
أولويات الإصلاح
تشهد سوريا اليوم واحدة من أدق مراحل تاريخها المعاصر بعد سقوط نظام بشار الأسد وتفكك مركزية السلطة التي حكمت البلاد لعقود طويلة، فإلى جانب سلطة الحكومة المؤقتة نلاحظ وجود منطقة جبل العرب التي ارتسمت فيها سلطة محلية درزية تحت وصاية إسرائيلية غير معلنة، ومناطق شرق الفرات التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية بدعم أميركي. وقد أظهرت الخيارات العسكري فشل سلطة دمشق في ضم هذه المناطق عنوة، ما يتطلب وضع خطة استراتيجية تحاكي الواقعية السياسية المحلية وتتماهى مع تجارب دول خرجت من نزاعات مشابهة مثل البوسنة ورواندا وجنوب أفريقيا.
وهذا يتطلب خمس خطوات رئيسية وهي:
1- الشق الأمني:
وهذا يتطلب، إعادة هيكلة الجيش السوري بضم عناصر منشقة عنه، واعتماد نظام ترفيع متزن مع الخبرة العسكرية والأمنية، وليس اعتبارات الولاء التي باتت ظاهرة للعيان. مع مراعا للواقع الأمني والعسكري للمناطق الخارجة عن سلطة أحمد الشرع، بحيث:
- ترسم خطة تعاون مع قيادات قسد لضمان أمن الحدود السورية – العراقية، والحدود السورية – التركية.
- رسم خطة تعاون بين قوات المجلس العسكري الدرزي والجيش السوري، لضمان ضبط الأمن في المنطقة الجنوبية للبلاد.
- إعادة هيكلة المسلحين المحليين في قوات الشرطة والامن المحلي، بحيث يكون كل طرف مسؤولاً عن منطقته، ضمن سياسة تعاون مع وزارة الداخلية.
2- الجانب الإداري:
يمكن تحويل حالة التشرذم الإدارية الحالية إلى أداة استقرار إذا تم الاعتراف به مؤقتاً ضمن هيكل حكم لا مركزي انتقالي، يسمح لكل منطقة بإدارة شؤونها المدنية والخدمية والأمن الداخلي، مع بقاء السيادة الخارجية والدفاع والموارد الوطنية بيد الحكومة الانتقالية، وهذا الأمر يفرض على سلطة دمشق أن تعيد صياغة الإعلان الدستوري، ليكون متماشياً مع سياسة تصفير المشاكل الداخلية خلال المرحلة الانتقالية، وطبعاً هذا التنازل من دمشق يجب أن يرافقه تنازل من مجلس سوريا الديموقراطي بأن تمنح مناطق الرقة ودير الزور والحسكة قرارها بإدارة الحكم وفق مقتضيات الحالة اللامركزية.
3- حكومة طوارئ اقتصادية:
ومهمة هذه الحكومة البحث عن خيارات تنموية حقيقية، مثل إبرام عقود بنسب فائدة عالية لشركات القطاع الخاص التي يديرها سوريون أثرياء، لهدف توفير الكهرباء، لحين إلغاء العقوبات الدولية وفتح السوق المحلية على مجال تنافسي استثماري حقيقي.
أيضاً من الضروري اعتماد عملة رقمية جديدة لسوريا، بدل طبع عملات ورقية تكلف خزينة الدولة أموالاً كثيرة، خاصة وإن احتمال انهيار العملة الجديدة هو وارد جداً بظل غياب برنامج اقتصادي تنموي مدروس بعناية، وبظل غياب شراكات مع صندوق النقد الدولي، وضعف في معايير الشفافية المؤسساتية، إلى جانب الخلل الأمني والإداري الواضح لأي مستثمر.
وهناك خطط عديدة من الممكن طرحها مثل إنشاء بنوك للفقراء ممولة من الأموال المصادرة من الفاسدين، أيضاً من الممكن إعادة تأهيل تجار الحروب الجدد بأن يستثمروا أموالهم في بنوك لهم نسبة مماثله لنسبة الدولة السورية، ولهذا الشكل تضمن الدولة ولاءهم ورغبتهم بالاستقرار والتعمير وعدم تهريب أموالهم لخارج سوريا.
4- برامج للعدالة الانتقالية:
وهذه البرامج يجب أن يتشارك فيها وزارة الاعلام والقضاء، مع ضمان حصول المتضررين على تعويضات من رأس المال المجمد للمسؤولين السابقين، بالكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين، منع جرائم الثأر والحرب، محاكمة كبار المسؤولين عن الجرائم وفق القانون.
5- الاعتراف الدولي:
لا يمكن لدولة هشة مثل سوريا أن تحصل على اعتراف دولي، واحترام للخصوصية المؤسساتية فيها بدون ضمانها للخطوات التالية:
1- المشاركة بالمحافل الدولية، تقديم تقارير تبرز شفافية الدولة أمام المجتمع الدولي.
2- السماح بحرية الإعلام، ضمان حرية وترخيص مؤسسات المجتمع المدني، إقرار الحريات السياسية.
3- السعي لتصفير المشاكل مع جيران سوريا.
4- موازنة استقلالية القرار السوري، مع مراعاة للمتطلبات الإقليمية، وهذا الأمر لا يمكن أن ينجح إلا بوجود مجلس الشعب حقيقي وليس صوري كما هو الآن.
5- ضمان حرية العقيدة، والتنقل، والرأي.
6- توسيع المشاركة السياسية في عموم الدوائر الإدارية، وضمان نسبة لا تقل عن 43% للمرأة في مختلف مجالات الحياة.
7- ضمانة تحقيق فصل السلطات في البلاد، مع اعتماد نظام إداري يضمن الموازنة بتوزيع الثروات بين عموم المحافظات.
طبعاً هذه الخطوات الخمس هي ملخص يحتاج لطرح استراتيجيات عمل تناقش بعناية من قبل الأكاديميين وصناع القرار السوريين، وهذا بالتأكيد يتطلب إعادة اجراء مسح سكاني جديد في سوريا، مع إعادة دراسة لعموم المشاريع الاقتصادية التي كانت في زمن الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهذا بالحقيقة سيكون فرصة مميزة للطلبة في الجامعات بأن يجروا تلك الأبحاث بإشراف من مدرسيهم، وبهذا الشكل ستتحول سوريا إلى ورشة عمل تنموية حقيقية، وبالتأكيد المجتمع المدني والأكاديميين السوريين في المغتربات جاهزين لتقديم النصح وتوفير فرص التواصل مع المؤسسات المانحة التي لديهم علاقات معها.