إعادة هيكلة مؤسسة السكك الحديدية السورية – الإصلاح المؤسسي

0

لم تعد قضية السكك الحديدية في سوريا مرتبطة فقط بإصلاح القضبان أو إعادة تشغيل القطارات المتوقفة، بل أصبحت قضية وطنية استراتيجية تتطلب إعادة بناء قطاع كامل على أسس مؤسسية حديثة. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية، بل في نموذج الإدارة القديم الذي كان يعتمد على مركزية القرار وضعف الحوكمة وغياب الشفافية ومعايير الأداء. لذلك فإن إعادة تأهيل السكك الحديدية السورية يجب أن تبدأ بإعادة هيكلة القطاع قبل أي توسع في مشاريع البناء أو التحديث.

أولاً: الفصل بين التنظيم والتشغيل والاستثمار – الحوكمة وإزالة تضارب المصالح

أول خطوة هي الفصل بين التنظيم والتشغيل والاستثمار. فلا يجوز أن تكون الجهة نفسها مسؤولة عن وضع القوانين، وإدارة الشبكة، وتشغيل القطارات في الوقت ذاته، لأن ذلك يخلق تضارب مصالح ويضعف الرقابة. لذلك ينبغي إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تتولى المعايير الفنية والسلامة والتعرفة والتراخيص. أما المؤسسة الحالية فيجب تحويلها إلى شركة تشغيل وطنية مستقلة إدارياً تُدار وفق معايير تجارية وتشغيلية واضحة، وتُحاسب بعقود أداء ومؤشرات دقيقة مثل الالتزام بالمواعيد وكفاءة الصيانة وحجم الإيرادات وجودة الخدمة.

ثانياً: بناء نموذج مالي مستدام وإعادة تعريف التمويل

لا يمكن تمويل السكك الحديدية بالكامل عبر ميزانية الدولة، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. فالقطاع يحتاج تمويلاً طويل الأجل للصيانة والتشغيل والتطوير. لذلك يجب اعتماد شراكات مع القطاع الخاص في مجالات مثل تشغيل الشحن، إدارة المحطات، تطوير الموانئ الجافة، وخدمات التخزين والتبريد، إضافة إلى إعادة تأهيل الورشات بعقود تشغيل وصيانة طويلة الأجل. كما يجب فصل الموازنات التشغيلية عن الاستثمارية، واعتماد تدقيق مالي مستقل، ونظام مشتريات شفاف، وتفعيل إدارة أصول السكك من أراضٍ وعقارات كمصادر دخل. ويجب إعادة هيكلة التعرفة لتحقيق توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية.

ثالثاً: تحديث الإدارة والبنية التقنية والتحول الرقمي

لا يمكن تطوير القطاع دون تحديث أنظمة الإشارات والاتصالات والتحكم المركزي، واعتماد نظم رقمية لإدارة الجداول ومراقبة حركة القطارات وإصدار التذاكر إلكترونياً وربط المرافئ بالشبكة التشغيلية. كما يجب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تتضمن حالة الخطوط والبنية التحتية والأسطول وسجلات الصيانة، مع نظام رقمي لتتبع حركة الشحن. هذا التحول الرقمي يعزز الكفاءة ويحد من الهدر ويزيد الشفافية، كما يعد شرطاً أساسياً لجذب المستثمرين والممولين الدوليين.

رابعاً: التعليم والتدريب وبناء رأس المال البشري

لا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون الاستثمار في الكوادر. فالسكة الحديدية منظومة بشرية قبل أن تكون منشآت. لذلك يجب إنشاء مركز تدريب متخصص وربط الجامعات والمعاهد التقنية ببرامج تشغيل وصيانة حديثة، إضافة إلى شراكات تدريب دولية لنقل المعرفة وتوطين الخبرة بدل الاعتماد الدائم على الاستشاريين الخارجيين.

إن السكك الحديدية السورية ليست مجرد وسيلة نقل، بل مشروع سيادي اقتصادي. وإعادة الهيكلة هي الخطوة الأولى لتحويلها إلى منظومة حديثة قادرة على خدمة الاقتصاد، جذب الاستثمار، خلق فرص عمل، وتقليل كلفة النقل، وإعادة دمج سوريا في شبكات التجارة الإقليمية والدولية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني