
الرأيّ العام.. والكارثة
أسئلة في الاقتصاد والدّولة بين سورية والعراق..
ما الذي تُخبرنا به التّجربة العراقيّة؟ عندما تُعلنُ الدّولة تبنّيها لاقتصاد السوق الحُرّ، فإنَّ السّؤال الجوهري لا يكون: مَنْ سَيَستَثمِر؟ بل: أيَّ اقتصادٍ نُريد، ولِصالِحِ مَنْ، وبأيِّ دَورٍ للدّولة؟
هل اقتصاد السّوق يعني انكفاء الدّولة إلى حدود الأمن فقط؟ أم يعني دولةً قويّة تُنَظّمُ السّوق، وتحمي التّوازن الاجتماعي، وتَتبَنّى قاعدة إنتاجيّة قادرة على الاستدامة؟
التّجربة القريبة أمامنا ليست نظريّة، بل واقعاً عاشتهُ دولةٌ مُجاورة (العراق).
بعد عام 2003، فُتِحَت الأسواق، وتدفّقت الأموال، ورُفِعَت شِعاراتُ الخصخصة واقتصاد السّوق.
لكن ما الذي حدث عمليّاً؟
جامعات تُخَرِّجُ عشرات الآلاف سنويّاً (مهندسين، أطباء، اختصاصيين، وإداريين)، يُقابلهم سوقٌ بلا مؤسسات إنتاجيّة حقيقيّة.
لم تُبنَ صناعة وطنيّة.. لم تُحمَ الزراعة.. لم تتشكّل منظومة إنتاج متكاملة.
وأصبح الاقتصاد اقتصاد استيراد، وليس اقتصاد عمل وقيمة مضافة.
في هذا الفراغ، لم تبقَ أمامَ الشباب سوى مسارات محدودة (الأمن، العسكرة، والتشكيلات المرتبطة بها).
ضُخَّت الموارد (الماليّة والبشريّة الشبابيّة) في أدوات القوّة.. بينما غابَ الاستثمار في أدواتِ التّنمية الإنتاجيّة المُستدامة.
فكانت الوظائِفُ والطّاقات موجودة.. لكن بلا اقتصاد، وبلا مُستقبل مُستدام.
وهنا يفرضُ السُّؤالُ نفسهُ اليوم في السِّياقِ السُّوري.. هل نُعيدُ إنتاج النموذجِ ذاتِه؟
لا خِلافَ على أنَّ الأمنَ والدِّفاع ضرورة وطنيّة.. وأنّهُ لا دولة بلا مؤسساتٍ أمنيّة فاعلة.
لك؛ هل يُمكن بناء دولةٍ حديثةٍ إذا أصبح الأمنُ هو القطاع المُنتِج الوحيد؟ وإذا غابت الزِّراعة والصِّناعة والسَّكن الشَّعبي عن سُلّمِ الأولويات؟
في بلدٍ مُدَمَّر، هل تكون الأولويّة لعقود استثماريّة طويلة الأجل في قِطاعاتٍ سياديّة خدميّة؟ أم لإعادة بناء هذه القِطاعات.. بوصفها ركيزة للنموِّ الاجتماعي والاقتصادي؟
ومن هنا يُصبحُ السُّؤالُ أدقّ وأوضح؛ إذا وُجِدَ دعمٌ تنمويٌّ سيادي، شفّافٌ، قابلٌ للرَّقابة، ومُخصَّصٌ لإعادةِ الإعمار والبُنيةِ التَّحتيّة (مستشفيات، مدارس، طرق، مرافق عامة، مشاريع إنتاجية..)
فلِماذا لا يُتَعامَلُ معهُ كفرصةٍ وطنيّة؟ هل المُشكلة في المال؟.. أم في الصِّيغة؟..
أم في تعارض هذا النّوعِ منَ الدّعمِ مع نماذج اقتصاديّة قائمة على خصخصةٍ سريعة (مُفبركة) قبل اكتمالِ بناء الدّولة؟
التجربة العراقيّة تُظهِرُ بوضوح؛ اقتصاد السُّوق بلا دولةٍ مُنتِجة.. لا يصنعُ تنمية، بل هشاشة.
إنَّ إعادة الإعمار ليست مُجرَّدَ مشاريع، بل خيارٌ اقتصادي وسيادي طويل الأمد.
هذه الأسئلة ليست اتِّهاماً، ولا مُزايدةً، بل دعوة لِمراجعةِ المسار قبل أن تُصبح كُلفَةُ التّصحيح أعلى بكثير.
فالدّولةُ لا تُبنى بالشِّعارات، ولا بالنِّياتِ الحسنة وحدها، بل بقراراتٍ اقتصاديّةٍ واضحة، تُوازِنُ بين السُّوقِ والدّولة..
وبين الاستثمار والتّنمِيَة، وبين الأمنِ والمُستقبل.