
الاتفاق السوري – الإسرائيلي في باريس: بين الواقعية السياسية وحدود الممكن
لم يكن اللقاء السوري – الإسرائيلي الذي عُقد برعاية أميركية في فرنسا خلال الأسبوع الماضي حدثاً عابراً، ولا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً دبلوماسياً هامشياً في مشهد إقليمي شديد التعقيد. فمجرد جلوس الطرفين، ولو عبر وساطة، على طاولة واحدة بعد عقود من العداء المعلن والصراع غير المباشر، يعكس تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية، وفي مقاربة الأطراف الدولية لملف طالما عُدّ من “المستحيلات السياسية”.
الاتفاق الذي أُعلن عنه، أو بالأحرى “التفاهم المبدئي”، لا يرقى إلى مستوى معاهدة سلام ولا حتى إلى تطبيع رسمي، لكنه في الوقت ذاته يتجاوز من حيث الدلالة السياسية مجرد إجراءات لخفض التصعيد. نحن أمام محاولة مدروسة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، في لحظة إقليمية تتسم بالإرهاق العسكري، والضغط الاقتصادي، وتبدل الأولويات الدولية.
أولاً: لماذا الآن؟
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: لماذا الآن تحديداً؟
الإجابة لا تكمن في رغبة مفاجئة بالسلام، بل في تقاطع مصالح مؤقتة بين أطراف متعددة.
سوريا، الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والعزلة السياسية، تبحث عن كسر الطوق، أو على الأقل تخفيف حدته. أي نافذة سياسية، حتى وإن كانت أمنية الطابع، تُعد فرصة لإعادة التموضع إقليمياً والدخول في مسارات تفاوضية أوسع قد تفضي لاحقاً إلى مكاسب اقتصادية أو سياسية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الساحة السورية من زاوية أمنية بحتة. هاجسها الأساسي يتمثل في منع أي تموضع عسكري معادٍ قرب حدودها الشمالية، وضمان أن تبقى الجبهة السورية “هادئة ويمكن التنبؤ بها”. ومن هذا المنطلق، فإن اتفاقاً يضبط السلوك الأمني السوري، ولو ضمنياً، يُعد مكسباً استراتيجياً دون دفع أثمان سياسية كبرى.
أما الولايات المتحدة، فهي اللاعب الأكثر وضوحاً في هذا المشهد. واشنطن تسعى إلى إعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط بأدوات أقل كلفة، عبر الدبلوماسية والوساطات، بدل الانخراط العسكري المباشر. رعاية اتفاق من هذا النوع يمنحها دور “الضامن” ويعيد تثبيت حضورها السياسي في منطقة تشهد منافسة متزايدة من قوى دولية أخرى.
ثانياً: طبيعة الاتفاق وحدوده
بحسب ما رشح من معلومات، يتركز الاتفاق على إنشاء آلية تواصل أو تنسيق أمني، هدفها خفض التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة. هذا يعني أن جوهر التفاهم أمني تقني، وليس سياسياً استراتيجياً.
لا يتضمن الاتفاق اعترافاً متبادلاً، ولا حلاً لقضايا جوهرية مثل الجولان المحتل، ولا حتى التزاماً إسرائيلياً واضحاً بالانسحاب من أي مواقع متنازع عليها. في المقابل، لم تقدم دمشق تنازلات سياسية معلنة تمس ثوابتها المعلنة.
هنا تكمن حدود الاتفاق:
هو اتفاق لإدارة الصراع، لا لحلّه. اتفاق لتجميده مؤقتاً، لا لإنهائه.
وهذا بحد ذاته يطرح تساؤلاً مهماً: هل نحن أمام خطوة أولى في مسار طويل، أم أمام ترتيبات ظرفية قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي؟
ثالثاً: الرأي العام والمفارقة السورية
أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف هو رد فعل الشارع السوري. ففكرة التفاوض مع إسرائيل، حتى وإن كانت غير مباشرة، ما تزال محاطة بحساسية تاريخية وشعورية عميقة. سنوات الصراع العربي–الإسرائيلي، والجولان المحتل، والخطاب القومي، كلها عوامل تجعل أي تقارب يبدو لبعضهم تنازلاً، ولبعضهم الآخر ضرورة واقعية.
لكن المفارقة تكمن في أن المزاج الشعبي اليوم لم يعد أحادياً. هناك شريحة ترى أن الأولوية هي الاستقرار ووقف الاستنزاف، حتى لو جاء ذلك عبر مسارات غير تقليدية. وفي المقابل، لا تزال شريحة واسعة تنظر بريبة إلى أي اتفاق لا يتضمن استعادة الحقوق كاملة.
هذا الانقسام يعكس حالة التعب العام، لكنه في الوقت ذاته يضع صانعي القرار أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تحقيق مكاسب سياسية دون خسارة الرصيد الرمزي؟
رابعاً: هل هو تطبيع مقنّع؟
رغم أن الاتفاق لا يُصنّف رسمياً كتطبيع، إلا أن منتقديه يرون فيه خطوة تمهيدية على هذا الطريق. فالتنسيق الأمني، تاريخياً، كان غالباً المدخل الأول لتوسيع العلاقات لاحقاً، سواء في مصر أو الأردن أو حتى في تجارب أخرى حديثة في المنطقة.
غير أن الحالة السورية تختلف. التطبيع الكامل يتطلب شروطاً سياسية داخلية وإقليمية غير متوفرة حالياً، أبرزها ملف الجولان، والعقوبات، وإعادة الإعمار. لذلك يمكن القول إن ما يجري هو “تطبيع وظيفي محدود”، محكوم بسقوف واضحة لا يسمح بتجاوزها في المرحلة الراهنة.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار هذا الاتفاق:
الاستمرار والتوسع التدريجي:
حيث يتحول التفاهم الأمني إلى منصة لحوارات سياسية أوسع، وربما خطوات اقتصادية محدودة لاحقاً.
الجمود الوظيفي:
يبقى الاتفاق قائماً كآلية تقنية لخفض التصعيد دون أي تطور سياسي حقيقي.
الانهيار السريع:
في حال تغيرت المعادلات الإقليمية، أو وقع تصعيد ميداني كبير يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
الاتفاق السوري – الإسرائيلي في فرنسا ليس حدثاً عادياً، لكنه أيضاً ليس اختراقاً تاريخياً. هو تعبير عن واقعية سياسية فرضتها الظروف، أكثر مما هو نتاج قناعة أيديولوجية بالسلام. نجاحه أو فشله لن يتحدد بما كُتب في محاضر الاجتماعات، بل بما سيجري على الأرض خلال الأشهر المقبلة.
في السياسة، أحياناً لا تكون الخطوات الصغيرة أقل خطورة من القرارات الكبرى. وهذا الاتفاق، بكل ما يحمله من غموض، يفتح باباً كان مغلقاً، دون أن يضمن ما الذي سيخرج منه.