العودة المؤجلة: ما الذي يعيق رجوع السوريين من تركيا؟

1

استقبلت تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، فقد أشارت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود أكثر من 3 ملايين سوري تحت بند “الحماية المؤقتة”.

ورغم كثرة ما قيل عن عودة السوريين، فإن العدد الفعلي للذين عادوا طوعياً محدود مقارنة بحجم الوجود السوري في تركيا، ما يطرح التساؤل حول الأسباب التي تمنع هذه العودة.

نصّت المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: «لكلِّ شخصٍ الحقُّ في مستوى معيشةٍ يكفي لضمان الصحة والرفاه له ولأسرته، وخاصةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والرعاية الطبية…».

كما نصّت المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على: «تقرّ الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما في ذلك الغذاء والكساء والمأوى الكافي…».

نينار برس التقت مجموعة من السوريين المقيمين في تركيا للوقوف على أسباب عدم اتخاذهم قرار العودة إلى سورية..

الدمار وفقدان المنازل

السيد محمد اليوسف من سكان غازي عينتاب، أب لأربعة أولاد يقول: «منذ سقوط النظام بدأت أحلم بالعودة إلى حلب، شعرت بالحماس والرغبة بالعودة، لكنني لست متأكداً بعد مما ينتظرني، لقد فقدت كل شيء خلال سنوات الحرب، وأهمها بيتي، ليس لدي أي ضمانة للعيش الآمن هناك».

السيدة هناء.د، أرملة وأم لثلاثة أطفال تقيم في غازي عينتاب: «زرت قريتي في ريف حلب الشمالي مرة واحدة بعد سقوط النظام، الحي الذي كنا نسكنه تحوّل إلى ركام.. بيتي لم يعد موجوداً، كما أن إيجارات البيوت ارتفعت بشكل كبير، لا أدري هل يمكنني تأمين مسكن معقول لي ولأولادي، هذا ما يجعلني أتردد كثيراً في اتخاذ قرار العودة إلى سورية.

تمثّل هاتان القصتان واقع غالبية اللاجئين السوريين في تركيا، الذين يعيشون بين صعوبة الغربة ومخاوف العودة إلى سوريا، في ظل التعقيدات الاقتصادية التي تجعل قرار العودة واحداً من أصعب القرارات في حياتهم.

أما السيدة ضحى.ح فأسباب عدم عودتها إلى سورية تختلف عن محمد وهناء تقول: «أقيم في غازي عينتاب منذ اثني عشر عاماً، أنا خريجة كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة حلب وزوجي خريج كلية الهندسة الميكانيكية، أعمل في معهد للتعليم الخاص وزوجي يعمل مديراً للقسم الفني في أحد معامل إنتاج البطاطا (الشيبس).

لا نملك منزلاً في حلب وأعتقد أننا بانتقالنا إلى هناك لن نجد منزلاً بمواصفات المنزل الذي نسكنه هنا، أو ليس بنفس الإيجار، فقد سمعت ممن زاروا سورية أو عادوا بشكل نهائي أن الإيجارات مرتفعة جداً».

الاقتصاد السوري المتردي والبحث عن سبل للحياة

خلال سنوات اللجوء، استطاع كثير من السوريين بناء حياة جديدة نسبياً في تركيا، ولو كانت غير مستقرة.

كما أن الانخفاض الكبير في قيمة العملة السورية بعد التضخم الحاد الذي لحق بالاقتصاد، انعكس سلباً على تكاليف المعيشة.

يقول محمد: «رغم صعوبة الحياة، أستطيع أن أعمل وأعيل أسرتي، استأجرت دكاناً في حي شعبي وأعمل في البقالة وبيع الخضار، ولست واثقاً من إيجاد فرصة عمل في حلب».

ويضيف: «لدي عمل هنا، وأولادي يتابعون تعليمهم. العودة تعني البدء من الصفر».

السيدة هناء تبرر بأسباب مشابهة لما يقوله محمد: «لا أضمن إيجاد عمل يساعدني على دفع إيجار منزل جديد في قريتي، هنا أعمل في ورشة خياطة وأحصل عل ما يكفي لتأمين حياة أطفالي».

أما السيدة ضحى تقول: «حياتنا هنا مستقرة إلى حد كبير ونحصل على دخل جيد، ولا أعتقد أننا سنحظى بفرص عمل جيدة كالتي لدينا هنا.. أفضل التريّث في الوقت الحالي ريثما تستقر الأمور بشكل أفضل في سورية».

رغم الاستقرار الجزئي في وضع السوريين الاقتصادي في تركيا، فإنهم لا يغامرون بالعودة خوفاً من انعدام فرص العمل هناك.

الأبناء والتعليم

بالنسبة للعائلات، يبرز عامل آخر، الأبناء وتعليمهم، فالكثير من الأطفال السوريين وُلدوا في تركيا، أو أمضوا معظم حياتهم فيها.

تقول هناء: «أطفالي لا يعرفون سوريا. ولدوا هنا وتعلموا اللغة التركية في مدارسهم، يتكلمون اللغة العربية لكنهم لا يجيدون القراءة والكتابة بها، العودة الآن ستضعهم أمام تحد جديد وصعب بتعلم اللغة العربية من جديد».

أما محمد فيقول: «لدي ثلاثة أبناء في الجامعات التركية، وأريد لهم أن يتموا تعليمهم الجامعي هنا، خصوصاً أن أحدهم في السنة الأخيرة، لا أريد المغامرة بمستقبلهم، فهم من المتفوقين ويدرسون الهندسة وإدارة الأعمال.. بعد إنهاء دراستهم، سأفكر بشكل جدي بالعودة».

أما السيدة ضحى تقول: «لدي طفلان ولد وبنت، ابنتي في المرحلة الثانوية من دراستها وابني في المرحلة الإعدادية، وهما يجيدان اللغة التركية لكنهما لا يجيدان اللغة العربية بشكل يؤهلهما للدراسة بها.. هذا السبب الأساسي في عدم اتخاذي لقرار العودة حالياً».

هذا الواقع يجعل قرار العودة أكثر تعقيداً، لأنه يتعلق بمستقبل الأبناء.

الرغبة في العودة إلى سورية حاضرة دائماً

ورغم كل هذه العوائق، لا يزال حلم العودة حاضراً.

يقول محمد: «لا أحد يريد أن يعيش بعيداً عن وطنه. لكن العودة تحتاج إلى شروط».

بالنسبة لكثيرين، العودة ليست قراراً فردياً فقط، بل مسألة ترتبط بالاستقرار العام.

وقد أعلن وزير الداخلية التركي «علي يرليكايا» أن 550 ألف لاجئ سوري عادوا من تركيا إلى بلدهم منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024 حتى تشرين الثاني 2025.

بينما لا يزال نحو 2.4 مليون سوري لاجئين في تركيا، حيث تجاوز عددهم 3.5 ملايين في ذروة الحرب في سوريا، بحسب السلطات التركية. كما أكّد على أن العودة طوعية بالكامل وليس هناك أي إكراه عليها من جانب السلطات التركية.

وبين الرغبة في العودة والواقع المعيش في تركيا، يبين استبيان النوايا للاجئين السوريين من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – من 26 أيار وحتى نهاية حزيران 2025 أن قرار العودة مرتبط بعدة عوامل رئيسية الأمان، الاستقرار الاقتصادي، توفر الخدمات الأساسية، والسكن، وفي غياب هذه العوامل تكون العودة محفوفة بالمخاطر.

نينار برس التقت ممثلتين عن المجتمع المدني في غازي عينتاب، المحامية بسمة الرفاعي مديرة مكتب مركز «أمل للمناصرة» في غازي عينتاب، والسيدة معالم عبد الرزاق مدير منظمة «إكليل الجبل».

تقول الأستاذة بسمة: «على رأس الأسباب التي تمنع السوريين من العودة، انعدام الدخل في سورية، فقد تمكنت معظم العائلات من تأمين مصدر رزق ولو كان بسيطاً، العائلات التي لديها أولاد قادرون على العمل تؤمن دخلاً معقولاً، بينما في سورية فإن فرص العمل تكاد تكون معدومة».

وترى الأستاذة معالم أيضاً أن الدخل المادي هو السبب الأول، تقول: «أعتقد أن السبب الرئيسي هو الخوف من عدم تأمين دخل بنفس السوية التي يعيش بها السوريون في تركيا، وانعدام أو قلّة فرص العمل».

وتتابع الأستاذة بسمة: «السبب الثاني هو عدم وجود مسكن، فالبيوت إما مدمرة أو شبه مدمرة وتحتاج إلى مبالغ كبيرة لترميمها، والسبب الثالث، وجود الأبناء في المدارس والجامعات، وهم يدرسون باللغة التركية، والنقل إلى المؤسسات التعليمية في سورية يضعهم أمام تحد كبير، لذلك يفضل الأهل البقاء في تركيا وإتمام تعليم أبنائهم».

الأمن وسلامة الحياة

تقول الأستاذة بسمة: «السبب الرابع يتعلق بالأمن والتأمين الصحي، يعيش السوريون في تركيا بمستوى جيد من الأمن غير المتوفر حالياً في سورية، إضافة إلى التأمين الصحي الذي قد يفقدونه في سورية في ظل تدني الخدمات الطبية».

الخلافات العائلية والمسائل العالقة

حول هذا الموضوع تقول الأستاذة بسمة: «بالنسبة للنساء الوحيدات خصوصاً، يفضلن نمط الحياة الذي اعتدن عليه هنا، دون تحكّم الأهل، أو الإملاءات العائلية من الآباء أو الإخوة في حال كانت مضطرة إلى الإقامة مع عائلتها، أو بسبب وجود بعض المسائل العائلية العالقة».

الخدمات شبه المعدومة في سورية

تضيف الأستاذة بسمة: «اعتاد السوريون في تركيا على حياة سهلة ومريحة تتوفر فيها الخدمات الجيدة (ماء، كهرباء، إنترنت، نظافة…) وفقدانها سبب آخر في تأجيل العودة».

وكان رأي الأستاذة معالم مطابقاً في هذه الناحية: «الحياة ذات الخدمات الجيدة ووسائل الترفيه للأطفال من حدائق ومتنزهات.. التي اعتاد عليها السوريون خلال هذه الفترة التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، ليس بالسهولة المغامرة والتفريط بها والانتقال إلى واقع معيشي صعب يخلو من كل ذلك».

في ضوء هذه المعطيات، فإن قرار عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى بلادهم لا يزال معقّداً ومؤجَّلاً، تحكمه اعتبارات تتجاوز الرغبة في العودة.

الكثير من السوريين يجدون أنفسهم مضطرين للبقاء حيث تتوفر الحدود الدنيا من مقومات الحياة.

الرغبة في العودة حيّة في وجدانهم، لكن تحقيقها يظل مرهوناً بتوفر الشروط الواقعية التي تضمن لهم حياة مستقرة، كريمة وآمنة.

«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR“»

1 تعليق
  1. سميرة البهو says

    مقال يلامس الواقع الذي يعيشه المغتربون السوريون في كلّ مكان

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني