الحرب الإسرائيلية – الإيرانية وارتداداتها السياسية في الشرق الأوسط

0

تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق بين إسرائيل وإيران، خرج من حدود العمليات غير المباشرة والحروب بالوكالة، ليتخذ طابعاً أكثر علنية وتوسعاً، بما يشير إلى تحوّل استراتيجي في قواعد الاشتباك، ويطرح تساؤلات حاسمة حول مستقبل النظام الإقليمي، وخيارات الدول العربية في ظل هذه التحولات المتسارعة.

أولاً: جذور الحرب ومساراتها الحالية

ليست الحرب الإسرائيلية – الإيرانية حرباً طارئة، بل هي نتاج سنوات طويلة من التنافس الحاد على النفوذ في الإقليم. فمنذ الثورة (الإسلامية) في إيران عام 1979، تبنّت إيران خطاباً مناهضاً لإسرائيل وبدأت ببناء شبكة نفوذ إقليمية عبر “محور المقاومة” الذي يضم حزب الله في لبنان، وعدداً من الفصائل المسلحة في سوريا والعراق واليمن، وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديداً وجودياً يتطلب احتواءً دائماً.

في المقابل، اعتمدت إسرائيل استراتيجية الضربات الوقائية ضد أهداف إيرانية أو موالية لإيران في سوريا والعراق، لكنها كانت حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. إلا أن التطورات الأخيرة ” والتي شملت هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى انطلقت من إيران نحو أهداف إسرائيلية، وردوداً إسرائيلية قاسية داخل العمق الإيراني ” تشير إلى تصاعد غير مسبوق في المواجهة، وقدرة كلا الطرفين على كسر الخطوط الحمراء السابقة.

ثانياً: الارتدادات السياسية على الإقليم

الاشتباك بين طهران وتل أبيب يتجاوز كونه صراعاً ثنائياً، فهو يعكس تنافساً على صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية والدولية. فعلى المدى القريب، من المرجح أن:

1- تُستنزف إيران عسكرياً واقتصادياً، مما يضعف من قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وخاصة في العراق ولبنان واليمن.

2- تعيد إسرائيل النظر في أولوياتها الأمنية، إذ لم تعد المواجهة مع الفلسطينيين تمثل التحدي الوحيد، بل أصبحت إيران مصدر تهديد وجودي مباشر.

3- تتسارع وتيرة الاصطفافات الإقليمية، بين معسكرات ترى في إيران تهديداً وجودياً (إسرائيل، السعودية، بعض دول الخليج وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد)، وأخرى توازن بين الطرفين أو تنخرط مع طهران بحذر (العراق، قطر، باكستان).

4- تتزايد احتمالات تدخل دولي مباشر أو غير مباشر، في ظل مخاوف أمريكية وأوروبية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع تُهدد إمدادات الطاقة والأمن العالمي.

ثالثاً: المشروع العربي الغائب.. والفرصة المتاحة التي يجب اغتنامها

وسط هذا المشهد المشتعل، تبرز فرصة تاريخية للدول العربية، لا سيما الخليجية منها، للعب دور فاعل في رسم مستقبل المنطقة، وتجاوز حالة التشرذم والانكفاء. وقد آن الأوان لإحياء مشروع عربي جامع، قادر على تقديم بديل استراتيجي يضمن الاستقرار الإقليمي ويؤمّن مصالح الشعوب العربية، بعيداً عن التبعية لإيران أو الارتهان لإسرائيل.

لكن قيادة هذا المشروع لا يمكن أن تكون إلا في يد دولة تمتلك القدرات الاقتصادية، والنفوذ الدبلوماسي، والشرعية السياسية في العالم العربي. وهنا تتجه الأنظار إلى المملكة العربية السعودية، بوصفها الدولة الوحيدة المؤهلة حالياً للقيام بهذا الدور القيادي، لأسباب عدة:

1- قوة اقتصادية صاعدة: السعودية تشهد نهضة تنموية غير مسبوقة في إطار رؤية 2030، تجعلها قادرة على تمويل مشاريع إقليمية وإعادة الإعمار في الدول المتضررة من النزاعات.

2- شرعية دينية وسياسية: بصفتها حاضنة الحرمين الشريفين، ومركز الثقل العربي والإسلامي، تمتلك المملكة شرعية رمزية لا يمكن تجاوزها.

3- استقلال القرار السياسي: لم تعد الرياض تتحرك ضمن حسابات الآخرين، بل أصبحت ترسم مساراتها بشكل مستقل، وتوازن بين علاقتها بواشنطن وموسكو وبكين.

4- دور محوري في أمن الخليج: ما يجعلها محوراً لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية جديدة بعد الحرب الإسرائيلية – الإيرانية.

وفي المقابل، وعلى الرغم من كفاءة مصر السياسية والدبلوماسية، إلا أن وضعها الاقتصادي المتأزم حال دون قدرتها على استعادة دورها التقليدي كقائدة للنظام العربي، وهو ما يجعل من المنطقي أن تتولى السعودية زمام المبادرة، مع التنسيق الوثيق مع القاهرة، وباقي العواصم العربية الكبرى كدمشق والرباط.

رابعاً: ملامح المشروع العربي المطلوب

لكي يكون المشروع العربي ذا فاعلية حقيقية، يجب أن يركز على العناصر التالية:

إنشاء تكتل سياسي – اقتصادي عربي جديد، يبدأ من دول الخليج ومصر وسوريا والأردن والمغرب، وينفتح تدريجياً على العراق بعد إسقاط نظامه الحالي التابع لإيران ولبنان بعد تسويات داخلية.

إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي، ليشمل الدفاع المشترك، والتصدي للمليشيات العابرة للحدود، ومواجهة التدخلات الأجنبية.

استثمار الحرب الإسرائيلية – الإيرانية لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، والعمل على إطفاء بؤر التوتر في اليمن وليبيا والسودان عبر حلول عربية خالصة.

الاستثمار في الإعلام والفكر والثقافة العربية، لتحصين المجتمعات ضد الخطابات الطائفية والتدخلات الخارجية.

ختاماً، أرى أنه لا وقت للانتظار، إن الحرب الإسرائيلية – الإيرانية ليست مأساة فحسب، بل فرصة، إذا ما أحسن العرب قراءتها. فكما أدت حرب الخليج إلى ولادة مجلس التعاون، يمكن أن تؤدي الحرب الحالية إلى انبثاق مشروع عربي جديد أكثر نضجاً ووعياً، بقيادة سعودية رشيدة، تُعيد للعرب صوتهم ومكانتهم في عالم مضطرب. المطلوب فقط قرار جريء، وإرادة موحّدة، وإيمان بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني