
الإعلام السوري بعد الأسد: حرية أم استبداد مُعاد تدويره؟
شهدت سوريا نقطة تحول تاريخية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ما فتح صفحة جديدة في مشهدها السياسي والاجتماعي. ووسط هذا التحول الجذري، أصبح الإعلام ساحة تنازُع بين الإرث القديم لخطاب النظام السابق، ومحاولات نشطة لبناء فضاء إعلامي يعكس واقعاً أكثر شفافية وحرية. هذا المقال يستعرض نقدياً أداء الإعلام السوري خلال هذه المرحلة، مع التركيز على الفجوات بين الخطاب الرسمي والتغطيات المستقلة، ودور الإعلام الحر في دعم الانتقال الديمقراطي الفعلي.
الإعلام الرسمي: تكرار الماضي في ثوب جديد
في هذا السياق، تحولت وسائل الإعلام إلى أحد أبرز ساحات الصراع. فالإعلام الرسمي، الذي كان لأكثر من عشرين عاماً أداة مركزية في ترسيخ خطاب النظام، وجد نفسه مضطراً إلى إعادة تشكيل رسالته ومحاولة الحفاظ على تأثيره. لكن الإرث الثقيل للرقابة والرقابة الذاتية وغياب الشفافية بقي واضحاً في الخطاب الإعلامي الجديد، الذي استمر في تكرار شعارات الوحدة الوطنية وإعادة بناء الدولة، مع التركيز على التغطية الرمزية للمشاريع الحكومية، مثل إعادة افتتاح المباني الرسمية وتنظيم الفعاليات الاحتفالية، مع تجاهل واضح للقضايا الميدانية التي يعاني منها المواطنون، من العنف المستمر، والصراعات المحلية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. وتشير تحليلات كمية إلى أن نحو 75% من تغطيات القنوات الرسمية خلال الأشهر الستة الأخيرة انحصرت في هذه الفعاليات الرمزية، بينما لم تنشر سوى 12 تحقيقاً عن الفساد، ولم تجرِ أي مقابلة مع معارضين أو أصوات مستقلة. هذا يعكس استمرار هيمنة الثقافة الرقابية والرقابة الذاتية، وعدم الاستعداد الحقيقي لفتح نقاش مجتمعي صادق حول التحديات العميقة.
الصحافة المستقلة: صوت الحقيقة في مواجهة التحديات
في المقابل، برز إعلام مستقل وناشطون يحملون رؤى مختلفة، ساعين إلى تقديم سرديات أكثر قرباً من الواقع، من خلال توثيق الانتهاكات، وكشف الفساد، ومتابعة الأوضاع الأمنية والإنسانية في المناطق المختلفة.
وهنا يجدر التأكيد أن الإعلام الحقيقي هو الإعلام الذي يلتزم بمبادئ الصدق، والاستقلالية، والحياد، فيكشف الحقائق بلا تزييف أو تلاعب، ويعطي الأولوية لمصلحة المجتمع على حساب الأجندات السياسية أو الشخصية. ولا يكتفي بمجرد نقل الأخبار، بل يراقب السلطة، ويفضح الفساد، ويدافع عن حقوق الناس وكرامتهم. في المقابل، يفتقر الإعلام الرسمي السوري لهذا المفهوم، إذ كان، وما زال، أداة تسويق للسلطة أكثر من كونه مرآة حقيقية للواقع.
لكن الإعلام المستقل يواجه تحديات جسيمة، منها الضغوط الأمنية والتهديدات المباشرة وفق تقرير “مراسلون بلا حدود لعام 2025 “، وقلة التمويل، ونقص المعدات التقنية والتدريب، ما أثر على قدرتهم في توصيل المعلومات بدقة وفعالية. ومع ذلك، استمروا في لعب دور حيوي كمصدر بديل ومكمل للرواية الرسمية، محاولين إشراك الجمهور في فهم أعمق وأشمل للواقع السوري بعد الثورة.
تحديات بنيوية عميقة
الانتقال الإعلامي الذي تشهده سوريا اليوم لا يخلو من تحديات بنيوية، إذ إن تحسين أداء الإعلام المستقل يحتاج إلى إصدار قانون إعلامي جديد يضمن الحريات الأساسية، وإلى آليات تمويل مستقرة ومستدامة بعيداً عن التأثيرات السياسية، فضلاً عن توفير حماية قانونية حقيقية للصحفيين، وتطوير مهاراتهم المهنية من خلال برامج تدريب متخصصة في التحقق من الأخبار، والتوثيق الرقمي، والسلامة في مناطق النزاع. كما يتطلب الأمر دعم البنية التحتية التقنية بتوفير أدوات أمن رقمي وحلول تواصل آمنة، ويُعد بناء شراكات مع مؤسسات إعلامية دولية خطوة أساسية لتعزيز قدرة الإعلام المستقل على الوصول إلى جمهور أوسع، وكسب ثقة أكبر في الداخل والخارج.
ختاماً، رغم أن سقوط النظام قد أنهى مرحلة ظلت فيها حرية الإعلام شبه معدومة، ورغم التحسن النسبي، إلا أن المشهد الإعلامي السوري لا يزال يعاني من: هشاشة البنية التحتية، وغياب الحماية القانونية، واستمرار تأثير الأجندات الخارجية. إن سوريا تواجه الآن حالة من الاضطراب الإعلامي المتشابك، حيث تتصارع الروايات الرسمية المدعومة من الدولة مع روايات الإعلام المستقل الذي يسعى إلى كشف الحقيقة. وفي ظل هذه البيئة المتقلبة، يبقى دعم الإعلام المستقل واحداً من الركائز الأساسية لبناء دولة القانون وتعزيز الشفافية والمساءلة، بما يهيئ البيئة المناسبة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية في سوريا الجديدة.