العهد الجديد في سوريا أمام استحقاقات الواقع.. هناك حاجة إلى تجديد بنية العهد ومساره من أجل مجتمعٍ أكثر استقراراً واستدامة
أكثر من سبعة أشهر مرّت منذ أن هرب رأس النظام الأسدي بشّار الأسد وتفككت قواته العسكرية والأمنية، وهذا زمن ليس قصيراً بالنسبة لترسيخ العهد الجديد على كل الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية بالدرجة الأولى، وتحسين الأحوال المعيشية بصورة نسبية.
السوريون كما أظهرت تجمعاتهم وقواهم السياسية والاجتماعية كانوا ولا يزالون يريدون أن تستقر البلاد بصورة تدريجية أمنيّاً وسياسياً، من أجل وضع خطّة إعادة الإعمار على الطاولة، وهذا يعني البحث العميق في تفعيل النشاط الاقتصادي بكل مجالاته في كلّ الأراضي السورية.
العهد الجديد اعتقد إن سقوط النظام الأسدي هي مفتاحه السحري لاستلام السلطة في البلاد، واعتبر إن ما جرى من وصول قوات “ردع العدوان” إلى دمشق بمثابة نصر نهائي. وبناءً عليه، ومن منطلق إيديولوجي تؤمن به حركة تحرير الشام، أغمض العهد الجديد عينيه تماماً عن مطالب جمهور الثورة السورية طيلة أربعة عشر عاماً من مواجهة الاستبداد، هذه المطالب تتمثّل بإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية، وعمل على إقصاء كل قوى سياسية وطنية عن المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية.
أولى أخطاء العهد الجديد، إنه دعا إلى مؤتمر حوار وطني وفق مقاسه الخاص، مستبعداً وجود أية قوى أو أحزاب أو أطر عمل مدني، ولم ينتبه إلى إن هكذا مؤتمر لن يستطيع التعبير عن مطالب السوريين، التي تعبّر عنها أحزابهم وتياراتهم المختلفة.
وهكذا تمّ إفراغ مطلب عقد مؤتمر وطني شامل من جدواه ومحتواه اللذين كان يمكن التأسيس عليهما لاحقاً لمنع أية محاولات لقوى الثورة المضادة من اللعب على غياب فعالية تمثيل السوريين بكل طيفهم الاجتماعي والسياسي.
ثاني أخطاء العهد الجديد، هي كتابة الإعلان الدستوري على مقاسه الفكري والسياسي، حيث لم يتمّ التعبير عن تشكيل الأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية، ولم تطرح قضية حرية العمل الصحفي والإعلامي بصورة تخدم تعميق سلطة المرحلة الانتقالية لإنجاز مهامها الأساسية، مثل تعميم الأمن والاستقرار، تنفيذ مبدأ العدالة الانتقالية، والعمل بالتشارك الوطني على انتخاب شخصيات وطنية من كل الفئات السياسية والاجتماعية السورية لعضوية مجلس الشعب الانتقالي.
ثالث هذه الأخطاء وأكثرها مدعاة للتساؤل، هي تشكيل ما يسمى الأمانة السياسية، ودور “الشيوخ” في التحكّم بأعمال وزارات الدولة وإداراتها المختلفة. فمثل هكذا قرارات أضعفت الالتفاف الكبير حول قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ذلك الالتفاف الذي ظهر مع سقوط نظام الأسد.
قوى الثورة المضادة، مثل بقايا جيوب نظام الاستبداد الأسدي في الساحل السوري وحمص، ومثل بعض الفصائل والشخصيات التي تضرّرت مصالحها في الجنوب السوري “السويداء” بالدرجة الأولى، ومثل ما تقوم به ما تسمّى قوات سوريا الديمقراطية في مناطق الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث “دير الزور والرقة والحسكة”، هذه القوى استطاعت اللعب ضدّ العهد الجديد انطلاقاً من أخطائه التي ذكرناها.
هذه القوى لم تدرك بعد أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية وكثير من الدول العربية تريد أن يتمّ الانتقال السياسي بسلاسة، وأن هذه الدول لن تسمح لهذه القوى بإبقاء الساحة السورية ساحة لتوليد الصراعات الداخلية، وما يترتب على هذه الصراعات من فوضى قد تنتقل لدول الإقليم وتضرّ باستراتيجية الغرب السياسية العالمية بقيادة الولايات المتحدة.
كذلك لا ينبغي أن يتجاهل العهد الجديد ما يؤكد عليه الغرب بضرورة أن يشارك كل الطيف السياسي السوري بصنع المرحلة الانتقالية وما بعدها.
إن تجاوز محنة الصراعات بين العهد الجديد وأعدائه تتمّ من خلال تصحيح المسار السياسي الذي انتهجه هذا العهد حتى اللحظة، وإن مجابهة أخطار قوى الثورة المضادة لا يكون باستخدام قوى العشائر كقوة مواجهة، فالعشائرية هي درجة تطور اجتماعي ما قبل سيادة الدولة، وإن استخدام هذه القوّة يضعف سلطة هذه الدولة لصالح أطرٍ ضيّقة التمثيل اجتماعياً، ولذلك تعتبر الدولة بديلاً سياسياً وأمنيّاً عن كل الأشكال والتنظيمات مثل الطائفية البغيضة والقوى الدينية المتعصّبة والقبلية والعشائرية.
السوريون الذين لم تتغيّر أوضاع البنية التحتية المدمرة، ولم تتحسن بعد أوضاع الطاقة الكهربائية لديهم، أو أوضاعهم المعاشية، ولا حتّى أوضاعهم الأمنية، يريدون استقرار البلاد بقيادة وطنية يرأسها الرئيس أحمد الشرع، قيادة يتمثّل فيها الطيف السياسي والاجتماعي السوري العام، من خلال تعميق عمل مؤسسات الدولة بعيداً عن وجود أوصياء على قرار وزارات الدولة وإداراتها.
إن انتخاباً تمثيلياً لأعضاء البرلمان الانتقالي ممكنٌ بالتعاون مع القوى والأطر السياسية السورية، ومع منظمات المجتمع المدني، وإن ذلك سيساهم بدون شك في سحب البساط عبر استخدام القوّة الناعمة من تحت أقدام القوى ذات الأجندات غير الوطنية والانفصالية.
السوريون يرون إن تجربة السبعة أشهر التي مرّت على سوريا كافيةٌ من أجل أن تقوم سلطة العهد الجديد بمراجعة نقدية حقيقية لما أنجزته على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، ولما فشلت في إنجازه في هذه المجالات وغيرها، وللصعوبات التي واجهتها في عملها، وللنجاحات التي استطاعت تحقيقها بموضوعية، دون تضخيم “الحبّة” لتصبح “قبّةً”.
السوريون يريدون من العهد الجديد الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع إضفاء الطابع الوطني السوري وتغليبه على أي طابع آخر يحمل لوناً إيديولوجياً أو ما شابه ذلك. فالطابع الوطني يعني المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع السوري دون النظر إلى أية اعتبارات اثنية أو دينية أو طائفية أو مناطقية.
إن إغماض العينين عن أخطاء راكمت لما حدث من صراعات سوريا بغنى عنها، سيزيد من حدة صراعات مختلفة قد تنفجر في ظلّ غياب تصحيح مسار المرحلة الانتقالية، وإن الحسم العسكري لأية تحدٍ هو ليس نصراً بل قاعدة لغضب أكبر وهذا أمر يجب أن تضعه حكومة الرئيس الشرع في حساباتها.
السوريون يريدون أن يشاركوا في صنع مستقبلهم، وهم لا يأتمنون أوصياء على قرارات حياتهم المصيرية.
فهل سيضع الرئيس خارطة طريق جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية بسلام وتوافق وطني عام؟
سؤال برسم إدارة العهد الجديد برئاسة الرئيس أحمد الشرع.