا. إضافة لذلك، تريد موسكو إنهاء العقوبات الغربية الخانقة المفروضة عليها منذ بدء الصراع، وبالتالي فهي ستسعى لجعل رفع العقوبات جزءاً من أي اتفاق سلام. كما تهدف إلى وقف تمدد البنية العسكرية لحلف الناتو قرب حدودها وضمان عدم نشر أسلحة غربية استراتيجية على الأراضي الأوكرانية مستقبلاً. بعبارة أخرى، تريد روسيا من المفاوضات تحقيق ما ادعت أن حربها جاءت لأجله: أوكرانيا منزوعة التهديد من وجهة النظر الروسية، حتى لو اضطرت لتقليص سيادتها الإقليمية وتبني وضع الحياد الدائم.

أما الولايات المتحدة التي تقود جهود الوساطة الحالية، فتتمحور أهدافها حول إنهاء الصراع بطريقة تحافظ على قدر معقول من النظام والاستقرار الدوليين، مع تقليل المخاطر الاستراتيجية على المدى الطويل. الإدارة الأمريكية الجديدة تبدو عازمة على وقف الصراع بسرعة خشية تداعياتها التي تمتد خارج أوكرانيا، فهي ترى أن استمرار النزاع يساهم في اضطراب اقتصادي عالمي ويصرف الانتباه عن تحديات دولية أخرى. بالنسبة لواشنطن، يُفترض أن تحقق المفاوضات نتيجة تقنع روسيا بإنهاء القتال دون أن تُظهر الولايات المتحدة بمظهر المتراجع عن دعم حليفها الأوكراني. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح أيضاً إلى أن بعض الأهداف القصوى لأوكرانيا ربما تكون غير واقعية، مثل الانضمام الفوري لحلف الناتو أو استعادة كل الأراضي بالقوة في الظروف الراهنة. وهذا التلميح فُسّر بأنه استعداد أمريكي لقبول تسوية وسط تتضمن تنازلات معينة من أوكرانيا مقابل السلام. بالتالي يمكن القول إن واشنطن تسعى لاتفاق عملي يوقف الصراع ويضمن لأوكرانيا قدراً كافياً من الأمن والسيادة، حتى لو تطلب ذلك الضغط على كييف لقبول حل وسط مؤلم. وفي الوقت نفسه تريد الولايات المتحدة طمأنة حلفائها الأوروبيين بأن أي صفقة لن تأتي على حساب أمن أوروبا على المدى الطويل، ما يجعلها تؤكد أنها ستبقي التنسيق وثيقاً مع الجانب الأوروبي في عملية التفاوض.

من جانبها، تكمن الأهداف الأوروبية في الوصول إلى سلام عادل ومستدام يضمن استقرار القارة الأوروبية وعدم تقويض مبادئ الأمن الأوروبي. تدرك الدول الأوروبية أن أي اتفاق يخص أوكرانيا ستكون له تبعات مباشرة على أمن أوروبا الجماعي، لذا فهي تصر على ضرورة مشاركتها في صياغة وضمان هذا الاتفاق. الهدف الأوروبي المعلن هو منع سيناريو “السلام المفروض” على أوكرانيا؛ أي أنها لا تريد أن تضغط أي قوة كبرى على كييف لتقديم تنازلات جوهرية ضد إرادتها، لأن ذلك برأي الأوروبيين سيؤدي لسلام هش وظالم سرعان ما ينهار. أوروبا ملتزمة رسمياً بوحدة أراضي أوكرانيا واستقلالها، لكنها في الوقت نفسه تدرك محدودية إمكانية تحقيق ذلك بالكامل عسكرياً. لذا تسعى العواصم الأوروبية الكبرى (برلين وباريس وروما وغيرها) إلى إدراج ترتيبات في أي اتفاق تضمن أمن أوكرانيا حتى لو اضطرت كييف لقبول تسويات مؤقتة على الأرض. يشمل ذلك الدفع باتجاه توفير ضمانات أمنية غربية قوية لأوكرانيا كبديل عن عضوية الناتو المؤجلة، وضمان استمرار دعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً خلال الفترة الانتقالية. كما تهدف أوروبا إلى استعادة الاستقرار الاقتصادي في المنطقة عبر إنهاء الصراع، إذ أنها الأكثر تأثراً بتبعاتها من بين الحلفاء. في المحصلة، تريد الدول الأوروبية موازنة دقيقة: سلام ينهي الصراع ويخفف الأعباء عنها، لكنه أيضاً سلام لا يفرط بحقوق الأوكرانيين أو يقوض أسس الأمن في أوروبا الشرقية. ولتحقيق ذلك تصر أوروبا على أن تكون طرفاً فاعلاً في العملية التفاوضية وفي منظومة الضمانات التنفيذية لأي اتفاق قادم.

تحديات الدور التفاوضي الأوروبي

تواجه أوروبا جملة من التحديات المعقدة في سعيها للعب دور تفاوضي أكثر استقلالية وتأثيراً في جهود إحلال السلام بأوكرانيا. فعلى الصعيد الخارجي، لا تُعدّ العواصم الأوروبية بالنسبة لموسكو وسطاء محايدين يمكن الثقة بهم. لقد انحاز الاتحاد الأوروبي صراحة إلى جانب كييف منذ بداية الحرب عبر فرض عقوبات اقتصادية صارمة على روسيا وتقديم دعم عسكري ولوجستي كبير للأوكرانيين. هذا الانحياز جعل الكرملين يرفض فكرة إشراك قادة أوروبيين في مفاوضات إنهاء الصراع، بدعوى أن أوروبا أصبحت “طرفاً غير نزيه” في الصراع. وبالفعل، صرّح المسؤولون الروس أكثر من مرة أنه من الأفضل لهم التفاوض مباشرة مع واشنطن وكييف دون وسطاء أوروبيين. هذا الموقف الروسي يمثّل عقبة أساسية؛ إذ يحدّ من مساحة المناورة الأوروبية ويضعف من إمكانية اضطلاع الاتحاد الأوروبي بدور قيادي في عملية التفاوض، ما لم يأتِ إشراكه بضوء أخضر من موسكو وواشنطن معاً. وحتى الولايات المتحدة، رغم ترحيبها العلني بمشاركة الحلفاء الأوروبيين، قد تجد أن وجود كثير من الأطراف حول الطاولة يبطئ المفاوضات، وربما تفضل أحياناً إجراء تفاهمات ثنائية خلف الأبواب المغلقة مع روسيا في القضايا الحساسة ثم عرضها على بقية الحلفاء كأمر واقع.

إلى جانب النظرة الخارجية المشككة، تعاني أوروبا من تحديات داخلية تتعلق بمدى قدرتها على تبني موقف تفاوضي موحد وصلب. فالدول الأوروبية، وإن أجمعت على دعم أوكرانيا، لكنها تختلف في درجة التشدد أو المرونة تجاه روسيا. دول أوروبا الشرقية كبولندا ودول البلطيق تبدي تصلباً أكبر وترفض أي حل وسط يمنح الكرملين مكاسب؛ فهي الأكثر شعوراً بالتهديد المباشر من جانب روسيا وترى في مقاومة موسكو مبدأ وجودياً. في المقابل، دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا تميل إلى النهج البراغماتي وتحاول الموازنة بين معاقبة العدوان الروسي وبين إبقاء قنوات الحوار مفتوحة تجنباً لحرب طويلة تستنزف الجميع. هذا التباين يعني صعوبة بلورة مبادرة أوروبية خالصة؛ فأي طرح أوروبي للوساطة يخاطر بأن يُنتقد داخلياً من بعض أعضاء الاتحاد أنفسهم إذا اعتُبر متساهلاً جداً مع روسيا أو على العكس صارماً أكثر من اللازم. من جهة أخرى، يواجه الاتحاد الأوروبي محدودية عسكرية في فرض رؤيته؛ فالأمن الأوروبي لا يزال معتمداً إلى حد كبير على المظلة الأمريكية عبر حلف شمال الأطلسي. أي ضمانات قد تقدمها أوروبا لأوكرانيا تبقى في جانب كبير منها رهن القدرات الأمريكية (نووياً وتقنياً) نظراً لعدم امتلاك الاتحاد منظومة دفاعية مستقلة تماماً. هذه المعطيات تضع أوروبا في موقف الموازن بين التنسيق مع واشنطن لضمان أمنها وبين محاولة إثبات استقلالية قرارها السياسي في أزمة تمس مصالحها الحيوية مباشرة.

رغم ذلك، تدرك العواصم الأوروبية أن تهميشها في صياغة مستقبل أوكرانيا سيكون ثمنه باهظاً على المدى الطويل. لذا تحاول انتهاز هذه الفرصة الدبلوماسية لإبراز نفسها كشريك لا غنى عنه في حل النزاع. ولتحقيق ذلك، على أوروبا التغلب على تحديين أساسيين: أولهما أن تقدم رؤية موحدة ومبادرة ملموسة تكمل الجهود الأمريكية ولا تتعارض معها، كأن تطرح إطاراً أوروبياً لضمانات أمنية ما بعد الصراع أو تقود ملف إعادة الإعمار المتوقع. وثانيهما أن تُظهر استعداداً لتحمّل بعض المسؤوليات الأمنية المباشرة، مثل المشاركة في قوات حفظ سلام محتملة أو آليات رقابة وضمان لتنفيذ الاتفاق. لقد أشار محللون إلى أن على الأوروبيين الانتقال من دور “المموّل” إلى دور “الضامن” إذا أرادوا مقعداً حقيقياً على طاولة التفاوض. فبقاؤهم في موقع الداعم المالي فقط قد يعني استبعادهم من التأثير على التسوية النهائية، أما مشاركتهم كضامن أمني وسياسي فسيمنحهم حقاً في صياغة الترتيبات وضمان تنفيذها. هذه الاعتبارات تجعل الدور الأوروبي دقيقاً وحساساً: فعليه أن يوفّق بين الحفاظ على التحالف مع واشنطن، وإقناع موسكو بجدوى وجوده، وتطمين كييف بعدم التنازل عن حقوقها، وكل ذلك تحت سقف البيت الأوروبي المنقسم نسبياً. إنه تحدٍّ دبلوماسي كبير ستختبره مجريات القمة الثلاثية المنتظرة وما بعدها.

العوامل الاقتصادية والأمنية: التهدئة أم التصعيد؟

عوامل تدفع نحو التهدئة: هناك جملة من الضغوط الاقتصادية المتصاعدة ترجح كفة التهدئة والسعي لوقف إطلاق النار. الحرب المستمرة منذ سنوات أرهقت اقتصاديات جميع الأطراف بشكل ملحوظ. روسيا ترزح تحت عقوبات غربية مشددة أدت إلى انكماش في بعض قطاعات اقتصادها وتقييد وصولها للتكنولوجيا والأسواق المالية، كما أن كلفة المجهود الحربي والإنفاق العسكري المتعاظم تستنزف مواردها تدريجياً. أوكرانيا من جهتها تعيش أزمة اقتصادية حادة بفعل الدمار واسع النطاق للبنية التحتية وتعطل الأنشطة الصناعية والزراعية في مناطق القتال، ولا تكاد تحافظ على أداء اقتصادها إلا عبر المساعدات الخارجية. أما أوروبا فقد تأثرت هي الأخرى؛ إذ أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً بعد تقلص إمدادات النفط والغاز الروسيين، مما أجبر الدول الأوروبية على تحمل كلفة باهظة لتأمين بدائل وتنويع مصادر الطاقة. كذلك تضررت أسواق الغذاء نتيجة انخفاض صادرات الحبوب الأوكرانية لفترات، مما ساهم في رفع الأسعار عالمياً. هذه الضغوط الاقتصادية ترجمت إلى ضغوط سياسية داخلية على الحكومات للدفع نحو حل سلمي: فارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم في الدول الأوروبية والعالم خلق حالة إرهاق شعبي من تبعات الازمة الاوكرانية، ومع تزايد الحديث عن ركود اقتصادي محتمل في بعض البلدان، ترتفع الأصوات المطالبة بإنهاء الصراع لتخفيف العبء المالي وإعادة الاستقرار للأسواق. حتى في الولايات المتحدة، هناك نقاش داخلي حول جدوى الإنفاق الضخم على دعم أوكرانيا في ظل تحديات داخلية، مما قد يدفع واشنطن أيضاً لتفضيل تسوية تنهي الصراع على الاستمرار في تمويلها طويلاً.

على الصعيد العالمي الأوسع، دفعت الحرب دولاً عديدة -خاصة في العالم النامي- إلى تبني موقف أكثر ضغطاً باتجاه التهدئة. فقد عانت دول في إفريقيا وآسيا من أزمات غذاء وطاقة بسبب اضطراب صادرات الحبوب والأسمدة وارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة النزاع، مما جعلها تعتبر استمرار الحرب تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والغذائي. من هذا المنطلق برزت مبادرات من دول محايدة نسبياً (مثل الهند والصين وتركيا ودول عربية) تدعو لوقف القتال وإطلاق حوار سلام، إدراكاً منها أن إنهاء الحرب سيخفف الأعباء العالمية ويفتح مجالاً لتعافي الاقتصاد الدولي. هذه العوامل مجتمعة تضيف ثقلاً لكفة الحل الدبلوماسي، حيث يبدو لكثير من المراقبين أن كلفة استمرار الحرب باتت تفوق بكثير مكاسبها المحتملة لأي طرف، وأن المنفذ المنطقي هو التفاوض ولو من موقع غير مثالي لجميع الأطراف.

عوامل تدفع نحو التصعيد: على الرغم من تلك الدوافع القوية للتهدئة، فإن هناك عوامل أخرى تجعل خيار التصعيد ومواصلة القتال مغرياً أو مطلوباً من وجهة نظر بعض أطراف الصراع. فلا يزال كُلٌّ من موسكو وكييف يأمل في تحسين موقعه العسكري أو السياسي إذا استمر في القتال فترة أطول، مما يجعله متردداً في وقف المعارك حالياً. القيادة الروسية قد تراهن على إطالة أمد الازمة على أمل تآكل وحدة الصف الغربي الداعم لأوكرانيا. فهي تدرك أن تغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة (كما حدث بقدوم إدارة أكثر تحفظاً حيال الانخراط الخارجي) قد يؤدي إلى فتور الدعم العسكري لكييف بمرور الوقت، وبالتالي ربما تفضّل موسكو المماطلة وعدم تقديم تنازلات كبيرة الآن انتظاراً لتحولات دولية تصب لصالحها. ميدانياً أيضاً، لا يزال لدى الجيش الروسي القدرة على توجيه ضربات مؤلمة واستدعاء مزيد من جنود الاحتياط إذا قررت القيادة تعبئة إضافية للقوى البشرية. هذا يعني أنه إذا شعرت موسكو أن المفاوضات لن تحقق أهدافها السياسية (كحياد أوكرانيا والتنازل عن الأراضي)، فقد تختار تصعيد العمليات العسكرية أملاً في فرض أمر واقع أقوى ثم التفاوض من موقع أفضل لاحقاً. ولقد شهدنا بالفعل مراحل في الازمة الاوكرانية زادت فيها روسيا من وتيرة الهجمات الصاروخية أو وسّعت نطاق القصف رداً على تحركات دبلوماسية غير مرضية بالنسبة لها.

في الجهة المقابلة، أوكرانيا لديها أيضاً اعتبارات تدفعها لعدم استعجال وقف إطلاق النار قبل تحقيق المزيد من المكاسب الميدانية. فرغم الثمن الفادح الذي تدفعه أوكرانيا يومياً، فإن القيادة الأوكرانية تشعر أنها اكتسبت خبرة قتالية ودعماً تسليحياً غربياً نوعياً قلب المعادلة جزئياً منذ بداية الصراع. الجيش الأوكراني استطاع العام الماضي استعادة أجزاء واسعة من خاركيف وخيرسون، مما أعطى كييف ثقة بإمكانية استعادة مزيد من الأراضي إذا استمر تدفق الأسلحة الحديثة والتدريب الغربي. وبالتالي قد يرى صناع القرار في أوكرانيا أن التوقيت ليس في صالح وقف القتال الآن، خاصة مع وعود بالحصول على منظومات متطورة (مثل دبابات حديثة وربما مقاتلات غربية متقدمة) قد تغيّر المعطيات على الأرض. هذا التصور يشجع كييف على المماطلة في التفاوض الجاد ريثما تجرّب خياراتها العسكرية إلى أقصى مدى، على أمل تحسين موقفها التفاوضي باستعادة مدن استراتيجية كبرى أو قطع خطوط إمداد القوات الروسية جنوبي وشرق البلاد.

يلعب الرأي العام والضغط الداخلي دوراً كبيراً كذلك في تغذية نزعة التشدد. فالحكومة الأوكرانية تواجه شعباً عانى الويلات من الغزو، ومن الصعب عليها تسويق أي اتفاق سلام يتضمن تقديم تنازلات إقليمية كبيرة لروسيا. قد يُنظر داخلياً إلى قبول فقدان أراضٍ سيادية على أنه تفريط في دماء الشهداء وتضحيات الجيش، الأمر الذي يضع زيلينسكي في موقف حرج: بين إرضاء حلفائه الغربيين الساعين للسلام وبين عدم استفزاز المشاعر الوطنية لشعبه أو حتى لأفراد جيشه الذين يقاتلون منذ سنوات. وبالمثل، يعاني بوتين من ضغط القوميين والمتشددين الروس الذين يرفضون أي تراجع أو فشل في تحقيق أهداف “العملية العسكرية”. لقد رُوّج في الإعلام الرسمي الروسي لرواية مفادها أن روسيا تخوض حرباً وجودية ضد الغرب في أوكرانيا، وبالتالي أي تسوية تُبقي أوكرانيا قوية وقادرة على تهديد روسيا مستقبلاً ستُعد هزيمة استراتيجية لبوتين. هذه الأجواء تجعل صانع القرار الروسي شديد الحذر من الظهور بمظهر من يقدم تنازلات؛ فسلام أقل من “انتصار” يمكن أن يُضعف موقف بوتين داخلياً ويثير اضطرابات في النخبة الحاكمة أو الجيش. إذاً، تستمر حسابات السياسة الداخلية في كل من كييف وموسكو كعائق أمام المرونة المطلوبة لعقد تسوية وسط.

إلى جانب ذلك، هناك عوامل خارجية تدفع باتجاه إبقاء جذوة الصراع مشتعلة ولو بالحد الأدنى. فدول أوروبا الشرقية مثلاً تخشى أن أي اتفاق سلام يمنح روسيا مكاسب إقليمية قد يشجعها مستقبلاً على تكرار العدوان في أماكن أخرى، لذا فهي تحث أوكرانيا على عدم الرضوخ وتعد باستمرار دعمها حتى استعادة كامل التراب الأوكراني. على الجانب الآخر، حلفاء روسيا الدوليون يوفرون لها شريان حياة يسمح لها بالصمود طويلاً: فالصين مثلاً ورغم عدم اعترافها بضم أراضٍ أوكرانية، ما زالت شريكاً تجارياً أساسياً لروسيا وتزودها بأسواق بديلة ومستويات معينة من الدعم التكنولوجي، كما تقدم إيران طائرات مسيّرة وذخائر تستعملها روسيا في العملية العسكرية الخاصة، وتبيع لها دول أخرى ككوريا الشمالية ذخائر مدفعية حسب تقارير غربية. هذا الدعم يعني أن روسيا ليست معزولة تماماً وقادرة على تحمّل العقوبات لفترة أطول مما توقعه الغرب أساساً. يُضاف إلى ذلك أن بعض القوى الإقليمية المستفيدة اقتصادياً من استمرار التوتر (مثل مصدري الطاقة المنافسين لروسيا الذين استفادوا من ارتفاع الأسعار، أو مصنّعي السلاح الذين ازداد الطلب على منتجاتهم) قد لا تكون مستعجلة لوقف الصراع من منظور مصالحها الضيقة. بالطبع هذه العوامل الثانوية لا تصنع قرار الحرب أو السلم، لكنها تخلق مناخاً يبرر لكلا الطرفين المضي في القتال قليلاً بعد، على أمل تغير الظروف لصالحه.

خلاصة القول، تقف الحرب في أوكرانيا بين قوتين متعارضتين: قوة الإرهاق والكلفة التي تدفع نحو التهدئة، وقوة الأمل في تحقيق مكاسب أو تجنب تنازلات التي تغذي استمرار التصعيد. أي مسار سيسود يعتمد إلى حد كبير على تقدير كل طرف للربح والخسارة من متابعة القتال مقارنة بالجلوس للتفاوض. وهذا ما يجعل الأسابيع القادمة حاسمة؛ فإذا رجحت كفة الإدراك بأن لا نصر عسكرياً كاملاً يلوح في الأفق، فقد نشهد تسارعاً في الجهود الدبلوماسية. أما إذا غلب الاعتقاد بأن ثمة فرصة أخيرة لتحقيق تحول ميداني كبير، فقد يستمر التصعيد رغم كل الأثمان، إلى أن يصل النزاع إلى نقطة توازن جديدة تجبر الجميع في النهاية على إعادة حساباتهم.

سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع

استناداً إلى المعطيات الراهنة والمسار الذي قد تتخذه المفاوضات المرتقبة، يطرح المراقبون عدة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحرب في أوكرانيا خلال الفترة المقبلة:

  • السيناريو الأول: هدنة مؤقتة وبناء الثقة. بموجب هذا السيناريو يتمكن الوسطاء من انتزاع اتفاق بين موسكو وكييف على وقف إطلاق نار مؤقت أو محدود يعلّق العمليات القتالية لفترة محددة، دون أن يكون اتفاق سلام نهائي. قد تُوصَف هذه التهدئة بأنها “هدنة مراقَبة” بضمانات دولية، تتخللها خطوات إنسانية عاجلة مثل فتح ممرات آمنة لنقل المدنيين والمساعدات، وتبادل أعداد كبيرة من أسرى الحرب والجثامين بين الجانبين. الهدف هنا هو وقف النزيف وتهيئة مناخ أكثر إيجابية لاستئناف المفاوضات السياسية الجادة. مثل هذه الهدنة من شأنها أيضاً طمأنة الشعوب وإظهار حسن نية مبدئي بين الطرفين. ومع أن هذا السيناريو يبدو الأقل صعوبة نظرياً، فإن نجاحه يعتمد على قدرة الأطراف على الالتزام بوقف النار وعدم استغلاله لإعادة التموضع عسكرياً. هناك خشية أن ينظر كل طرف إلى الهدنة على أنها فرصة لترتيب الصفوف والتسلح، مما قد يؤدي لانهيارها سريعاً. ومع ذلك، يبقى سيناريو الهدنة خياراً جذاباً إذا أجمع الكل أنه لا حسم قريباً في ساحة المعركة وأن كلفة استمرار القتال باتت أكبر من جدواه. في حال صمود مثل هذه الهدنة وتحويلها إلى وقف إطلاق نار مستدام، قد يدخل الصراع مرحلة “تجميد” على الأرض شبيهة بنزاعات أخرى مجمدة، بانتظار حل سياسي نهائي ربما يستغرق وقتاً أطول للتوصل إليه.
  • السيناريو الثاني: مفاوضات شاملة واتفاق سلام مرحلي. في هذا السيناريو الأكثر طموحاً، تنجح القمة الثلاثية وجهود الوسطاء في دفع الروس والأوكرانيين إلى طاولة مفاوضات شاملة تتناول جذور النزاع ومطالبه الأساسية. تبدأ عملية تفاوض معمقة ربما برعاية دولية أوسع (تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا مثلاً)، ويتم خلالها بحث الملفات الكبرى: حدود أوكرانيا المستقبلية ووضع المناطق التي سيطرت عليها روسيا، مسألة حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى الناتو مقابل حصولها على ضمانات أمنية قوية، مستقبل القوات الروسية في الأراضي الأوكرانية وآلية انسحابها، إضافة لترتيبات مثل رفع تدريجي للعقوبات عن موسكو وتمويل إعمار أوكرانيا. قد يفضي هذا المسار إلى اتفاق سلام مرحلي أو إطار عام للتسوية: كأن توافق أوكرانيا على تعليق مطلبها باستعادة القرم فوراً وتأجيله لمفاوضات لاحقة أو آليات دبلوماسية، مقابل انسحاب القوات الروسية من خطوط المواجهة الحالية في دونباس أو جنوب أوكرانيا وتأسيس منطقة منزوعة السلاح بإشراف أممي. وكذلك ضمان حياد أوكرانيا دستورياً مع حصولها على ضمانات أمنية ثنائية من دول كبرى (أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مثلاً) تلتزم بالدفاع عنها إن تعرضت لعدوان مستقبلي. في المقابل تحصل روسيا على تطمينات بشأن وضع الناطقين بالروسية في أوكرانيا وربما شكل من رفع العقوبات مرتبط بتنفيذ بنود الاتفاق وانسحاب قواتها. مثل هذا الاتفاق سيشبه إلى حد ما اتفاقات إنهاء الحروب الكبرى (حزمة حلول وترتيبات أمنية وجيوسياسية)، وسيستدعي مؤتمراً دولياً لتنسيق التفاصيل وضمان التنفيذ. ورغم أن سيناريو السلام الشامل هو السيناريو المنشود دولياً، فإنه الأصعب تحقيقاً بالنظر للهوة الكبيرة في شروط الطرفين حالياً. سيحتاج الأمر تنازلات مؤلمة: على أوكرانيا القبول بخسارة إقليمية أو وضع خاص لبعض مناطقها، وعلى روسيا التخلي عن هدف السيطرة الكاملة أو تغيير النظام في كييف. الدور الأوروبي هنا سيكون حيوياً كضامن وممول لإعادة الإعمار وكطرف يرسي شرعية أي اتفاق. إذا تحقق هذا السيناريو فسيعني نهاية رسمية للحرب وبدء عملية ترميم طويلة لأوكرانيا وللعلاقات الروسية الغربية، مع بقاء تحدي تطبيق بنود الاتفاق على الأرض وضمان صمود السلام أمام احتمال عودة التوتر.
  • السيناريو الثالث: فشل القمة وتجدد التصعيد، في هذا السيناريو السلبي، لا تُسفر التحركات الدبلوماسية الحالية عن نتيجة ملموسة: إما برفض أحد الطرفين عقد اللقاء المنتظر أو بانهيار المفاوضات سريعاً بسبب غياب أرضية مشتركة. حينها سيعود الخيار العسكري ليصبح المسار الوحيد أمام موسكو وكييف. فشل القمة الثلاثية أو المفاوضات سيُفسَّر من قبل كل جانب على أنه دليل على عدم جدية الآخر، ما سيدفعهما لمحاولة حسم الصراع عسكرياً لصالحه. روسيا قد تستغل إحباط المسار السياسي لتعبئة مزيد من الموارد وتصعيد عملياتها الميدانية على جبهات القتال أملاً في فرض أمر واقع أقوى قبل أي وساطة دولية مستقبلية. وربما تلجأ لتكتيكات أشد ضراوة تشمل ضربات موسعة على البنية التحتية الأوكرانية أو حتى التهديد بأسلحة غير تقليدية لترهيب خصومها إذا شعرت بتهديد وجودي. في المقابل، سوف تتشجع أوكرانيا على طلب دعم غربي أكبر نوعاً وكما، وقد تستجيب بعض الدول بإرسال أنظمة أكثر تطوراً كانت مترددة سابقاً في تقديمها خوفاً من استفزاز موسكو. هذا التصعيد المتبادل يعني استمرار حرب الاستنزاف وربما توسيعها، مما ينذر بتحول أوكرانيا إلى ساحة صراع مفتوح لسنوات أخرى. اقتصادياً، سيكون لهذا السيناريو وطأة شديدة على أوروبا التي ستضطر لتحمل أعباء دعم أوكرانيا طويلاً مع استمرار تدفق اللاجئين وتوتر أسواق الطاقة، فضلاً عن تحمّل كلفة سباق تسلح جديد. أمنياً، كلما طال أمد الحرب ارتفع خطر حدوث حدث مفاجئ يجر أطرافاً خارجية مباشرة (مثل حادث حدودي مع بولندا أو خطأ يصيب سفينة في البحر الأسود)، ما قد يوسّع نطاق النزاع بشكل يصعب احتواؤه. ومع ذلك يبقى هذا السيناريو محتملاً إذا استمر تصلب المواقف؛ فكلا الطرفين قد يفضل استمرار الحرب على توقيع اتفاق يعتبره استسلاماً. وحينها لن يكون مستبعداً أن نشهد جولات قتال أشد ضراوة من السابق، يتخللها فقط هدنات قصيرة تحت ضغوط إنسانية أو دولية، دون حلول دائمة.

بطبيعة الحال، قد تتفرع عن هذه السيناريوهات تصورات وسطى أو تجمع بين بعض عناصرها. فمثلاً قد نرى هدنة طويلة الأجل دون اتفاق سياسي شامل (وهو ما يعني نزاعاً مجمداً شبيهاً بحالة الكوريتين)، أو ربما اتفاقاً جزئياً يقتصر على بعض الجبهات دون أخرى. لكن السيناريوهات الثلاثة المذكورة ترسم الخطوط العريضة لمسارات مستقبلية محتملة اعتماداً على سلوك الأطراف في الشهور المقبلة.

الخاتمة

في المحصلة، تجد الأزمة الأوكرانية نفسها اليوم أمام منعطف تاريخي: إما اختراق دبلوماسي ينهي حرباً مدمرة عبر تسوية تفاوضية تراعي خطوطاً حمراء لكل طرف، أو غرق أعمق في دوامة صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنهايته. سوف يعتمد الاتجاه القادم إلى حد بعيد على إرادة الزعماء السياسيين وقدرتهم على تقديم حلوله للكل (تسوية وسط) لشعوبهم وتجاوز إرث انعدام الثقة المتراكم. أوروبا من جهتها تقف أمام اختبار مفصلي لقدرتها على التأثير الاستراتيجي المستقل وعلى سد الفجوة بين واشنطن وكييف من جهة وموسكو من جهة أخرى. فإذا نجحت في لعب دور الجسر الضامن فقد تساعد في وضع أسس سلام مستدام يُنهي هذا الصراع وفق رؤية أكثر توازناً. أما إذا همّشت نفسها أو همِّشتها التطورات، فقد تجد نفسها تتحمل تبعات حرب طويلة على خاصرتها الشرقية بلا حول لها ولا قوة في مسارها. وعليه، فإن الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة: فإما أن نشهد إطلاق قطار التسوية السياسية بخطى واثقة نحو محطة إنهاء الحرب، أو تتبدد الآمال ويُغلق باب الدبلوماسية مجدداً لنعود إلى منطق السلاح وضراوة الميدان، بما يحمله ذلك من مخاطر وتصعيد غير محمود العواقب على أوكرانيا وأوروبا والعالم بأسره.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني