
الشرع في أوروبا: كسر لمعادلة الشك المتبادل
في ظل تداخل حسابات السياسة مع الضغوط الاقتصادية، وتنامي الهواجس الأمنية داخل سوريا، إلى جانب تشابكها مع التطورات الإقليمية والدولية، تبرز زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا كمحاولة للإجابة عن سؤال جوهري وصعب في آن واحد وهو، هل تستطيع سوريا تجاوز حالة التعثر التي تعيشها دون توافق دولي يوفّر تمويلاً حقيقياً يدفع نحو الاستقرار ويُطلق عجلة التنمية، أم أن الشكوك المتبادلة ستبقي البلاد رهينة انتظار مفتوح؟ وإلى متى؟
تأتي هذه الزيارة في لحظة لم يعد فيها ممكناً فصل الشأن الداخلي عن التحولات الإقليمية والدولية، كما لم يعد بالإمكان تحريك عجلة الاقتصاد دون دعم خارجي. ففي حين تفرض الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار نفسها بقوة داخل سوريا، يقابلها حذرٌ أوروبي تحكمه اعتبارات معقدة، في مقدمتها غياب ضمانات كافية لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
في هذا السياق، يتجاوز التحرك الأخير لدمشق تجاه العواصم الأوروبية طابعه الدبلوماسي، ليصبح اختباراً فعلياً لإمكانية كسر الجمود، واستكشاف مسار جديد يقوم على توازن دقيق بين المصالح والالتزامات، لا سيما في ظل تصاعد الحرب الإقليمية التي لا تزال مآلاتها غير واضحة.
يدرك الرئيس أحمد الشرع أن مرحلة ما بعد سقوط الأسد لا تُحسم بالغَلَبَة العسكرية وحدها، بل تقوم في جوهرها على التعافي الاقتصادي كمدخل أساسي للاستقرار وتعزيز السلم الأهلي. غير أن اتساع فجوة التمويل الخارجي يعرقل جهود إعادة الإعمار، ويُبقي مخاطر الهشاشة السياسية والأمنية قائمة، ما يهدد بإطالة أمد التعثر. وانطلاقاً من ذلك، جاءت هذه الجولة كمحاولة لفتح نافذة على انفتاح اقتصادي دولي، ولو بشروط، بما قد يهيئ فرصاً حاسمة لرسم ملامح المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، يمكن فهم الزيارة كمحاولة لاستكشاف سبل طمأنة العواصم الأوروبية بأن أي دعم محتمل سيُدار ضمن بيئة أكثر شفافية واستقراراً. فالموقف الأوروبي، لا سيما في برلين ولندن وباريس، لا يزال حذراً تجاه الانفتاح الكامل تجاه سوريا، حيث تربطه بتوافر حد أدنى من الضمانات الوطنية والقانونية وحقوق الأقليات، إلى جانب مؤشرات واضحة على الانخراط في مسار سياسي أكثر شمولية، يحدّ من الطابع الأمني ويفتح المجال العام أمام جميع المكونات السورية.
من وجهة نظر دمشق، يعكس الحذر الأوروبي معضلة أساسية تتمثل في أن غياب التمويل يؤخر إعادة الخدمات ويغذي التوترات، ما يعيق بدوره تحقيق الاستقرار السياسي الضروري لتدفق هذا التمويل. في المقابل، لا يغيب البعد الأمني عن الحسابات الأوروبية، إذ تخشى من أن يؤدي استمرار عدم الاستقرار في سوريا إلى موجات لجوء جديدة، ما يدفعها إلى تبني مقاربة متوازنة تجمع بين الحذر السياسي وتفادي الانهيار، بما في ذلك تعزيز التعاون التقني في ملفات الهجرة وإدارة الحدود. ومن تلاقي هذه الاعتبارات، تكتسب الزيارة أهميتها كمحاولة لكسر هذه الحلقة المغلقة والبحث عن أرضية مشتركة تلبي مصالح كل الأطراف.
على المدى القريب، لا يُتوقع أن تُفضي هذه الزيارة إلى اختراقات كبرى، بقدر ما قد تحقق مكاسب رمزية تتمثل في فتح قنوات تواصل تدريجية، تمهيداً للانتقال إلى إدارة مصالح محدودة دون بلوغ مرحلة الدعم الكامل. من هنا، يمكن أن تندرج جولة الشرع ضمن نهج ” الخطوات الصغيرة المُتبادلة”، كاختبار جديد لمسار ما بعد الحرب في سوريا، حيث تسعى دمشق إلى استكشاف حدود الانخراط الأوروبي وإمكانية تحويل الحذر إلى دعم تدريجي يوازن بين الاستقرار والمصالح. ومع ذلك، يبقى هذا المسار مرهوناً بقدرة السلطة على تقديم ضمانات ملموسة على الأرض، إذ إن الحسم الحقيقي لا يُصنع في العواصم وحدها، بل يُقاس بمدى تنفيذ التعهدات. وبين فرص الانفتاح ومخاطر الجمود، تقف سوريا أمام مفترق حاسم قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة.