إعادة الإعمار الغائبة: كيف تُبنى سوريا دون ارتهان أو استنزاف جديد؟

0

بعد أكثر من عقد من الحرب، تبدو سوريا وكأنها لا تزال عالقة في مرحلة ما بعد الانهيار. فبدل أن تبدأ البلاد بعملية إعادة إعمار شاملة تعيد الحياة إلى مدنها واقتصادها، ما زالت تدور في حلقة مفرغة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، بينما يزداد الوضع الأمني هشاشة نتيجة غياب الأفق الاقتصادي الذي يمكن أن يخفف الاحتقان ويعيد التوازن للمجتمع.

الجميع يتحدث عن إعادة الإعمار، لكن أحداً لم يخطُ بعد الخطوة الأولى الفعلية، لأن السؤال الجوهري لم يُحسم: من أين تبدأ إعادة الإعمار، وكيف يمكن أن تُدار دون أن تتحول إلى أداة ارتهان سياسي واقتصادي جديد؟

أولاً: واقع متصدّع.. وأزمة تتغذّى من غياب الإعمار

تبدو صورة سوريا اليوم كبلد يعيش على أنقاض بنيته القديمة دون أي مشروع واضح لإعادة بنائها. أكثر من نصف البنية التحتية دُمّرت كلياً أو جزئياً، والمدن الكبرى من دمشق إلى حلب وحمص ودير الزور تعاني خللاً في المرافق الأساسية: الكهرباء، المياه، النقل، والخدمات الصحية والتعليمية. أما الريف السوري الذي كان يشكل الخزان الزراعي للبلاد، فقد أصيب هو الآخر بتراجع حاد في الإنتاج نتيجة نزوح الملايين وفقدان مستلزمات الزراعة والطاقة.

في ظل هذا الواقع، لا يمكن للاقتصاد أن يتنفس. فالإنتاج الصناعي والزراعي شبه متوقف، والاستيراد يلتهم ما تبقى من احتياطي العملة الصعبة، والبطالة تتجاوز حدود الاحتمال، فيما يعيش معظم السوريين تحت خط الفقر. هذه الأزمة ليست فقط معيشية، بل تهدد بتآكل النسيج الاجتماعي والأمني للبلاد، لأن الفقر واليأس يشكلان أرضاً خصبة للاضطرابات والجريمة والهجرة غير الشرعية.

غياب عملية إعادة الإعمار لا يعني فقط غياب الأبنية والجسور، بل غياب الأمل. فالشعب الذي لا يرى ورشة إعمار حقيقية أمامه يفقد ثقته بالدولة وبالمستقبل معاً، وتتحول الحياة اليومية إلى صراع بقاء.

ثانياً: لماذا لم تبدأ إعادة الإعمار حتى الآن؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن العائق هو المال. فإعادة بناء بلد مدمّر تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات. لكن في العمق، المشكلة سياسية قبل أن تكون مالية. فالمجتمع الدولي لا يزال منقسماً حول شكل الحل السياسي في سوريا، والدول الكبرى تربط أي دعم اقتصادي بتنازلات سياسية لا تبدو دمشق مستعدة لتقديمها.

من جهة أخرى، العقوبات المفروضة على الحكومة السورية جعلت التعامل المالي والتجاري مع الخارج شبه مستحيل، وأبعدت المستثمرين المحليين والأجانب عن المغامرة في بيئة محفوفة بالمخاطر. كما أن الفساد المستشري والبيروقراطية الثقيلة يثنيان أي محاولة جادة للاستثمار الداخلي.

النتيجة أن البلاد تقف أمام مفترق طرق: فهي بحاجة ماسة إلى الإعمار، لكنها لا تملك الإمكانات الذاتية، وفي الوقت نفسه ترفض الارتهان لشروط الخارج التي قد تمس سيادتها واستقلال قرارها.

ثالثاً: من أين تبدأ إعادة الإعمار؟

إذا كانت القروض الدولية وشروط الشركات الكبرى تحمل مخاطر ارتهان جديدة، فإن الخيار المنطقي هو الانطلاق من الداخل، عبر إعادة تفعيل القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تشكل الرافعة الحقيقية لأي عملية إعمار.

لكن البداية لا يمكن أن تكون عشوائية، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة، تقوم على ثلاث ركائز مترابطة:

1. إعادة بناء القاعدة الإنتاجية:

الاقتصاد السوري قبل الحرب كان متنوعاً نسبياً: زراعة، صناعة، خدمات، وتجارة. هذه القطاعات رغم تراجعها الكبير ما تزال قادرة على النهوض مجدداً إذا توافرت إرادة سياسية واضحة وخطط تنفيذية واقعية.

الزراعة مثلاً يمكن أن تعود لتكون عماد الاقتصاد السوري إذا تم دعم الفلاحين بمستلزمات الإنتاج وتوفير الطاقة والري والأسواق. فالأرض السورية غنية، والمناخ متنوع، واليد العاملة متوفرة. ويمكن للزراعة أن تعيد الاستقرار إلى الريف وتخفف الضغط عن المدن، فضلاً عن أنها تقلل الحاجة إلى الاستيراد وتوفر القطع الأجنبي من خلال التصدير.

أما الصناعة، فإعادة تشغيل المعامل المتوقفة وتأهيل المدن الصناعية قد تكون الخطوة الأهم في خلق فرص عمل واستعادة دورة الإنتاج المحلي. يجب التركيز على الصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية أولاً، لأنها الأقل كلفة والأكثر ارتباطاً بحاجات السوق المحلي.

بهذه الطريقة يمكن لسوريا أن تبني إعمارها من الداخل إلى الخارج، لا من الخارج إلى الداخل كما يريد المانحون الدوليون.

2. استثمار رأس المال الوطني والمغترب:

رأس المال السوري في الخارج يُقدّر بعشرات المليارات، سواء لدى رجال الأعمال الذين غادروا البلاد أو لدى ملايين السوريين المغتربين. هؤلاء يمكن أن يشكلوا ركيزة حقيقية لإعادة الإعمار إذا شعروا بالأمان القانوني والاقتصادي، وإذا قُدمت لهم حوافز شفافة تضمن حقوقهم وتبني الثقة مجدداً بينهم وبين مؤسسات الدولة.

من غير الواقعي انتظار استثمارات أجنبية ضخمة في ظل الظروف الحالية، لكن من الواقعي جداً أن يبدأ السوريون أنفسهم بإعادة بناء بلادهم، شرط أن تتغير البيئة الداخلية بما يطمئنهم إلى أن أموالهم لن تُهدر أو تُصادر.

3. إصلاح الإدارة والبيئة القانونية:

الإعمار ليس فقط أموالاً ومشاريع، بل منظومة قانونية وإدارية قادرة على حماية الاستثمار وتنظيمه. من دون مكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات الإدارية، لن يجرؤ أي مستثمر – محلياً كان أم مغترباً – على ضخ أمواله في السوق السوري.

ينبغي إصدار قوانين واضحة لإعادة الإعمار، تحدد حقوق المالكين والمستثمرين، وتمنع أي استغلال أو تلاعب في مشاريع السكن والبنية التحتية، وهي أمور تثير مخاوف واسعة لدى السوريين.

رابعاً: نحو نموذج وطني مستقل للإعمار

إعادة الإعمار ليست مجرد عملية تقنية أو مالية، بل مشروع وطني بامتياز. نجاحها أو فشلها سيحدد شكل سوريا لعقود مقبلة. فإما أن تكون عملية تُدار بإرادة وطنية وتعيد للبلاد استقلالها الاقتصادي، أو تتحول إلى بوابة جديدة للنفوذ الأجنبي وبيع القرار الوطني.

النموذج الوطني المنشود يجب أن يقوم على مبدأ الاكتفاء التدريجي: أي بناء قدرات داخلية قادرة على إنتاج ما تحتاجه البلاد في الغذاء والطاقة والدواء والمواد الأساسية. هذا لا يعني الانغلاق، بل الانطلاق من قاعدة صلبة تمكّن سوريا لاحقاً من التعامل الندّي مع الخارج.

من الممكن مثلاً إنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار، يشارك فيه المواطنون والمغتربون ورجال الأعمال عبر مساهمات وأسهم محددة، بإشراف حكومي شفاف ورقابة مستقلة. يمكن أن تُخصص موارد هذا الصندوق لمشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة في الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة، بدل إنفاقها على مشاريع إسمنتية لا تخلق قيمة مضافة.

كما يمكن للدولة أن تعيد النظر في أولويات الإنفاق العام، بحيث تُوجَّه الموارد المحدودة نحو مشاريع تعيد الحياة الاقتصادية بدل التركيز على النفقات الإدارية أو العسكرية.

خامساً: الاستثمار في الإنسان قبل الحجر

أي عملية إعمار لا تضع الإنسان في مركزها ستبقى ناقصة. فالبنية البشرية السورية تعرضت لما هو أخطر من الدمار المادي: نزوح الملايين، هجرة الكفاءات، انهيار التعليم والصحة، وانتشار الإحباط بين جيل الشباب.

لا يمكن بناء اقتصاد منتج دون إعادة بناء الإنسان السوري نفسه، عبر التعليم والتدريب المهني، وتأمين بيئة عمل تحفّز على البقاء بدل الهجرة.

إعادة الإعمار تبدأ من المدرسة والجامعة ومعاهد التدريب بقدر ما تبدأ من ورش البناء. فالمهندس والطبيب والمعلم والعامل هم أساس أي نهضة، وإذا استمر نزيف الكفاءات فلن تنفع المليارات في إعادة الإعمار.

سادساً: الأمن والاقتصاد وجهان لعملة واحدة

الحديث عن الإعمار لا ينفصل عن الحديث عن الأمن. فغياب التنمية يولّد فراغاً أمنياً، والعكس صحيح. المناطق التي تفتقر إلى الخدمات والفرص الاقتصادية تصبح بيئة خصبة للجريمة والتوتر. لذلك فإن أي استراتيجية حقيقية لإعادة الإعمار يجب أن تُدمج في إطار الأمن الاقتصادي والاجتماعي، بحيث يشعر المواطن أن هناك دولة تعمل من أجله، لا عليه.

كما أن عودة الأمن والاستقرار هي الشرط الأول لجذب الاستثمار والإنتاج. وبالتالي، فإن إطلاق مشاريع إعمار صغيرة ومتوسطة في المناطق الأكثر تضرراً يمكن أن يسهم في تثبيت السكان ومنع نزوح جديد، ويخلق توازناً اجتماعياً يعزز الاستقرار.

سابعاً: نحو أفق جديد

قد يبدو الحديث عن إعادة الإعمار في ظل الظروف الراهنة ضرباً من التفاؤل، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب التي نهضت من الحروب لم تنتظر المعجزات الخارجية، بل بدأت من ذاتها.

ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولبنان بعد الحرب الأهلية، والعراق بعد 2003، كلها تجارب تؤكد أن الإعمار ليس قراراً مالياً بل قرار إرادة.

ما تحتاجه سوريا اليوم هو هذه الإرادة، إرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق المصالح الفئوية، وإرادة اقتصادية تفتح الباب للإنتاج بدل الاحتكار، وإرادة اجتماعية تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالانتظار بل بالعمل.

خاتمة:

لم تبدأ عملية إعادة الإعمار في سوريا بعد، وهذا التأخر لا يفاقم فقط الأزمة الاقتصادية، بل يهدد الأساس الاجتماعي والأمني للدولة. الطريق إلى الإعمار لا يمر عبر القروض المشروطة ولا عبر الشركات العابرة التي ترى في الدمار فرصة ربح، بل عبر استنهاض الداخل السوري — بقطاعاته الإنتاجية، ورأس ماله الوطني، وكفاءاته البشرية.

فإذا كان الخراب نتيجة حرب فرضت على البلاد، فإن الإعمار يمكن أن يكون بداية لسلام دائم، شرط أن يُبنى على أسس العدالة والإنتاج والاستقلال، لا على تكرار أخطاء الماضي.

إنها معركة جديدة، لا بالسلاح هذه المرة، بل بالعمل والفكر والتخطيط، وهي المعركة التي ستحدد إن كانت سوريا ستستعيد دورها كبلد منتج ومؤثر، أم ستبقى بلداً أسيراً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني