الجزيرة السورية بين العودة للتعايش وهيمنة الأمر الواقع
الجزيرة السورية الاسم الاقتصادي الذي عرفت به محافظة الحسكة منذ تنصيبها في ثلاثينيات القرن الماضي نسبة لخيراتها الزراعية الوفيرة، والتي تعتبر خزّان سوريا من منتجات الحبوب والأقطان ذات الجودة العالية، واستكملت قوتها الاقتصادية باكتشاف البترول والغاز منذ ستينيات القرن الماضي، لتجعل منها المحافظة الأولى في سوريا التي تدعم الاقتصاد الوطني.
التركيبة الاجتماعية لمحافظة الحسكة
تعتبر محافظة الجزيرة النموذج الجميل لتعايش المكونات السورية الدينية والقومية والإثنية والحضارية والعشائرية، فهي أرض الحضارات التاريخية التي تركت بصماتها على الأرض، ومازال كثير من سكانها يحملون اسم تلك الحضارات كمكونات ضاربة جذورها في المنطقة كالآشوريين والآراميين وغيرهم.
كما أن أرضها الطيّبة استقبلت هجرات عديدة، وخاصة الشعوب التي استجارت بها مثل الأرمن والشركس والأكراد غير السوريين. (لأن هناك قبائل كردية من أبناء المناطق الأصلية)، إضافة إلى القبائل العربية المنتشرة في ربوعها منذ هيمنة الإمبراطوريات الفارسية والرومانية، كقبيلتي المناذرة والغساسنة وغيرها.
كما انتشرت فيها القبائل العربية التي انتشرت من العراق مروراً بسوريا والأردن إلى الصحراء العربية، كعشائر الجبور وشمّر والبكارة.
فقد كانت هذه الأرض الطيبة نموذجاً للتعايش بين كل هذه المكونات. بل فتحت ذراعيها لكلّ السوريين الراغبين بالعيش في ظهرانيها وقد استقرت آلاف العائلات من كل محافظات القطر فيها وخاصة في حواضر المدن، الحسكة والقامشلي ورأس العين والمالكية وعامودا ومؤخراً الشدّادي.
تعيش هذه المحافظة اليوم وضعاً متوتراً خلّفه النظام البائد بلعبته القذرة على حبال الطائفية والإثنية والعشائرية، وإن محاولات التفرد بمصيرها ومستقبلها من خلال فرض سياسة الأمر الواقع، وخطف قرار أهالي المنطقة من قبل قوى الأمر الواقع المهيمنة عسكرياً، وردود أفعال بعض القوى الأخرى، التي تحاول نهج نفس الأسلوب بخطف القوى المتطرفة لقرار مكوناتها.
إن السياسة التي تتبناها بعض قوات سوريا الديمقراطية “قسد” لتقرير طبيعة الحكم، مثل اللامركزية السياسية، دون استشارة مكونات المنطقة الأصليين وفي مقدمتهم السريان والعرب، الذين يشكلون أغلبية سكان المنطقة، لا تمثّل إرادة مكونات المنطقة، والمشاركة في تقرير مصيرها في جو ديمقراطي حر، يتيح لهذه المكونات وفي مقدمتهم المكوّن الكردي غير المتحزّب بالمشاركة الفعلية بتقرير مصير المنطقة.
لذلك لابدّ من التحاق هذه المحافظة بحضن الدولة السورية، ضمن حكم يؤكد على اللامركزية الإدارية والخدمة من خلال دولة المواطنة، التي تحفظ حقوق جميع المكونات ومشاركتها في كل مفاصل الدولة والسلطة، على أساس المواطنة المتساوية، التي تحفظ حقوق جميع المكونات الثقافية والتعليمية والنشاطات السياسية والمدنية ضمن إطار الدولة الواحدة الموحدة.