تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة
دراسة في السيناريوهات المستقبلية (3)
التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع
منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟
وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في 7 تموز / يوليو 2025 Al Arabiya English+2World Bank ، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة 1% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو نمو محدود يُعد أول مؤشر إيجابي بعد سنوات من الانكماش الاقتصادي. يرجع هذا التحسن النسبي إلى عودة الإنتاج الزراعي في سهل الغاب ودير الزور، وإلى التسهيلات الجمركية الجديدة التي سمحت بمرور البضائع عبر الموانئ اللبنانية والعراقية.
أما قطاع النفط، فلا يزال يشكّل أحد أعقد ملفات الاقتصاد السوري؛ إذ تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى تعزيز سيطرتها على هذا القطاع عبر إعادة تنظيمه مؤسسياً، غير أن السيطرة على أبرز الحقول، مثل حقل العمر وحقل التنك في دير الزور، ما تزال بيد قوات سوريا الديمقراطية، الأمر الذي يحدّ من قدرة الدولة على التحكم الكامل بالإنتاج والعائدات.
ومع ذلك، ما تزال البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات المالية من الخارج كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، إضافة إلى أشكال من الدعم الأوروبي الطارئ الذي خُصص لدعم استقرار العملة وتلبية الاحتياجات الأساسية. ويبقى الاستقرار الاقتصادي مرهوناً بعاملين خارجيين أساسيين: الرفع التدريجي للعقوبات الأوروبية والأميركية، ولا سيّما في ضوء التطورات السياسية الأخيرة، وعودة رؤوس الأموال السورية من الخارج. غير أن إسرائيل، التي تراقب هذه التحولات عن كثب، تنظر إلى أي انتعاش اقتصادي سوري غير مقترن بترتيبات أمنية موازية بوصفه تهديداً استراتيجياً محتملاً لتوازنها الحدودي، ما يجعل البعد الاقتصادي السوري رهينة غير مباشرة للحسابات الأمنية الإسرائيلية.
البعد الاجتماعي:
اجتماعياً، يشكّل التحول المجتمعي الحالي أحد أبرز ملامح “الاستقرار السوري الكامل”.
تواجه البلاد مهمة إعادة بناء نسيجها الوطني الذي تآكل بفعل الحرب والنزوح والانقسام الطائفي والمناطقي، في ظل انتقال سياسي ما يزال في مراحله الأولى. غير أن الاندماج الاجتماعي لا يزال هشّاً؛ فالثقة بين أطياف المجتمع لم تُستعد بالكامل، وذاكرة الحرب ما تزال حيّة، وتتقاطع مع تحديات معيشية وأمنية لم تُحسم بعد.
وقد أدّت عودة مئات آلاف اللاجئين إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية والمدنية للبلاد، حيث تشهد المدن التي فرغت من سكانها عودةً تدريجيةً في ظلّ محدودية الإمكانات، وعدم انطلاق مسارات إعادة الإعمار، واستمرار القيود على الترميم في عدد من المناطق. وفي هذا السياق، شهدت المدارس والجامعات ارتفاعاً في معدلات التسجيل بنحو 35% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس تحسّناً نسبياً في الاستقرار المجتمعي، لكنه في الوقت ذاته خلق ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية والخدمات الأساسية، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تبنّي سياسة “العودة المرحلية” لتفادي أزمات إنسانية واجتماعية جديدة.
كما أطلقت الحكومة السورية الجديدة برامج للمصالحة المحلية والعدالة الانتقالية تحت إشراف أممي جزئي (وفق بعثة OHCHR في يوليو 2025) ،Office of the High Commissioner for Human Rights ) ،وتهدف هذه البرامج إلى تعويض المتضررين وإعادة دمج المعتقلين السابقين في الحياة المدنية، في إطار رؤية تدريجية تقوم على إقرار الحقيقة قبل المحاسبة.
ورغم الانتقادات الموجهة لهذه المقاربة من قبل منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش”، فإنها تبقى خطوة أولى لكسر حلقة الكراهية والانتقام التي غذّت النزاع لسنوات. The United Nations
البعد السياسي:
يُعدّ الاستقرار السياسي أكثر الملفات تعقيداً، إذ إن المرحلة الانتقالية لا تزال تواجه اختبارات حقيقية تتعلق بالشرعية والتمثيل وبناء المؤسسات. فالرئيس أحمد الشرع، رغم تمتعه بشرعية واقعية مستمدة من توافقات داخلية ودعم إقليمي ودولي متزايد، لا يزال بحاجة إلى إرساء قواعد دستورية جديدة تنقل البلاد من حالة “الشرعية المؤقتة” إلى “الشرعية الدائمة”. وتمثّل هذه العملية معياراً مفصلياً لتحديد ما إذا كانت سوريا قد دخلت فعلياً مرحلة الاستقرار السياسي، أم أنها ما تزال في طور التجريب وإدارة الانتقال.
وفي المجمل، فإن مفهوم الاستقرار السوري الكامل يفترض تحقيق توازن دقيق بين الداخل والخارج: بين متطلبات السيادة الوطنية وضغوط المصالح الإقليمية والدولية، وبين ذاكرة الحرب المثقلة بالانقسامات وطموح بناء سلام مستدام. غير أن هذا الاستقرار يبقى هشّاً ومهدداً كلما تعارضت المصالح السورية مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل إسرائيل فاعلاً رئيسياً، وربما حاسماً، في تحديد سقف هذا الاستقرار وحدوده، ولا سيما في ظل استمرار التوترات الحدودية والتوغلات العسكرية، رغم وجود مناورة تفاوضية غير مباشرة مدعومة أميركياً.