الاقتتال السوري – السوري نزاع الهويات أم انتحار الوطن؟

0

حين يصبح السلاح وسيلة التعبير الوحيدة بين مكونات مجتمع واحد، تتحوّل الأرض من فضاء للوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويُراق الدم لا دفاعاً عن فكرة جامعة، بل كوسيلة لتأكيد الانتماءات الضيقة. عندها لا يكون الاقتتال بين السوريين – تحت أي يافطة طائفية أو عشائرية – مجرد حدث عابر، بل إنذار خطير بانهيار العقد الوطني، وتشكيك عميق في إمكانية بناء مستقبل مشترك يجمعهم على أرض واحدة.

ما يجري اليوم في السويداء، أو في غيرها من المناطق السورية، ليس اشتباكاً محلياً محدود الأثر، بل علامة واضحة على انحدار خطير في مفهوم الدولة، وفي قدرتها على الحفاظ على وحدة المجتمع.

نحن نواجه مرحلة هي من أخطر ما مرت به سوريا منذ بداية المحنة، مرحلة تتسابق فيها قوى داخلية وخارجية لتفكيك ما تبقى من النسيج الوطني، عبر استدعاء العصبيات وتحريك الهويات المغلقة، ودفع البلاد نحو الفوضى، في وقتٍ تبدو فيه الدولة عاجزة عن ممارسة دورها الضامن، ويتراجع الحسّ الوطني أمام مشاعر الخوف والشك وانعدام الثقة.

الطائفية: قيدٌ صُنع بعناية

لم تكن الطائفية في السياق السوري ظاهرة اجتماعية تلقائية، بل صُنعت بعناية عبر عقود طويلة من الإدارة السلطوية، حين اختار النظام البائد أن يُدير الدولة من خلال شبكة الولاءات الضيقة، لا من خلال المؤسسات الوطنية الجامعة. فتم استدعاء الطائفة وتضخيم حضورها كوسيلة للضبط، وأُضعفت مفاهيم المواطنة والتعددية، حتى باتت الهويات الفرعية أداة حكم لا مجرّد مكونات ثقافية.

غير أن هذا القيد، الذي صُمّم لضمان السيطرة، بدأ مع الزمن يتحوّل إلى مأزق وجودي يعيق إعادة بناء الوطن.

فمع ما خلّفته الحروب والانقسامات من إنهاك شامل في مؤسسات الدولة وتراجع في قدرتها على ضمان الأمن والعدالة، بدأ كثير من الأفراد يشعرون بالخوف والضياع، فدفعهم ذلك – غالباً دون وعي – إلى الاحتماء بطوائفهم، بحثاً عن الأمان والانتماء، لا بدافع الإيمان الطائفي، بل كاستجابة دفاعية في مواجهة الفراغ الوطني. وهنا تعود الطائفية لا بوصفها مشروعاً سياسياً مقصوداً، بل كاستجابة اجتماعية مضللة. يُنتجها غياب الثقة وندرة الأمان، في زمن تتعطّش فيه سوريا إلى إعادة ترميم عقدها الوطني، لا إلى العودة للانغلاق الطائفي.

الفوضى المنظمة

السؤال الأهم ليس: “لماذا يقتتل السوريون؟” بل: “من يريد لهم أن يستمروا في الاقتتال؟”

فحالة التفكك التي نشهدها ليست تلقائية. هناك مؤشرات عديدة على أن بعض النزاعات تُترك لتشتعل عمداً، وبعضها يُدار بصمت، وبعضها يُؤجج بتواطؤ سلطوي، كي يُمنح كل طرف ما يكفي من التهديد الوجودي ليحتمي بسلاحه وهويته.

بهذا المعنى، يبدو أن الاقتتال السوري – السوري صار وظيفة سياسية تُبقي الأطراف منشغلة بصراعاتها الصغيرة، وتمنع أي مشروع وطني من التشكل.

ميليشيات خارج السيطرة

ما يزيد الوضع خطراً، أن ثمة قوى مسلّحة تعمل خارج نطاق الدولة، بلا قيادة واضحة، وبلا مشروع وطني جامع. هذه الميليشيات، التي تُنفذ أجندات متناقضة، هي أكبر خطر على فكرة سوريا الواحدة. لا لأنها قوية بذاتها، بل لأنها تُضعف الشعور الجمعي بالعدالة، وتحوّل الفضاء العام إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف لا تؤمن إلا بالقوة.

وما جرى في السويداء هو أوضح دليل على ذلك، فلم يكن تحركاً مؤسساتياً منظماً، بل انفجاراً شعبوياً سبّبه التلاعب والتحريض المدروس.

والأخطر: أن الطرف الآخر – المدرك لنهايته – بدأ يلعب على الدم والفتنة ليؤخر سقوطه، ولو على أنقاض وطن كامل.

غياب الرؤية الوطنية

إنّ من يكرّر شعارات الانغلاق الطائفي، كـ “بني معروف” أو “بني أمية”، لا يفعل سوى ترسيخ القطيعة بين مكونات المجتمع السوري.

هؤلاء لا يرون في الوطن سوى محيط يخدم جماعتهم، ويستجدون الخارج لمحاربة “أخٍ سوريّ” يختلف عنهم في الطائفة أو التوجه.

وهنا تكمن الكارثة: أن يُستبدل مفهوم “الدولة الجامعة” بمنطق “الملاذ الطائفي”، فتصبح كل جماعة جزيرة مغلقة، لا ترى في الأرض سوى حدود خوفها.

وطن بلا وصايات

في النهاية نحن نعيش في لحظة مفصلية، فإما أن نتصرف بعقل ومسؤولية، وننتج مشروعاً وطنياً جاداً، لا تحركه النزاعات المموّلة… أو نبقى أسرى “ردود الفعل”، إلى أن ننزف ما تبقّى من هذا الوطن.

سوريا واحدة؟ نعم. لكنّ وحدتها لا تُبنى بالشعارات، تُبنى بالوعي، بالعدالة، وبالقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها دون تردد:

– نعم، الدولة تتحمل مسؤولية ما حدث.

– نعم، هناك ميليشيات خارج السيطرة.

– نعم، هناك فوضى تُدار من الداخل والخارج.

– ونعم، يمكن إنقاذ الوطن… إن كنّا نملك الشجاعة لنواجه الحقيقة، بدل الهروب منها.

الاقتتال السوري ليس صدفة، بل نتيجة منطقية لانهيار العقد الاجتماعي، وإذا لم تُنتج سوريا الجديدة مشروعاً يواجه هذه الطائفية العميقة بصدق وجدية واستراتيجيات ذكية، فإن الجغرافيا ستبقى موحّدة على الخريطة، لكنها ممزقة في الوجدان.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني