الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية ضد إيران: الدوافع الاستراتيجية وإشكالية “الشرق الأوسط الجديد”

0

تُعدّ العلاقة المتوترة بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أحد أبرز محاور الصراع في الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وغالباً ما يُختزل هذا التوتر في ملفي البرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية، غير أن القراءة الجيوسياسية الأوسع تشير إلى أبعاد أعمق تتصل بإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وبمشروع أوسع يُشار إليه في الأدبيات السياسية بـ “الشرق الأوسط الجديد”.

من الناحية المعلنة، تبرر واشنطن وتل أبيب سياساتهما تجاه طهران باعتبارها استجابة لتهديد أمني مباشر. فإيران، منذ انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، عادت إلى توسيع أنشطتها النووية، ما عزز المخاوف الإسرائيلية من اقترابها من “عتبة القدرة النووية”. كما أن شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي، الممتدة عبر العراق وسورية (قبل سقوط نظام الأسد) ولبنان واليمن، تُعدّ في المنظور الإسرائيلي تهديداً متعدد الجبهات.

غير أن حصر الصراع في البعد النووي يغفل ديناميات أوسع. فإيران تمثل نموذجاً لدولة إقليمية تسعى إلى بناء استقلال استراتيجي عن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وهي بذلك تتحدى نمط الهيمنة الأمريكية الذي ترسخ بعد نهاية الحرب الباردة. ومن هذا المنظور، فإن الضغط الأمريكي – الإسرائيلي على إيران لا يهدف فقط إلى تحجيم قدراتها العسكرية، بل إلى إعادة إدماجها في منظومة إقليمية تخضع لتوازنات تُدار من واشنطن، وتتمتع فيها إسرائيل بتفوق نوعي دائم.

يُفهم مشروع “الشرق الأوسط الجديد” في هذا السياق بوصفه إعادة هندسة للبيئة السياسية والأمنية في المنطقة، عبر مسارات متعددة: التطبيع العربي – الإسرائيلي، إعادة ترتيب التحالفات، وتقليص أدوار القوى المناوئة. وقد تجلّى أحد أوجه هذا المسار في “اتفاقات أبراهام” التي رعتها واشنطن، والتي عززت اندماج إسرائيل في محيطها العربي دون حلّ جذري للقضية الفلسطينية. في هذا الإطار، تُعدّ إيران العائق الأكبر أمام تكريس هذا النظام الإقليمي، نظراً لخطابها المناهض لإسرائيل ودعمها لفصائل مسلحة تعارضها.

تاريخياً، اعتمدت إسرائيل في عقيدتها الأمنية على مفهوم “الردع الوقائي” ونقل المعركة إلى خارج حدودها. ومن هذا المنطلق، فإن إبقاء إيران في حالة استنزاف دائم – سياسياً واقتصادياً وأمنياً – يُعدّ جزءاً من استراتيجية أوسع لمنع تشكل تهديد متكافئ. إلا أن هذا النهج يثير سؤالاً محورياً: هل تحتاج إسرائيل إلى “عدو دائم” لتبرير سياساتها الأمنية والتوسعية؟

إسرائيل “لا تستطيع العيش دون عدو” هذا طرح واقعي يرى أن استمرار التهديد الخارجي يسهم في توحيد الداخل الإسرائيلي وتبرير سياسات عسكرية وأمنية مشددة. غير أن هذا الطرح يحتاج إلى تدقيق، إذ إن بنية الصراع في المنطقة، وتداخل الهويات والحدود، تجعل من الصعب تصور نظام أمني مستقر دون معالجة جذور النزاعات، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والتنافس الإقليمي على النفوذ.

السؤال المُلح “من التالي بعد إيران؟”، يرتبط بمآلات التوازن الإقليمي. فإذا جرى تحييد إيران أو إضعافها بشكل جذري، فقد تنتقل بؤرة التنافس إلى قوى إقليمية أخرى تسعى إلى لعب دور قيادي (مثل تركيا أو مصر)، أو قد يتجه النظام الإقليمي نحو حالة من الفراغ الاستراتيجي تعيد إنتاج صراعات جديدة.

في المحصلة، لا يمكن فهم أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بمعزل عن مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالملف النووي ليس سوى أحد عناوين صراع أعمق يتعلق بالهيمنة، والهوية، وتوزيع القوة في منطقة لا تزال في طور التشكل منذ نهاية القرن العشرين.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني