
أمين شيخ كولين.. بين الوجدان والسياسة
أثار تصريح أمين شيخ كولين[1] مناخاً صاخباً في الفضاء الكردي، وكأنّ الرجل، بمجرد أن تكلم، فتح باباً على انقسام قديم بين تقديس الرموز وتجريمها. بعضهم رأى فيه عودةً لصوت من جيل نضالي منسي، وبعضهم الآخر قرأه كرسالة تطبيع صريحة مع سلطة دمشق، عبر الإشادة بالرئيس أحمد الشرع، ذاك الاسم المثير للجدل الذي لا يقارب إلا ويُستدعى معه شبح الاصطفاف.
لكن ما بدا أكثر خطورة من الثناء على السلطة كان أسلوب الرجل في التعرض لرموز كردية أخرى، إذ وصّف مظلوم عبدي بـ”الكرباج”، ومحمد إسماعيل بـ”السكون”. هنا، انتقل التصريح من مساحة النقد السياسي إلى مساحة الطعن الشخصي. تحوّل من خطاب جامع يفترض أن يستنهض الكرد إلى خطاب تقسيمي يعمّق الشرخ بينهم. فهل أراد الرجل أن يذكّر بعلل الحركة الكردية أم وقع هو نفسه في فخ إعادة إنتاجها؟
ثمّة أيضاً غلبة وجدانية تُربك الخطاب. حين يقدّم نفسه “ممثلاً وجدانياً” للقضية الكردية، يضع نفسه خارج السياسة وشرعيتها. هو اعتراف بالانتماء أكثر من كونه تفويضاً سياسياً، لكنه في السياق السوري المأزوم يصبح مدخلاً لاتهامه بالتحدث باسم لا يملكه. وهذا ما يجعل كثيراً من طروحاته تبدو أقرب إلى المناشدة الأخلاقية منها إلى المشروع السياسي.
حتى مطالبه – العادلة في جوهرها، إعادة الأملاك، إنصاف المتضررين، إلغاء المراسيم التمييزية – تبدو، في توقيتها وشكلها، ضرباً من المثاليات غير القابلة للتحقق خارج تسوية شاملة. وهذا يُضعف أثرها، ويجعلها تُقرأ كخطاب شعاراتي أكثر من كونه خطة تفاوضية. وما زاد من هذه الهشاشة لغته في “الخزي والعار” و”الخونة”، حيث تراجعت الدبلوماسية أمام التعبئة، وكأنّ الرجل يخاطب جمهوراً محلياً ضيقاً لا ساحة سياسية أوسع.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن حضور من تبقى من جيل المناضلين الأوائل يمنح المسألة الكردية وزناً إضافياً، لا سيما في زمن خواء سياسي صنعه الاستبداد. كولين، رغم ما في خطابه من هنات، هو واحد من هؤلاء، وما يقوله يستحق الإصغاء، ولو من باب احترام الذاكرة النضالية التي حملها.
لكن يبقى السؤال، ما الذي قاله كولين ويستحق عليه كل هذا العصف؟ أليس من الطبيعي أن يخاطب من يرى فيه عنواناً للسلطة، حتى لو كان اسمه أحمد الشرع؟ أليس نقد مظلوم عبدي لقسوته أو تحميل محمد إسماعيل مسؤولية خمول المجلس الكردي، أموراً لها أساس واقعي، مهما قُدِّمت بلغة جارحة؟ ثم، أليس من حق الفرد – لا الأحزاب وحدها – أن يطرح تصوره عن حقوقه، كما تكفل الشرعة الدولية؟
اللافت أنّ كولين، رغم كل شيء، لم يدعُ إلى عنف أو انفصال، بل ربط الحل بالمسار السلمي والديموقراطي. أشار إلى خطوة رمزية كإطلاق نشرة بالكردية على الإعلام الرسمي واعتبرها اعترافاً، وإن محدوداً، بالوجود الكردي. وطرح، بتركيز، ثلاثة مراسيم محددة.
في ذلك، بدا رجل تفاوض أكثر من كونه صاحب هتاف. وحتى شعاره الختامي: “عاشت كردستان حرة… عاشت سورية حرة” لم يكن نزقاً قومياً بل محاولة للمزاوجة بين انتماءين.
الواقع أنّ تصريحه، بما فيه من مثالية وشطط وجداني، وما فيه أيضاً من واقعية ومسار تفاوضي، أعاد إلى الساحة الكردية مبادرة مفقودة. والأجدى، بدلاً من إغراق الرجل بالشتائم والاتهامات، أن تُستعاد هذه المبادرة ويُبنى عليها. فلعلها تكون فرصة للمجلس الوطني الكردي، ذاك الكيان الغائب، كي يجد طريقه من الظل إلى الضوء.
[1]– نص تصريح السيد أمين شيخ كولين (مناضل كردي قديم وسجين سابق): “أنا أمين شيخ كلين أرحب ونرحب ونشكر باسم الشعب الكردي في سورية حكومة الرئيس أحمد الشرع لإطلاقهم نشرة أخبار باللغة الكردية في الإخبارية السورية، ولأول مرة في تاريخ الدولة السورية، ونتمنى أن تخطو خطوات أخرى على مسار حل القضية الكردية سلمياً وديموقراطياً… واعتبر نفسي ممثلاً وجدانياً للقضية الكردية، بينما الجنرال مظلوم يمثل القضية بالكرباج، وشرعياً محمد إسماعيل يمثل القضية ولكنه ساكن بلا فعل… وندعو الرئيس الشرع اصدار ثلاثة مراسيم تشريعية قبل أية حوار: 1- المرسوم الأول يتضمن إلغاء كل المراسيم والقرارات والأوامر الإدارية التي تحرم الأكراد من حقوقهم. 2- المرسوم الثاني يتضمن إعادة الأموال والأراضي الكردية المغتصبة إلى أصحابها وتعويضهم الأضرار بما هو ممكن. 3- المرسوم الثالث يتضمن منح القومية الكردية حقوقها كاملة داخل الدولة السورية القائمة… اللهم فاشهد قد بلغت… عاشت كردستان حرة أبية… عاشت سورية حرة أبية… الخزي والعار لأعداء الحق والحرية والعدل والخونة… الحكمة والتواضع والعدل أساس أي حكم”.