
أين هي الثقافة.. “سلامات يا ثقافة”
سؤال قد يتبادر إلى الأذهان مجرد ذكرنا للثقافة هذه الأيام، وهي في حالة متعثرة أكثر مما كانت عليه في السابق حيث كانت الرقابة الصارمة والشديدة على كل كلمة، وقد استبشر الكثير من أهل الثقافة بالعهد الجديد، أو لعلهم تعشموا كثيراً كما يقال بأن تنفتح أمامهم الأبواب المغلقة، وتشرع القلوب على المحبة التي يريدها المثقف والكاتب، وقد تثير كلمة ثقافة الانتباه وتدفعنا لنبدأ مع وزارتنا التي تحمل هذا الاسم، ونقصد بذلك وزارة الثقافة التي يجب أن يكون لها الدور الأكبر في إبراز دور الثقافة والهوية السورية المتفردة عن غيرها، وبدلاً من ذلك ساهمت في إلغاء الكثير من النشاطات الثقافية من دون أسباب وتبريرات منطقية، ووصل الأمر بصاحب النشاط أن تأخذه الحيرة وهو لا يعرف هل يدعو الأصدقاء والمعارف إلى هذا النشاط أم لا؟ لأنه قد يلغى، أو يؤجل قبل يوم أو ساعات، والهيئة السورية للكتاب التي هي فرع مهم لنشر الكتاب والثقافة أوقفت نشر الكتب، ومعها الدوريات مثل “المعرفة ـ جسورـ الحياة المسرحية” التي كنا نترقب صدورها بشكل دائم ومستمر، ولو ذهبنا إلى مديرية المسارح والموسيقا سنجدها شبه مشلولة وقد توقفت عن العروض المسرحية، وهذا الحال ينطبق على مؤسسة السينما، وقد سمعنا وهذا ليس مؤكداً طبعاً بأن الوزارة لا تعترف سوى بالشعر العمودي، وهذه مجرد صورة عامة لوزارتنا، ونحن لم ندخل في عمق التفصيلات بعد.
قد يحيلنا السؤال المطروح في عنواننا، إلى نافذة أخرى للثقافة هي اتحاد الكتاب العرب الذي عانى الكثير بسبب تبديل رئيسه ومكتبه التنفيذي، ووصول غير الأعضاء إلى قيادته، وكلامنا لا يعني التقليل من شأنهم، ولكن الخبرة مسألة مهمة في عمل المؤسسات الثقافية، وهنا نؤكد أن موظفاً ما أو صاحب تجربة قد يقود الاتحاد بكل نجاح، ولذلك عاني الاتحاد حالة تخبط وربما اتخذ قرارات قد تكون أقرب إلى العشوائية، ومنها مثلاً إلغاء اجتماع جمعيات الاتحاد وإيقاف الفعاليات الثقافية، وقد ينطبق ذلك على نشاط الأعضاء الذين لم يسمح لهم بتقديم نشاطهم المركزي والفرعي أيضاً، ثم جاء من يريد إلغاء دوريات الاتحاد التي يمتد عمرها إلى الستينات من القرن المنصرم تقريباً، أو لعلها قد بدأت مع تأسيس الاتحاد، ولعلنا نجد أقرب مثال على قولنا فيما فعله رئيس لجنة تسيير الأعمال السابق الذي أعلن على صفحته الشخصية وبكل فخر واعتزاز أن الاتحاد قد أصدر ستة كتب خلال العام الذي تولى فيه أمور الاتحاد، وهذا الإعلان يعيدنا مجدداً إلى الخبرة والكفاءة، لأن ما فعله مع تقديرنا له يعد جزءاً بسيطاً، أو لنقل ثانوياً من عمل الاتحاد.
السؤال أيضاً قد يأخذنا بطبيعة الحال إلى وزارة الإعلام، لأنها ليست بعيدة عن الثقافة، بل تكاد تكون رديفة ولصيقة للثقافة من حيث طبيعة العمل، وهي كما الثقافة تساهم في إبراز الوجه الحقيقي لبلادنا، وهي من أخذت بيد المثقف والأديب والفنان في الكثير من بلدان العالم وفي الدول العربية، وصنعت منهم نجوماً وأعلاماً، ولذلك صار يشار إليهم بكل تقدير وبهاء، أما وزارتنا وحتى هذا التاريخ لم يظهر أو يبدو لها أي دور بارز، والملاحظ أن الكثير من الخبرات قد تسربت إلى الخارج، وبعضها فضل الانكفاء على الذات وترك الجمل بما حمل كما يقال، وبالتالي أصبح الاعتماد على الإعلام “الفيسبوكي” إذا جاز لنا اصطلاحاً تسميته بذلك هو الوسيلة التي تهيمن على الثقافة إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والتي يشارك فيها كل من هب ودب، وبالتالي نجد الإعلام الرسمي يكاد ينقرض، أو يتلاشى من دون أن يجد من ينعشه أو يقدم له مساعدة لابد منها، وذلك من أجل تقديم ما هو مغاير ومختلف عن غيره.
قبل أن ننتهي من هذه العجالة أريد أن أقول إنني كنت أيام الطفولة أشاهد رجلاً جميلاً يرتدي طقماً رسمياً، وشعره منسقاً ومرتباً بشكل يثير الانتباه، وهو لا ينطق سوى بكلمة واحدة هي “سلامات” وقد كتبت عنه قصة في ذات وقت، وحسبنا أيامها ولوقت طويل أن ذلك هو اسمه، لكننا اكتشفنا بعد ذلك أنه لا يتقن سواها، والآن دعوني أضيف إليها كلمة ثقافة وأقول مردداً: “سلامات يا ثقافة”.