ألوان الشعر الشعبي في الجزيرة والفرات

0

هل للماء وأهله علاقة وطيدة مع الحزن والبعد والفراق، وهل لتلك المساحات الشاسعة من البوادي والسهول الفسيحة والصحارى علاقة بذاك العشق السرمدي والحب الذي يبقى يلح على القلب حتى لحظاتنا الأخيرة؟

نسأل عن ذلك ونحن نستعرض كتاب ألوان الشعر الشعبي في الجزيرة والفرات وغايتنا هي الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلها الأستاذ المحامي رشاد حامد المصطفى في التقصي والبحث والتأليف وهو الشاعر الذي تتقطر منه روعة مدينة الرقة وعذوبة مياه الفرات.

يذهب الكتاب نحو الكثير من التعريفات والتصنيفات والأنواع التي يتميز بها الشعر الشعبي في الجزيرة والفرات، وهو كما يصفه الشاعر كما هي الورود والأزاهير متباينة الألوان والأشكال والروائح، وكما هي الأيام بين شتاء وصيف وخريف وربيع.    

من أهم ألوان ذلك الشعر” العتابا” التي تنقسم إلى ” الفراكيات” دلالة على الفراق سواء كان ذلك بالابتعاد عن الديار والذكريات أو مدح من يستحق وذم أهل الخصال السيئة، أما القسم الثاني من “العتابا” فهو ” الهواويات” ويتضح من تلك التسمية أنه يتعلق بما يهواه القلب، وهذا الصنف عموماً يتضمن وصف الخدود والعيون والصدر والخصر النحيل والطول والجدائل، وهناك نوع ثالث من “العتابا” يسمى “الأبوذية” ويرجح الكاتب من خلال استعراضه لبعض الأمثلة انتسابها إلى العراق وخاصة في الجنوب والأهوار، وهي تتميز بسهولة كلماتها وانسيابيتها ومثال على “الفراكيات” قولهم: “توالي الليل عنيتم يا خلان – وعليكم شارب الحنظل يا خلان – ولي جرح بدلالي يا خلان – مسوس ما نفع كثر الدوا”   

اللون الثاني هو “السويحلي” وقد جاءت التسمية من السحل وجر السفن على ضفاف الأنهار، وهو من أجمل ألوان الشعر الشعبي، ويغنى كما العادة بعد ” العتابا” وعلى الأغلب تكون تسميته حسب الآلة الموسيقية التي ترافقه، ولهذا السبب يقال “سويحلي ربابة، سويحلي زمارة، سويحلي منفرد” وهو مزيج من الحزن والفرح، ويقلب هذا الشعر إلى اللون الدرامي وذلك حين يصبح الشطر الثاني هو الأول.

“النايل” من ألوان الشعر الشعبي، ومن أهم صفاته العذوبة والرقة ويشبه بفصل الخريف وهو يدل بطريقة ما على الرحيل والفراق ومثال على ذلك :”ياما قعدنا سوى والبيت برواقين، والكمر تالي الشهر ما بين تشرينين”.

ومن ألوان الشعر الشعبي أيضاً “الموليا” ويقال هو اللون الأكثر انتشاراً في وادي الفرات ويتفرد هذا اللون بموضوعة الحب والغزل وهذا ما يميزه عن بقية الألوان التي ذكرت سابقاً ومن الأمثلة على ذلك قولهم: “لي عشيرن مضى اسمو باليساري – يهلن دموعي على لذة معانيه”

ومن “النايل” يتفرع ” الزهيري” وانتشاره  أكثر في العراق، ويعد “اللكاحي” من الألوان المشهورة في الشعر الشعبي والمعروف في مدينة الرقة وأشهر من غناه هو المطرب” حسين الحسن” ومثال على ذلك قولهم “بي ثلاثة بالدنيا ما جاسهن عذروبي – الثريا ونجم سهيل والثالثة محبوبي” أما اللون الأخير الذي ورد في هذا الكتاب، فهو “التشاطيف” وبعضهم يطلق عليه تسمية “المامر أو الميمر” كما يطلق عليه بعضهم اسم “أبو الخديد” ومثال على ذلك قولهم: “أبو الخديد الوردتين الياعم – فرفح قليبي يوم صاحت يا عم – لا تقعد الغرنوج نايم ياعم – من شمس مبارح راس خدو محمر”.

لا يتسع المجال في هذه العجالة إلى أخذ الكثير من الأمثلة عن الشعر الشعبي، كما تجنبنا وللسبب ذاته التطرق إلى المواصفات الفنية التي يمتاز بها هذا النوع وما يجب أن تكون عليه أبياته التي تمتد في جذورها إلى عمق الموروث الذي يمثل ذاكرة الشعوب وسواء كان هذا اللون أو ذاك مفضلاً في الرقة والجزيرة السورية وكان غيره من الألوان هو الأجمل في نظر أهل العراق، فهو على كل حال يمثل الركيزة الأساس التي لم تكن الحدود تشكل عائقاً أو حداً فاصلاً بين أهلها، ومن الواضح أن الشاعر رشاد حامد المصطفى في هذا الكتاب قد شيد ذلك الطريق وعبده بروية وإتقان وتمهل كي يسير عليه من أراد البحث في هذا المجال، وفيه نجد ما يدل على العطاء والمحبة والجمال، وفيه من الشمائل والخصال ما يستحق المتابعة والتنويه إلى جدارته.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني