السوريون في ألمانيا: كفاءات ناضجة بلا اعتراف رسمي

0

إعداد: خالد المحمد

صمود الكفاءات السورية بين الغربة والاعتراف المفقود:

على مدى أكثر من عقد في ألمانيا، واجه السوريون الغربة واللغة والبيروقراطية لإثبات كفاءتهم في سوق عمل صارم. حملوا شهاداتهم وخبراتهم وطموحهم، وحققوا إنجازات ملموسة، لكن كثيرين اصطدموا بعائق جوهري: غياب الاعتراف الفعلي بخبراتهم، رغم إثباتهم العملي لكفاءتهم.

في هذا التحقيق، تحاور نينار برس سبعة سوريين من تخصصات هندسية وطبية وتعليمية ورقمية وضريبية، لكشف الفجوة بين الكفاءة والاعتراف، وتسليط الضوء على التمييز الصامت وضغوط الاندماج.

ويبقى السؤال الاستراتيجي مطروحًا:

كيف يمكن تحويل هذه الكفاءات إلى رصيد وطني بدعم مؤسسي منظم؟

صدمة الوصول وجدار الاندماج:

لم يكن الوصول إلى ألمانيا بداية جديدة بقدر ما كان صدمة قاسية. اصطدم السوريون منذ اللحظة الأولى بالبيروقراطية والعزلة وحاجز اللغة.

يروي أبو هشام، مهندس البرمجيات، أنه أمضى «سنة وشهرين في نُزل للاجئين بلا حياة ولا فرص عمل»، بينما يختصر علي دعاس المختص بمجال الطقس التجربة بقوله إن «غياب اللغة كان الحاجز الأكبر».

وتصف الأستاذة في جامعة حمص سابقًا عبير شهابي الطريق بأنه «طويل وشاق»، فيما تقول معلمة اللغة الإنجليزية أ رزان زبادنة وهي أم لثلاثة أطفال: «كان عليّ أن أتعلم الألمانية بسرعة كي أستمر».

هكذا تشكّلت اللغة والبيروقراطية كأول جدار في وجه الاندماج، فيما بقي إثبات الذات الدافع الأساسي لعبوره.

اللغة: اختبار الكفاءة لا مجرد أداة:

تحولت اللغة الألمانية إلى شرط قبول مهني وأحيانًا إلى أداة إقصاء غير معلنة.

يقول أبو هشام: «الزملاء لا يتحدثون إلا الألمانية»، ويؤكد الطبيب البيطري المثنى الفتحي أنه كان يدرس اللغة «يوميًا بعد العمل».

وتضيف رزان زبادنة: «المطلوب منا دائمًا أكثر من غيرنا»، بينما تقول معلمة المرحلة الابتدائية غادة أراكيل: «لم أستطع فهم النظام التعليمي أو تطوير لغتي رغم محاولاتي».

أصبحت اللغة ساحة اختبار يومي للجدارة المهنية والكرامة الإنسانية.

العمل المبكر: جهد مضاعف بلا اعتراف:

رغم ضعف اللغة وعدم الاعتراف بالشهادات، دخل معظم السوريين سوق العمل فور وصولهم.

يقول أبو هشام: «دخلت مباشرة إلى العمل»، ويشير علي دعاس إلى انتقاله للعمل الحر، فيما يروي المثنى الفتحي: «أول عمل لي كان في التنظيف».

لكن الكفاءة لم تضمن الاعتراف؛ إذ يقول أبو هشام: «إنجازاتي لا تحظى بالاهتمام نفسه»، وتضيف غادة أراكيل: «كنت أؤدي أعمالًا خارج مهامي»، بينما يؤكد المختص بالضرائب عبد الهادي أبو حرب: «تحملت مسؤوليات إضافية وأنجزت العمل بدقة».

التمييز الصامت والثمن النفسي:

حتى بعد الاعتراف القانوني بالشهادات، بقي التمييز حاضرًا بأشكال غير مباشرة.

تروي رزان زبادنة: «قيل لي: لماذا تتعبين نفسك وأنتِ محجبة؟»،.وتلفت غادة أراكيل إلى بُعد ثقافي للتمييز قائلة: «لم أنجح في الاختلاط بسبب ارتدائي الحجاب».

ويختصر المثنى الفتحي التجربة: «مهما وصلت، تبقى أجنبي… علمك ناقص».

أما أبو هشام فيقول: «نعيش ضغطًا نفسيًا دائمًا..ولاتوجد علاقات حقيقية »، ويضيف المثنى: «العمل يمنح المال، لكنه لا يمنح الاعتراف، والثمن النفسي كبير».

مسارات بديلة وابتكار قسري:

لتجاوز القيود، ابتكر السوريون مساراتهم الخاصة:

– علي دعاس أسس شركة تسويق رقمي.

– أبو هشام أطلق مشاريع تقنية مرتبطة بسوريا عن بُعد.

– المثنى اتجه إلى التجارة بدل ممارسة الطب.

– عبد الهادي أبو حرب عاد إلى التعليم المهني لضمان الاعتراف

ورغم الاستقرار النسبي، بقيت الرغبة في نقل الخبرة إلى سوريا حاضرة. تقول عبير شهابي: «إذا وُجدت مؤسسات معترف بها، يمكننا المساهمة فورًا».

العودة أم البقاء: قرار مشروط:

تتأرجح القرارات بين الرغبة في العودة ومتطلبات الاستقرار.

يقول عبد الهادي أبو حرب: «الرغبة موجودة، لكن الواقع صعب»، بينما ترى رزان زبادنة أن «فتح مدارس معترف بها قد يرفع نسبة العودة إلى 80 أو 90٪».

كفاءة بلا اعتراف:

العمل وفّر الأمان لكنه استنزف العمر. الكفاءة موجودة، لكن الاعتراف ناقص. النجاح فردي، والخسارة جماعية.

«هذه السنوات العشر استنزفت كل طاقتنا» – أبو هشام

«الإصرار والتعلم المستمر صنعا الفرق» – عبد الهادي أبو حرب

«الصبر وعدم الاستسلام رفيق دائم» – رزان زبادنة

قصص السوريين السبعة تكشف كفاءات ناضجة صنعت نفسها في المنفى، لكنها بلا مشروع وطني جامع. وقد أثبت السوريون في ألمانيا أن الكفاءة لا تُقاس بالشهادات فقط، بل بالإصرار والصمود.

يبقى السؤال مفتوحًا أمام الدولة السورية:

كيف يمكن تحويل هذه الطاقات الناضجة إلى مخزون وطني منظم يُستثمر لصالح الدولة والمجتمع، بدل أن تبقى خبرات مهدورة في الغربة؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني