اتفاق السويداء بين الأمل والفشل

0

شهدت محافظة السويداء أخيراً تصعيداً عسكرياً بين ميليشيات “حكمت الهجري” وقوات الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية، انتهى باتفاقٍ تم التوصل إليه بين الأخيرة وأهالي المحافظة. سقف بنود هذا الاتفاق بقي غامضاً إعلامياً، وثار حوله جدل واسع، لا سيما ما يتعلق بإخراج البدو من السويداء وإدخال المساعدات الإنسانية إلى المنطقة، إلى جانب غموض مصير مؤسسات الدولة لاحقاً. في هذا المقال، أحاول تفكيك هذا الاتفاق من كافة جوانبه، وتقييم مدى صموده، وقدرة الحكومة على إعادة بسط سيطرتها، وتحديد الخاسرين والمعرقلين المحتملين.

1- خلفية الأحداث

على وقع الصِدام بين البدو وميليشات الهجري والتوتر الأمني، انخرطت ميليشيات الهجري في اشتباكات مسلحة مع وحدات الدفاع المحلية خلال الأيام الماضية، ما أدّى إلى وقوع ضحايا وأضرار في البنية التحتية. استجابةً لهذه الأزمة، ضغطت قوات العشائر والقوى السياسية الديمقراطية وأبناء السويداء لإبرام تفاهم مع الحكومة الانتقالية لوقف الاشتباكات، وفتح ممرّات إنسانية.

2- بنود الاتفاق المعلنة

• إخراج البدو من مناطق النزاع في السويداء.

• فتح معابر إدخال المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية.

• توقيف العمليات العسكرية وإعادة الانتشار.

يُلاحَظ أن النقطة الأولى تثير مخاوف من جريمة تغيير ديمغرافي، إذ إن إخراج فئة مجتمعية من مناطق سكنها، ولو بحجج أمنية، يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان، وقد يفرِض تبعات سياسية وقانونية في المستقبل.

3- ما مدى صمود الاتفاق؟

أ. غموض التنفيذ:

– لم تُعلن الحكومة الانتقالية أو الوسيط المحلي أي جداول زمنية دقيقة للتنفيذ.

– غياب مراقبين مستقلين قد يفتح الباب لتجاوزات من الطرفين.

ب. تشرذم الأجسام العسكرية:

– ميليشيات الهجري لا تخضع لهيكلة موحدة وإخراج مقاتليها أو بدو من السويداء يحتاج إلى مصالحة شاملة وليس اتفاقاً مرحلياً.

ج. عامل الثقة:

– سمعة الحكومة الانتقالية مهزوزة أمام السكان بعد أشهر من الانقسامات، ما يؤثر على التزام الأطراف بشروط الاتفاق.

4- قدرة الحكومة على إدارة مؤسسات الدولة

• البنية الإدارية: تخضع حالياً للتقسيم بين مناطق نفوذ متعددة (القوات الوطنية، الميليشيات، الحواجز الأمنية).

• الموارد المادية والبشرية: تعاني الحكومة من نقصٍ حادٍّ في الميزانيات والأجهزة الإدارية المدربة.

• الشرعية الشعبية: تتوقف على قدرتها على ضمان الأمن والخدمات الأساسية (الكهرباء، الصحة، التعليم).

في ظل هذه التحديات، تبدو مهمة إعادة تشغيل مؤسسات الدولة في السويداء مهمةً عسيرة تتطلّب خطة متكاملة تمتد على أشهر، لا اتفاقاً مرحلياً يكتفي بوقف إطلاق النار.

5- من المتضرر ومن يعرقل بسط السيادة

– أهالي البدو: خروجهم من مناطق سكنهم الأصليّة سيُفقدهم سبل الكسب والاعتماد على المواشي، ويشرّع في وجوههم بوادر نزوح داخليّ.

– “فصائل الأمر الواقع” (الميليشيات): تسعى للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والأمني قد تعرقل أي محاولة لإعادة انتشار الحكومة.

– المجتمع المدني: إذا فُرضت إجراءات أمنية قاسية من دون ضمانات حقوقية، فإن الفئات الضعيفة ستكون الأكثر تضرّراً.

6- تبعات إخراج البدو وتغيير التركيبة الديموغرافية

أحذر من أن أي إخراج قسري لفئة مجتمعية يعتبر جريمة تغيير ديمغرافي، وقد تحمّل الحكومة مسؤولية انتهاكات خطيرة مستقبلاً. لذا من الضروري أن تُصاغ أي إجراءات حول “تنظيم سكان مناطق النزاع” بما يضمن العودة الطوعية والكرامة الإنسانية.

7- التمييز بين المطالب الوطنية المحقة وجريمة حمل السلاح

– المطالب الحقيقية: حماية المدنيين، توحيد مؤسسات الأمن، تحسين الخدمات، مشاركة الأهالي في صنع القرار.

– جريمة مسلّحة: استخدام السلاح خارج إطار الدولة يهدد السلم الأهلي ويمنع إعادة الإعمار وإعادة الاستقرار.

يجب أن ترى الحكومة والقوى المحلية أن الحلّ يتطلب حقناً للدماء أولاً واعتماد الحوار السياسي ثانياً، لا المجابهة العسكرية وحدها.

هنا، يبقى الاتفاق الحالي هشّاً ما لم يُصحح غموض بنوده ويُدعم بآليات مراقبة واضحة، وإشراك فعلي للأهالي بكل شرائحهم، بما في ذلك البدو. قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة مؤسسات الدولة في السويداء مرتبطة بمدى التزامها بتعهداتها وإعادة بناء الثقة مع السكان. في الأعمق، إن بسط سلطة الدولة السورية على كامل التراب السوري واستعادة احتكار العنف المنظم هو الضمانة الوحيدة لتحقيق الاستقرار الدائم، وضمان ألا تتحول مطالب أهل الأرض الوطنية إلى ذريعة لتفتيت نسيج المجتمع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني