
الصراع الداخلي في الجنوب السوري أسبابه ومآلاته
تشهد محافظة السويداء جنوبي سورية توتّرات متجددة تمثّل حلقة جديدة في مسلسل الصراعات المسلحة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد. وتُعزى جذور هذه الأحداث إلى التناقض العميق في رؤى بناء الدولة السورية المستقبلية، حيث تتقاطع مصالح وأيديولوجيات متباينة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على بنى الأطراف المتصارعة، والمقدمات التي دفعتهم إلى خوض صراعٍ مسلّح، مع بحث مآلات هذا الصراع على وحدة سوريا كدولة مركزية، واقتراح أفضل السبل لحل النزاع بما يتوافق مع قيام “دولة المواطنة” بعيداً عن هيمنة أي فصيل مسلّح، وضرورة حصر السلاح بيد الدولة السورية.
1. السياق السياسي والجغرافي لمحافظة السويداء
تقع السويداء في جنوب سورية، وتُعَدّ أحد أبرز معاقل الطائفة الدرزية. يتميز الإقليم بجباله وشبه صحرائه، ما جعل منه منطقةً يصعب على الجهات العسكرية التقليدية فرض سيطرتها الكاملة دون تفاهمات محلية. بعد عام 2011، شهدت السويداء نوعاً من الاستقرار النسبي مقارنة ببقية المحافظات، إلا أن الفراغ الذي خلّفه تراجع الدور الرسمي للدولة جذب ميليشيات محلية وإقليمية للتوازن والتحكم بالقرار الأمني والسياسي.
2. الأطراف المتصارعة وبنى قوتها
1. حكومة “العهد الجديد”
• الطبيعة: تحاول هذه الحكومة، المعلنة ذاتياً من بعض الناشطين والمجالس المحلية، التعويض عن تراجع الدولة المركزية.
• البنية: تعتمد على تشكيل “قوات شعبية” وأمنٍ محلي تُنسّق مع قوى خارجية (تركيا، قطر، السعودية).
• الحوافز: استعادة الأمن والخدمات، وكسب شرعية شعبية ممزوجة بمطالب محلية واقتصادية.
2. فصائل الثورة السورية
• الطبيعة: امتداد لـ «الجيش السوري الحر» سابقاً، تحمل أيديولوجيا دينية تسعى لفرض نمط حكم معين.
• البنية: قوات منظمة تسليحياً وإدارياً، سيطرت على مساحات في إدلب وشمال حماة، ومن ثم على دمشق.
• الحوافز: توسيع النفوذ الأيديولوجي، وتأمين طرق إمداد، وتجديد رصيدها القتالي والسياسي بعد سقوط نظام بشار الأسد.
3. عناصر محلية – عشائر بدوية وسكان محليين دروز.
• الطبيعة: عشائر بدوية لها هيكل اجتماعي تقليدي، إضافة إلى سكان لهم ثقافتهم الخاصة من الطائفة الدرزية.
• البنية: قبائل مسلّحة، تشكل “قوات ردّع” للدفاع عن المحافظة، لكنها دون إطار الدولة الرسمية.
• الحوافز: حماية المجتمع الدرزي، ورفض أي نفوذ خارجي يهدد خصوصيتهم.
3. المقدمات الدافعة للصراع المسلّح
1. فراغ الدولة المركزية
• تراجع دور الجيش والشرطة السوريين بعد 2011، خاصة في المناطق الجنوبية، فتح ثغرات أمنية سمحت بامتداد فصائل مختلفة.
2. تنافس الأجندات الإقليمية
• تركيا تدعم تشكيل مجالس محلية تتبع للدولة السورية، كما تحاول الدولة السورية إعادة بناء نفوذها عبر دخول المدينة كجهات رسمية.
3. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية
• تأخر وصول المساعدات والخدمات، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، دفعت السكان إلى الاعتماد على “جهات قوة” بديلة تقدّم الحماية والخدمات مثل إسرائيل.
4. الهوية الجماعية
• حسّ الطائفة الدرزية بتهديد وهمي دفعها لتأسيس ميليشيات محلية، ما أدى إلى تعميق الانقسام الداخلي وتفجّر المواجهات عند أول شرارة خاصة بعد حادثة الاصطدام مع البدو.
4. مآلات الصراع وأثره على وحدة الدولة السورية
1. تمزيق النسيج الاجتماعي
• الصراع المسلّح بين عشائر السويداء وأهالي السويداء وانخراط “العهد الجديد” في المواجهة، يزيد من التوتر الطائفي ويهدر السلم الأهلي.
2. تفكيك مركزية القرار
• كل جهة مسلّحة تحاول فرض سيطرتها على الأرض، ما يكرّس مبدأ تعدد السلطات ويعوق إعادة بناء مؤسسات دولة مركزية قوية.
3. تصدّع مفهوم الدولة المدنية
• استبدال مفاهيم المواطنة بالخلفية الدينية أو الانتماء العشائري يقوّض أسس دولة القانون والمواطنة المتساوية.
5. أفضل السبل لحل النزاع بما ينسجم مع دولة المواطنة
1. استعادة الدور الرسمي للدولة
• إعادة انتشار الجيش والشرطة تحت سقف مؤسساتي واحد، مع إشراك المجالس المحلية في مجالي الأمن والخدمات على نحو مؤقت حتى استعادة الثقة.
2. توحيد القوى المحلية تحت إطار مدني
• تأسيس “مجلس مدني لمحافظة السويداء” يضمّ ممثلين عن العشائر والأحزاب وممثلي المجتمع المدني، ليكون الجهة الوحيدة المعترَف بها في الحوار مع دمشق.
3. آليات المصالحة والعدالة
• إطلاق حوار اجتماعي شامل يفضي إلى لجنة عدالة تستمع لشكاوى الضحايا وتقدم توصيات لمحاكمة الخارجين عن القانون.
4. دور فاعل للمجتمع الدولي والإقليمي
• ضغوط دبلوماسية على الهيئات المتشددة لإخراج مقاتليها، وتقديم حوافز اقتصادية للسكان المحليين بتعزيز مشاريع تنموية تشجّع على التسليم بالسلم الأهلي.
5. تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة
• برامج تثقيفية وإعلامية تدعم الهوية السورية الجامعة بعيداً عن الطائفية والعصبيات، مع إشراك الشباب والمرأة في صياغة مستقبل المحافظة.
تمثّل الأحداث في السويداء نموذجاً مصغّراً للتحديات التي تواجه إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد، حيث تتقاتل رؤى متناقضة حول السلطة والهوية والأمن. إن تحقيق التسوية المستدامة يستلزم استعادة مركزية الدولة ضمن إطار قانوني مدني، وإشراك الفاعلين المحليين في حوار حقيقي يقوم على العدالة والمواطنة الجامعة، ويقطع الطريق أمام أي سلطة موازية أو أجندة إقليمية تغزو القرار الوطني. فقط عبر هذه الخطوات يمكن لدمشق أن تستعيد وحدتها كدولة مركزية تحمي مواطنيها بلا تمييز أو هيمنة.