السويداء ومكانها في المنظومة البنيويّة للهوّية الوطنيّة
قليلة هي الأوطان التي تحتوي على هذا التنوّع الطائفي والعرقي والديني كما هو الحال في سوريا، ما يشكّل حالة وجوديّة تستند إلى أسس اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة ومعرفيّة متميّزة، من عاداتٍ وتقاليدَ وعلاقات إنتاج ضمن منظومة بنيويّة تقوم على حاملين جدليّين مترابطين، وهما التباين والتكامل، أي إنّ طبيعة الحياة في الدولة السوريّة، ببيئاتها ومكوّناتها البشريّة في مجالاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، تتميّز بتنوّعها واختلاف أساليبها ونظمها من محافظة إلى أخرى، ومن طائفة إلى أختها، وبين منطقة وغيرها، اختلاف يصل أن يظهر تباينه في المدينة الواحدة ذات التعدد الطائفيّ أو العرقي أو الديني. وهذا التباين يدخل بعلاقة تفاعليّة جدليّة بين نظمه المختلفة، فيكوّن حالة تكامليّة، أو صيرورة تنمويّة تشمل جميع المجالات المذكورة السابقة؛ بمعنى أنّ هذا التنوّع في أساليب الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي يحياها الشعب السوريّ ببيئاته المختلفة، طائفيّاً وعرقيّاً ودينيّاً وطبقيّاً (ريفاً ومدينةً)، هو في حالة تداخل لا تنقطع، وتبادل وتفاعل دائمين.
وهذا التفاعل يؤدّي إلى تشكيل علاقات إنتاج متجدّدة دوماً، وقادرة على إحداث التطوّر الذاتي المستمرّ، وذلك على الصعيدين الماديّ والثقافيّ، أو ضمن ما يعرف في الفكر الماركسيّ بالبنيتين التحتيّة والفوقيّة. وهذا التفاعل يأخذ مسارات متعدّدة؛ إذ يجري بعضها بين وسائل الإنتاج الماديّة ومنتجاتها، من خلال صيرورة التبادل السلعي بين المحافظات والمناطق، وبعضها الآخر بين المنتجات الثقافيّة التي تعود إلى تلك البيئات والطبقات الاجتماعيّة المختلفة، كما أن هناك تفاعلاً من نوع ثالث يتمّ بين عناصر الإنتاج الماديّة والثقافية. كلّ هذا التفاعل يعطي آليّة الحياة في هذا البلد مستوى من التكامل البنيويّ المعيشي الذي صار مع الزمن ضرورة تكوينيّة وديناميّة حتميّة وديمومة نمطيّة، أي أنّ هذا التفاعل المفضي إلى التكامل اكتسب عبر مرور الأيّام وتتابع السنون وتطوّر أساليب الحياة ووسائلها صفة اللازمة الوجوديّة التي يصعب التخلّي عنها، وتحوّل من حالة كماليّة إلى ضرورة أساسيّة.
هكذا هي سوريا وهذا هو تاريخها المعاصر منذ تأسيسها عقب الخلافة العثمانية. ولقد سعت الحكومات المتعاقبة، بعد حقبة الاستعمار الفرنسي، على تمكين هذا التداخل، وعلى تمتين أواصر التفاعل الشعبيّ بين مكوّنات هذا البلد، وذلك من خلال مؤسسات الدولة، تكويناً وعملاً، إذ كانت كلّ مؤسسة أشبه بمنظومة اجتماعية تجمع فيها جميع أطياف الشعب السوريّ، وخاصّة في مؤسّسات الجيش والتعليم والفنون؛ وكذلك عبر فعاليّات هذه المؤسسات وخططها الإنمائية والاستراتيجيّة.
لقد تمكّن السوريّون من صياغة هويّة سوريّة وطنيّة جامعة، هويّة لا تلغي الخصوصيّات العرقيّة والطائفيّة والدينيّة، لكنّها تجمعها وتعيد تموضعها وتعريفها وتنظّم حركتها بما ينسجم مع الهويّة السوريّة الجامعة. وهذا يعني أن الدولة السورية استطاعت تشكيل هويّتها من خلال جمع عناصرها المتعدّدة ووضعها في منظومة بنيويّة وطنيّة واحدة، تعمل على استقرار تلك العناصر وعلى بناء الشخصيّة السوريّة المستمدّة من كلّ تلك العناصر المتعدّدة. وحقّاً صار المواطن السوريّ فيه مزيج من ثقافات وعادات مكوّنات الشعب السوريّ كلّه، مع اختلاف النسب، لكنّ الهويّة الوطنية المشتركة هي صاحبة النسبة الأكبر في تكوين شخصيّته، كائناً من كان صاحبها ومن أي مدينة أو محافظة كان. وهذا ما يسمّى في علم المنهجيّة البنيويّة بالشموليّة التي تكون فيها البنية مكوّنة من مجموعة عناصر، لكلّ عنصر منها سمته الخاصّة، وتكون سمة البنيّة غير مجموع سمات عناصرها المركّبة منها، من خلال إعادة أنتاج تلك السمات في سمة كليّة جديدة ومختلفة. فالهوية السورية لها سمتها الخاصّة المتميّزة عن سمات عناصرها والجامعة لها في الوقت نفسه، أي أنّ الهويّة الوطنيّة هي الأخرى تستند على حاملين: التبادل والتكامل.
سويداء القلب السوريّة
ولقد كان لّكل مدينة طابعها الخاصّ، الذي يثري التنوّع السوري ويغني هويّتها. لكن هذا التنوّع هو دوماً فيه قابليّة للتكامل مثلما فيه قابليّة للتنافر، وهذا الأخير بعيد عن طبيعة هذا التنوّع ولا يحدث إلّا في الحالات غير الطبيعيّة المصطنعة، ولا سيّما في مجالات السياسة وصراعاتها ومشاكلها حين تخرج عن إطارها الأخلاقيّ والوطني. وقد حدث هذا في عدّة أزمات سياسيّة عرفتها البلاد. ويمكن الزعم أن السويداء عانت مراراً من هذه الخلل البنيويّ، عبر تاريخها المعاصر. وفي كلّ مرّة تكون تفاصيل السبب مختلفة عن الأخرى. وآخرها ما يجري في هذه الأيام من أزمة وطنيّة تعيشها هذه المدينة المعروفة بشهامة أهلها ونخوتهم وطبيعتهم الحياتيّة المدنيّة، بيد أن هناك أيادي خارجيّة، ولا سيّما أخطرها وأقذرها اليد الصهيونيّة، تسعى إلى تمزيق الهويّة الوطنيّة وتعطيل منظومتها البنيويّة، بغاية تفتيت هذا البلد وزعزعة استقراره وتغيير بنيته وكسر استقلاله واستثمار الروح الطائفيّة فيه وإثارتها وإشعال أوارها. هناك ظروف يراد منها تحويل سوريا إلى طوائف متناحرة متحاربة، وجعلها بؤرة توتّر وتفتيت للمنطقة كاملة من لبنان غرباً إلى العراق وإيران شرقاً إلى الخليج ومصر جنوباً وغرباً.
ولقد اعتمدت هذه الأيادي الخارجيّة علي استغلال الظروف السياسية لتكون السويداء محطّتها الثانية بعد أن كان الساحل محطتها الأولى، وسيكون المكوّن الكردي محطّتها القادمة.
وبغض النظر عن الأيادي والأسباب والعوامل والظروف التي يُسعى إلى تحريكها واستثمارها لهذه المخطّطات الجديدة، بغض النظر عن ذلك كلّه ولا حاجة للخوف منها، فنحن السوريّين قادرون على إبطال ما يُعمل لأجله، وذلك عبر إعادة تأهيل الهوية الوطنية والسعي نحو إيجاد المخرجات السياسية الوطنية التي تنقذ الدولة السورية وتحمي كيانها الاجتماعي من الضياع.
ثمّة مخطّط لكسر الحاملين اللذين يقوم عليهما وجود الشخصيّة السوريّة ووجود دولتها ومنظومتها البنيوية الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية، ومن ثمّ التاريخيّة والحضاريّة، وهما حاملا التبادل والتكامل اللذان تحدّثنا عنهما أعلاه. ولذلك فأمام السوريّين تحدّ كبير للانتباه إلى هذا المخطّط وكشف خباياه. وهذا لا يكون إلّا من خلال استحضار هذه الهويّة الوطنيّة الجامعة التي آمن أهلنا بها، وأسهم مَن سبقنا بتكوينها وترسيخ ثوابتها في تربة هذا الوطن، فجاء وقتها لتقوم بواجبها المنوط بها، وهذا لا يكون إلا بالرجوع إليها والتمسّك الصادق بها وجعلها دستور حياتنا ومرجع قوانيننا والحاكم في خلافاتنا.
نحن أمام مرحلة من أصعب مراحل التاريخ السوريّ، ولا نريد أن نكون مطيّة غيرنا لينفذ على ظهورنا دسائسه. ولا حلّ أمامنا إلا بإيماننا بهويتنا والثقة بها، والعمل سويّة من أجل بناء دولة ديمقراطية يسودها القانون وتحكمها ثوابتنا الأخلاقية.
لا أمام الشعب إلا الثقة بهويته ووطنيته، ولا أمام السلطة من حلّ إلا الثقة بشعبها وإقامة دولة العدل والقانون والمواطنة.