إيران.. أصابع خفية، وقوَّة ناعمة

0 23
بناء الدويلة الثقافية

أطلق (جوزف ناي) من جامعة هارفارد مصطلح “القوة الناعمة” قاصداً الإجراءات التي تضمن للدولة القدرة على التوسع ومد النفوذ دون حرب ولا دماء، بل باستعمال القفاز الحريري الذي يخفي الأصابع الفولاذية، ثم تطور هذا المفهوم؛ ليشمل التأثير على الرأي العام وصناعة التوجهات من خلال تصنيع واجهات رسمية وغير رسمية، حتى قال وزير الدفاع الأمريكي حينها “روبرت غيتس” يجب زيادة الإنفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية، والاتصالات الاستراتيجية، وتقديم المساعدات الأجنبية…” وفي الحقيقة اشتغلت الولايات الأمريكية على بناء شبكة معقدة من العلاقات لتطوير القوى الناعمة قبل جوزف ناي بكثير، حيث تشير المعلومات التي رفعت السرية عنها مؤخرا أن ما يسمى بمركز الثقافة ودعم الديمقراطية التابع مباشرة لوكالة الأمن القومي الأمريكية (CIA) ومن هذه الجهات التي تلقت أموالا مباشرة مجلة(شعر) في بيروت التي أدارها الدكتور علي إسبر المعروف بأدونيس ومعه مجموعة من المثقفين اللبنانيين، وهذا لم يعد سرا، والأدوار اللاحقة لمثل هذه المنصات الثقافية بقيت تدور في الفلك عينه متدثرة بدعاوى الحداثة والتنوير.

إيران وبناء القوة النَّاعمة

منذ أن ألقت الطائرات الفرنسية بالخميني وروحاني وغيرهم من منظري ما عرف بـ “الثورة الإسلامية” وهذا المفهوم يشهد نمواً غير مسبوق، ويجري تعميقه بالتوازي مع “ملشنة المجتمعات” – نسبة إلى ميليشيا – وتفتيت الدولة وفقا لمصطلحات علم الاجتماع السياسي بما فيها من مؤسسات وطنية (جيش، أحزاب، جامعات، منظمات مجتمع مدني، …) لصالح مفهوم الدولة/الميليشيا وإيران نفسها مثال صارخ على هذا فالحرس الثوري ذو التكوين الميلشوي العقائدي المذهبي أزاح مفهوم الجيش الوطني والذي نظريا يجب أن يكون هو الممثل لكل قوميات الدولة ومذاهبها وطوائفها …الخ، والوزارة هي مكاتب تنفيذية لصالح الدولة العميقة التي لا نعرف سوى رأس قمة جبل الجليد وحسب! أي المرشد الأعلى الذي ينبثق عن مجامع لا نعرف أعضاءها ولا طريقة اختيارهم، هيكلية معقدة وسرية تشبه إلى حد بعيد المحافل الماسونية، بل تتماهى مع تركيبتها بصورة شبه متطابقة، ومنذ البدء كان مبدأ تصدير “الثورة” مبدأ يكفله الدستور الإيراني علانية وبوضوح شديد، أي أنهم وضعوا قانون التدخل في شؤون الدول الأخرى مشروعاً ودستورياً.

صناعة مثقف!

لست بحاجة للتأكيد أن المجتمعات المستهدفة من بناء شبكة القوى الناعمة هي المجتمعات العربية أولا ومنظومة الدول الإسلامية المجاورة لإيران (باكستان، أفغانستان، دول آسيا الوسطى التي كانت ضمن المنظومة السوفييتية البائدة) ويلاحظ أن تركيا وهي دولة إسلامية مجاورة إلا أنها ليست ضمن النطاق الفعال للقوة الناعمة الإيرانية على الأقل الآن لأسباب كثيرة تحتاج لاهتمام خاص، وهي مؤجلة كمرحلة لاحقة، فالأتراك يحلون في المرتبة الثانية في العداء للشخصية الفارسية بعد العرب، ولا قيمة لشيعة أو سنة؛ فالعربي رمز للعدو الذي يجب تحطيمه؛ فهو من دمر “الحضارة الفارسية” بالاحتلال الإسلامي – هكذا يسمونه في مناهجهم التعليمية، ويصفون الشخصية العربية في هذه المناهج بأقذع الصفات من الهمجية والبداوة والتخلف، ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى موسوعة الدكتور نبيل العتوم المتخصص بالشؤون الإيرانية وخريج جامعة طهران، وهو من بذل جهداً هائلاً استمر ست سنوات في تحليل المناهج الإيرانية ما قبل الجامعية، وفيها يدرسونهم كيفية تشكيل الميلشيات والعمل الاستخباري ونقل المعلومات، وفقاً لنظرية التعجيل المهدوية، والحقيقة، علينا الاعتراف أن المخابرات الإيرانية لديها موارد بشرية كبيرة من المختصين بشؤون الثقافة العربية وشجونها، وقد وضعت الخطط لاختراق منظومة الوعي العربية بصورة متدرجة ومنظمة وعميقة، مستغلة التصدعات الكبيرة التي تحيط بهذه المنظومة، من خلال العلاقة المهتزة بين الشعوب ونخبها الثقافية والسياسية، واستفادت من أخطائها في العراق وسوريا، واستثمرت في المثقفين الطائفيين أولاً وفي اليسار العربي المهزوم أساساً والمتشبث بمفاهيم “ثورية” بائدة، ترتكز على كره أمريكا وإسرائيل كرهاً مرضياً والرضا بالشيطان بديلاً عنهما، وقضية فلسطين القضية المركزية في العقل العربي، ولو اقتصر الأمر على الحملات الشعاراتية وأغاني مارسيل خليفة وتلطيه خلف قامات وطنية وأدبية كبيرة مثل الراحل محمود درويش؛ لأمكننا تجاهلها.

لكن حتى تصل الخطة لأهدافها لابدّ من إدارتها من الخلف أي جعل الواجهات عربية من شعراء وروائيين ومفكرين وأساتذة جامعات وفنانين… ويكفي أن نضرب بعض الأمثلة؛ لتعرف مآلات هذه الخطط وجهنميتها، النموذج السوري تم تعويم أشخاص لا صلة لهم بأدب أو ثقافة، وبعدها منحتهم شهادات دكتوراه فخرية من جامعات وهيئات، لم أسمع، لا أنا ولا غيري – كما أظن – بها ولا نعرف مقراتها ولا مبانيها ولا لأي جهة تنتمي، وترسيخاً لمكانتهم عينتهم في مناصب وهمية، مثل رئيس، مستشار، وأعضاء في مؤسسات لا تحصى، وفي بعض الدول العربية الأفريقية مثلاً، يؤخذ مثقف متواضع الإنتاج، يكتب كلاماً يظنه شعراً، فإذا امتدت له يد صناعة المثقف السِّرية، فإذ به يلقي قصائده على مسرح الأوبرا المصرية وفي مناسبة (يمنية) وأشدد على المناسبة لدلالاتها الكثيرة، ومن ضمن الخطوات المتدرجة وضْعُ هؤلاء المُصَنَّعين على قائمة الضيوف في أي مهرجان، أو مناسبة ثقافية (عراقية، أو سورية، أو لبنانية، ولاحقاً إيرانية) ومن الذكاء والحصافة ألا يُطْلبَ من هؤلاء أي شيء مقابل ذلك، بل تصرف لهم الدولارات كنفقات إقامة ومصروف جيب لا أكثر، وهي تعادل أضعاف رواتبهم في بلدانهم، ومع مرور الوقت يصبح حبل السُّرة الاقتصادي الإيراني متحكماً بخطابهم ومواقفهم دون أمر من الراعي الرسمي مطلقاً، وهذا مشاهد وبقوة في بلدان المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا) وبخطة متدرجة، وأذكر بضابط المخابرات الإيراني أمير الموسوي الذي شغل منصب الملحق الإيراني بالجزائر، وأشرف شخصيا على بناء شبكة العلاقات الثقافية هناك، وعندما لم يعد ممكنا التستر عليه طرد من البلاد، ولكن قال الجزائريون حينها: “طرد موسوي وبقيت شبكته”

بعض وسائل بناء شبكة القوى الناعمة

استفادت المخابرات الإيرانية من التجربة الأمريكية، وأضافت عليها ما استغلته من تناقضات دينية ومذهبية، أشعلت شرارتها من جديد، مستثمرة في الحقد والكره التاريخين، ومنحت الأساطير التي تحكم أيديولوجيتهم المنغلقة جاذبية للسذج والغارقين بأوهامهم، وتلاعبت بالأقليات لبناء مظلوميات كربلائية جديدة، وسأذكر بعض الوسائل على سبيل المثال لا الحصر:

1- الخارطة الاستعمارية للدول ونقاط الارتكاز: رسمت المخابرات الإيرانية خارطة لكل دولة مستهدفة معينة عليها نقاط الارتكاز الاستعمارية، وأعطتها أسماء المقامات، ويظن الغربيون وكل من هو غير مهتم بتاريخ المنطقة وجغرافيتها، أن هذه قبور لقديسين أو أولياء والحقيقة غير ذلك تماماً؛ فهي نقاط ارتكاز فكرية أولاً، واستعمارية تالياً بنكهة دينية مذهبية، تقوم على ادعاءات أحياناً مضحكة، كأن رأى فلانٌ في منامه ذلك الولي من هنا فصنع له قبَّة ومزاراً، ثم عيَّن القيِّم على المزار، وشكل لجنة لصرف الأموال عليه وسدنته، وتعيين الحرس لحمايته… وهكذا تصنع من الحبة قبَّة، والأرض السورية أصبحت مغطاة بالكامل بتلك النقاط، حتى عين الماء التي يعرفها كل أهل الحسكة صارت (عين علي) وتحولت لمياه مباركة تشفي من البرص والجذام وترد الشيخ إلى صباه!

2- المؤسسات الثقافية الوهمية، بناء الدويلة الثقافي بديلا عن الدولة:

أسماء كثيرة من مثل: رابطة أهل البيت، رابطة الأشراف، التجمع العالمي للمثقفين العرب، ديوان الشعر، ديوان النسب الشريف، الاتحاد الدولي للكتاب العرب، هذه مؤسسات لا يعرف لها مكاتب ولا مجالس إدارة، ولا طريقة انتخاب، ولا نظام داخلي، لكنها تجتذب المئات بل الآلاف من القطط العمياء أو الطامعين والطامحين، وتربطهم بثقافة الطائفة، وتستثمر في أحقادهم لتفتيت المجتمعات وتشظيتها أفقياً وعمودياً، فتصاب مجتمعاتنا بالهشاشة وتفقد مناعتها؛ فيسهل اختراقها وتبعيتها للمشروع الإمبراطوري الموهوم، مشروع إمبراطورية الجياع والجهلة، وقد يتساءل بعضهم عن جدوى بناء هذه المؤسسات الموازية، إنها هدم للدولة حتى لو كانت تدور في محورهم، لا يثقون بأحد إلا بمن هم يختارونه؛ لذلك أسسوا اتحاداً للكتاب تحت مسمى الاتحاد العربي للمثقفين؛ ليكون بديلاً للاتحادات الحكومية، وكذا للصحفيين، دون أن نعرف الممول والمكاتب الرئيسة، وشروط العضوية، وأذكِّر بأن إيران دخلت لبنان مثلاً قبل تأسيس حزب الله بسنوات عن طريق ضباط الحرس الثوري تحت مسمى النشاطات الثقافية “البريئة” وعيد النوروز وذكرى مقتل الحسين.. إلخ وكان ذلك في البقاع وبعلبك ثم تمدد عملهم إلى باقي المناطق ممهدا للتنظيمات العسكرية الميليشياوية.

3- المؤتمرات المشبوهة وورش العمل المفبركة:

تقيم هذه المؤسسات الوهمية وبدعم مالي سخي من الجهات المغيبة خلف أسرار الدولة العميقة المؤتمرات والندوات وهي غالباً ما تكون بريئة العناوين براقة الفكرة مثل دعم المقاومة، القدس في قلوبنا، مرور مائة عام على الشاعر الفلاني… وهذا يمر على الكثير من السذج، لكن الهدف العميق هو تكوين (لوبي) محلي لإيران، يشكل رديفاً للميلشيا القادمة وسنداً فكريا لها.

4- مشاريع الترجمة وتبادل الأساتذة الجامعيين:

وهي من الأساليب المبكرة التي سعت إليها المخابرات الإيرانية، إذ استقطبت العديد من كبار الأكاديميين العراقيين والسوريين وغيرهم، لبناء علاقات عامة قوية معهم، وترجمت بعض أعمالهم للفارسية، أو كلفوا بترجمة أعمال فكرية وأدبية “وهو عمل ظاهره بريء” وداعم للعربية، وبعضهم منح الجوائز الرفيعة من رئيس الجمهورية الإسلامية تقديراً لجهودهم.

5- الاستثمار في الإعلام العربي:

مشروع دعم الصحف الموالية معروف في لبنان مثلاً، وتوظيف الطرف المسيحي المتحالف مع حزب الله لإدارة هذا المشروع كونه صاحب خبرة عريقة، ويبدو بعيداً عن الشبهة الطائفية، وينطبق هذا على القنوات التلفزيونية (الميادين، المنار، العالم، المستقلة، الأقصى، وعشرات القنوات العراقية).

6- شراء الأقلام الأجنبية:

ولابد من رفد هذه القطاعات بالأقلام المأجورة من الأوروبيين أو العرب الذين يحملون الجنسيات الأوربية والأمريكية، من أمثال: عبد الباري عطوان، كوثر البشرواي، جورج غالاوي، روبرت فيسك… وغيرهم.

هذه بعض أساليب النظام الإيراني في اختراق مجتمعاتنا، وهدم بنائها الاجتماعي، وقد بدأنا نحصد النتائج الكارثية لها، ولا بد من مواجهتها أنظمة وشعوبا، معارضة وموالاة، قبل فوات الأوان، فهو لم يقتصر على بناء دويلات سياسية داخل الدول، بل بنى الدويلة الثقافية أيضاً! ويجب ألا يغيب عن بالنا أن الفرس لم يتخلوا عن كلابهم “ففي الثقافة الفارسية والزرادشتية، الديانة الحقيقية للإيرانيين فُرض على البشر رعاية الكلاب” كما يقول يوسف مرتضى في مقالة منشورة على موقع الحقيقة، نقلا عن أليكس سوباك المستثمر البريطاني!. نعم، لم يتخلوا عن كلابهم، يجب ألا ننسى!

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني