
العلاقات السورية – التركية في العهد الجديد: مكاسب للحكومة الانتقالية وتحديات استراتيجية
بعد سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل الحكومة السورية الانتقالية، تجد دمشق نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية على أسس براغماتية وواقعية. تأتي العلاقة مع تركيا في الصدارة، بحكم الجوار الجغرافي، وتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية واللاجئين، وكذلك موقع تركيا كبوابة أساسية نحو أوروبا وسورية بوابة تركيا نحو العالم العربي.
السؤال المركزي: كيف يمكن للحكومة الانتقالية تحويل العلاقة مع تركيا من ملف أزمات إلى شراكة مُدارة بذكاء، دون أن تتحول إلى تبعية أو تهديد للسيادة السورية؟
أولاً: الفوائد التي يمكن للحكومة الانتقالية جنيها من تركيا
1. خفض التوتر الحدودي وضبط الأمن
التعاون مع أنقرة يتيح بناء ترتيبات أمنية جديدة تقلل من تسلل الجماعات المسلحة وتضبط الحدود التي ظلت لعقدين مصدر توتر وعدم استقرار.
2. التكامل الاقتصادي وإعادة الإعمار
تركيا تمتلك خبرة متقدمة في البناء والطاقة والصناعات الخفيفة، ويمكن استثمار ذلك في مشاريع التعافي المبكر، من إصلاح البنى التحتية إلى إقامة مناطق لوجستية وصناعية مشتركة تخدم الاقتصادين.
3. إدارة ملف اللاجئين
مع وجود ملايين السوريين في تركيا، يمكن وضع برنامج “عودة طوعية آمنة” برعاية دولية، يحقق مصلحة الطرفين ويحفظ كرامة اللاجئين ويمنع استغلالهم كورقة سياسية.
4. الاستفادة من شبكة العلاقات العربية–التركية
عودة العلاقات بين تركيا والدول العربية الكبرى تتيح للحكومة السورية الانتقالية بناء تحالفات اقتصادية وتمويلية أوسع، بدل حصر الملفات في البعد الثنائي الضيق.
5. التعاون في الطاقة والمياه
فتح قنوات للتعاون في ملف مياه الفرات والطاقة الكهربائية وربط الشبكات يمكن أن يخلق اعتماداً متبادلاً يقلل فرص التوتر ويعزز الاستقرار.
ثانياً: المخاطر الاستراتيجية المحتملة
رغم الفرص، تبقى هناك تحديات إذا لم تُدار العلاقة بعقلانية ومؤسساتية، أهمها:
- اختلال ميزان القوى بسبب تفوق الاقتصاد التركي وقدرته التفاوضية.
- خطر الهيمنة الاقتصادية إذا أُطلقت التجارة دون حماية للصناعة السورية أو قواعد منشأ صارمة.
- تحويل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى دائمة ما قد يُضعف سلطة الدولة السورية المركزية مستقبلاً.
- تسييس ملف اللاجئين إذا استخدمته أنقرة كورقة ضغط في التفاوض بدل التعامل معه كملف إنساني–تنموي.
- إضعاف البعد العربي إذا جرى التعاون مع تركيا بمعزل عن الإطار العربي، ما يثير حفيظة العواصم العربية المؤثرة.
ثالثاً: نقاط الالتقاء والتباعد في المصالح
نقاط الالتقاء
الأمن الحدودي: مصلحة مشتركة بإنهاء الفوضى المسلحة على الحدود خاصة فيما يخص ملف “قسد”.
عودة اللاجئين: مصلحة مشتركة لضبط هذا الملف تحت ضمانات دولية.
التكامل الاقتصادي: تصدير سوري واستيراد تركي منظم ومناطق عبور مشتركة.
محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة: هدف مشترك لتأمين الحدود والتجارة.
نقاط التباعد
الوضع في الشمال السوري: تحديد جدول زمني واضح لإنهاء أي وجود عسكري غير شرعي وضبط القوى المحلية.
القرار السياسي المستقل: ضمان أن تكون العلاقة مع تركيا جزءاً من سياسة خارجية سورية متوازنة، لا ارتهاناً لمحور إقليمي واحد.
الإطار العربي: دمشق الانتقالية ترى في الجامعة العربية شريكاً مركزياً، بينما قد تميل أنقرة لترتيبات ثنائية أسرع.
رابعاً: توازن القوة ومنع الهيمنة التركية
هناك من يخشى أن ضعف الدولة السورية بعد الحرب يقابله تفوق تركي، ما قد يقود إلى علاقة غير متكافئة. لكن يمكن للحكومة الانتقالية منع ذلك عبر:
- تجزئة الملفات وربطها: لا تُفتح التجارة دون تقدم متزامن في ملفات اللاجئين والأمن والمياه.
- إشراك أطراف عربية ودولية: كضامنين لأي اتفاق، لضمان التوازن ومنع الانفراد التركي.
- الشفافية والقوننة: تحويل أي تفاهم إلى اتفاق رسمي بمصادقة برلمانية وجداول زمنية محددة.
- تنويع الشركاء: لا يُترك الاقتصاد السوري معتمداً بالكامل على بوابة واحدة.
- مؤشرات قياس واضحة: مراجعة فصلية لتنفيذ البنود وإيقاف أي مسار عند الإخلال بالاتفاقات.
خامساً: خارطة طريق عملية
1. مرحلة التهدئة:
بروتوكول أمني لضبط الحدود وتبادل معلومات.
تسهيلات إنسانية وتجارية محدودة تحت إشراف أممي.
2. مرحلة التعاون:
إنشاء مناطق لوجستية وصناعية مشتركة تحت إشراف سوري–عربي.
بدء برنامج عودة طوعية بتمويل دولي.
3. مرحلة الاتفاق الشامل:
اتفاق أمني – اقتصادي دائم يشمل الحدود، التجارة، المياه، والطاقة، برعاية عربية ودولية.
سادساً: توصيات للحكومة الانتقالية
- إدماج الجامعة العربية كضامن أساسي في أي تفاهم مع تركيا.
- وضع سقوف للواردات التركية وحماية الصناعات المحلية بقوانين واضحة.
- تبني برنامج عودة طوعية آمنة تحت إشراف أممي–عربي.
- وضع جدول زمني لإنهاء أي وجود عسكري أجنبي غير شرعي.
- التنسيق مع الاتحاد الأوروبي لربط مشاريع الطاقة والنقل الإقليمية.
- الشفافية في العقود والاتفاقيات لمنع الفساد أو الإملاءات الخفية.
أرى أن العلاقة السورية – التركية في عهد الحكومة الانتقالية يمكن أن تكون رافعة للاستقرار وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، لكنها تحمل مخاطر إذا لم تُدار بتوازن وشفافية وضمن إطار عربي–دولي يحمي القرار الوطني. النجاح مرهون بقدرة الحكومة الانتقالية على صياغة قواعد واضحة تجعل من الجوار التركي فرصةً لا تهديداً، ومن الاعتماد المتبادل ضمانةً للسلام لا بوابةً للهيمنة.