
السكك الحديدية السورية ودورها في الربط الإقليمي: بوابة للتكامل الاقتصادي والجيوستراتيجي
لطالما مثّلت سوريا عقدة وصل بين آسيا وأوروبا، وممراً طبيعياً للتجارة والحركة بين المشرق والمغرب. فموقعها الجغرافي جعل منها صلة وصل حيوية بين الخليج وتركيا وأوروبا من جهة، وبين العراق ولبنان والمتوسط من جهة أخرى. وعلى مدى عقود، لعبت السكك الحديدية السورية دوراً محورياً في هذا الموقع الاستراتيجي، إذ كانت خطوطها تربط حلب ببغداد، ودمشق بعمان وبيروت، وتشكل جسراً برياً بين الموانئ السورية والعراقية والتركية. غير أن سنوات الحرب أدت إلى تدمير كبير لهذا القطاع الحيوي، فتعطلت حركة القطارات، وانقطع الربط الإقليمي، وضاعت على البلاد فرص اقتصادية هائلة.
اليوم، ومع بروز مساعي الإعمار وإعادة تشغيل الشبكة، تعود فكرة السكك الحديدية السورية كوسيلة للربط الإقليمي إلى الواجهة. فالمسألة لم تعد محصورة في إعادة بناء ما تهدم، بل في إعادة تعريف دور سوريا في معادلة النقل الإقليمي. فالقطارات يمكن أن تتحول من مجرد وسيلة داخلية إلى مشروع إقليمي ضخم يعزز التكامل الاقتصادي، ويعيد لسوريا موقعها كممر تجاري بين الشرق والغرب.
على الصعيد الاقتصادي، فإن إعادة ربط الشبكة السورية بالعراق والأردن وتركيا ولبنان سيعني خلق ممرات جديدة لتدفق البضائع والطاقة والركاب. فالمزارع العراقي يستطيع تصدير منتجاته الزراعية عبر موانئ طرطوس واللاذقية بأقل كلفة زمنية ومالية، والتجار الأتراك يمكنهم الوصول إلى أسواق الخليج عبر الأراضي السورية بكفاءة أعلى من النقل البحري الطويل. كما أن إعادة وصل سوريا بلبنان والأردن سيخلق شبكة تجارة إقليمية متكاملة، تعزز من تنافسية اقتصادات المنطقة، وتقلل من كلفة النقل التي تُعد اليوم واحدة من أكبر عوائق النمو.
أما من الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن مشاريع الربط السككي تتجاوز بعدها الاقتصادي لتصبح أداة لتعزيز الاستقرار الإقليمي. فالسكك الحديدية بطبيعتها مشاريع عابرة للحدود، تحتاج إلى تعاون سياسي وأمني مستمر، ما يجعلها وسيلة لبناء جسور الثقة بين الدول. إن إعادة تشغيل خط بغداد – حلب – اللاذقية مثلاً، أو خط دمشق – عمان – العقبة، لن يكون مجرد إنجاز هندسي، بل رسالة بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التعاون بدل الانقسام.
كذلك فإن وجود شبكة سكك حديدية عصرية ومتصلة إقليمياً سيضع سوريا في قلب مشاريع النقل الكبرى التي يجري الحديث عنها اليوم، مثل الممرات البرية بين الخليج وتركيا وأوروبا، أو الربط بين آسيا والمتوسط. في هذه الحالة، تصبح سوريا بوابة استراتيجية لا غنى عنها لأي مشروع تجاري أو لوجستي، وتتحول السكك الحديدية إلى رافعة لتعزيز مكانتها الجيو-اقتصادية. إضافة إلى ذلك، يمكن لهذا المشروع أن يفتح الباب أمام شراكات استثمارية دولية ضخمة، إذ ستسعى شركات النقل والبنى التحتية من أوروبا والصين والخليج إلى أن تكون جزءاً من هذه الشبكة الواعدة. وهذا بدوره يعني تدفق استثمارات جديدة، وتوفير آلاف فرص العمل، ونقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة إلى الداخل السوري.
إن إعادة إحياء السكك الحديدية السورية وربطها إقليمياً ليست مجرد خطوة تقنية أو اقتصادية، بل مشروع استراتيجي متعدد الأبعاد يعيد تعريف موقع سوريا في خرائط التجارة والسياسة والأمن والتنمية. فهي على المستوى الاقتصادي تُحوِّل البلاد إلى ممر ترانزيت رئيسي يختصر الزمن والكلفة بين الخليج وتركيا وأوروبا، وبين العراق والمتوسط، ويولّد إيرادات ثابتة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، ويحفّز قيام مناطق صناعية وموانئ جافة على عقد التقاطع السككي. وعلى المستوى السياسي، يخلق الربط عبر الحدود مصالح مشتركة متبادلة، ما يخفّض منسوب التوتر ويزيد كلفة القطيعة، ويجعل التعاون خياراً عقلانياً مستداماً. أما على المستوى الأمني، فيحوّل خطوط التماس إلى خطوط نقل، ويستبدل اقتصاد التهريب باقتصاد رسمي منظّم، ويربط الأطراف بمنظومات مراقبة وتشغيل موحّدة تقلّل المخاطر على البنية التحتية والركاب والبضائع. وفي البعد الاجتماعي، تعيد السكك وصل المدن بالريف، وتخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتُشعر الناس بعودة الإيقاع الطبيعي للحياة. بل إن للمشروع بعداً بيئياً واضحاً، إذ يدفع نحو نقل أكثر نظافة وكفاءة مقارنةً بالشاحنات، ويفتح الباب تدريجياً أمام كهربة المقاطع ذات الكثافة العالية وجذب تمويل مناخي ميسّر لمشاريع ترشيد استهلاك الطاقة وخفض استهلاك الوقود.
وما يجعل هذا المشروع قادراً على “تغيير قواعد اللعبة” هو أنه يتعامل مع سلسلة القيمة كاملة لا مع القضبان وحدها: توحيد معايير التشغيل والأوزان والمقاييس، إنشاء “نقطة عبور جمركية موحّدة” لتقليل زمن الحدود، اعتماد جداول عبور دولية وبوالص شحن عابرة، إقامة مراكز لوجستية وموانئ جافة متصلة بالمرافئ السورية واللبنانية والأردنية، وربط الشبكة بخطوط العراق وتركيا لتشكيل ممرات تجارية سريعة وموثوقة. بهذا يصبح القطار ليس فقط وسيلة نقل، بل منصة إنتاج وخدمات تضيف قيمة في كل محطة: تجميع، تبريد، تخزين، تخليص، وتأمين.
ولتحويل الرؤية إلى واقع، يلزم مسار تنفيذي واضح: بدءاً من التقييم الفني الشامل للأصول القائمة، وإزالة المخلّفات والألغام حيث لزم؛ مروراً بحوكمة حديثة بوجود منظم مستقل وتحديث الإطار القانوني للشراكات مع القطاع الخاص؛ وصولاً إلى إطلاق ممرات قصيرة رابحة سريعاً مثل حلب–اللاذقية ودمشق–عمّان ودير الزور–الحدود العراقية، ثم التوسع التدريجي. كما يشمل ذلك تحديث الإشارات والاتصالات والتحكم الرقمي، ووضع خطة متدرجة للكهربة في المقاطع ذات الكثافة العالية، وبرنامجاً وطنياً للتدريب وربط الجامعات والمعاهد بمراكز التشغيل والصيانة لضمان توطين الخبرة واستدامتها. أما التمويل، فيتطلب حشد سلة هجينة تشمل الاستثمارات الخليجية، والقروض التنموية الميسّرة، والتمويل المناخي لمشاريع خفض استهلاك الوقود والطاقة، مع رفع المحتوى المحلي لدعم سلاسل التوريد السورية.
عندئذٍ فقط يتجاوز القطار دوره كوسيلة انتقال إلى رمز لعودة النظام واليقين: جدول زمني دقيق بعد سنوات من العشوائية، تذكرة موحّدة بدل حواجز الانقسام، ومحطات تتحول إلى نقاط تلاقي للتجارة والعمل والخدمات. هكذا تتحول سوريا من بلد محاصر وممزق إلى عقدة مواصلات إقليمية، ومن ساحة أزمة إلى منصة تعاون، وتستعيد مكانتها الطبيعية في قلب الإقليم عبر مشروع عملي يدمج الاقتصاد بالسياسة بالمجتمع، ويحوّل ممرات الخطر إلى ممرات تبادل ونمو.