أربعة عشر عاماً من النضال… وسؤال الوفاء بعد الانتصار

0 23

بعد أربعة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية لم تعد المسألة مجرد استعادة لذكريات البدايات أو قراءة في مسار طويل من الصراع. بل أصبحت أيضاً مواجهة مع أسئلة مؤلمة تتعلق بما جرى بعد الانتصار نفسه. فالثورات لا تُختبر فقط في لحظات المواجهة بل في الطريقة التي تتعامل بها مع أبنائها حين تتغير موازين القوة ويبدأ بناء الدولة الجديدة.

خلال هذه السنوات الطويلة تشكّلت طبقة نضالية واضحة المعالم. رجال ونساء لم يتعاملوا مع الثورة كحدث عابر أو فرصة سياسية. بل كمصير ارتبط بحياتهم ومستقبلهم. بعضهم ترك عمله واستقراره وبعضهم فقد بيته أو اضطر للنزوح مرات عديدة وآخرون دفعوا أثماناً أكبر بكثير. كانوا في الشوارع في الأيام الأولى. ثم في ميادين العمل العسكري والسياسي والمجتمعي حين أصبحت الثورة واقعاً معقداً يحتاج إلى صبر طويل وإرادة لا تنكسر.

وفي الداخل السوري وخصوصاً في مناطق الشمال والشمال الغربي وحاضرتها ادلب. كان حضور هؤلاء المناضلين واضحاً ومؤثراً. هناك وسط القصف والنزوح والفراغ المؤسسي نشأت تجارب نضالية حقيقية حاولت أن تحافظ على الحد الأدنى من التنظيم والحياة العامة. كثير من المبادرات المدنية والنقاشات السياسية والأحزاب والحركات والمنتديات والمؤتمرات وحتى الأفكار التي ساهمت في توجيه العمل الثوري خرجت من رحم هذه البيئة ومن عقول أشخاص عاشوا التجربة يوماً بيوم.

هؤلاء لم يكونوا مجرد مشاركين في المشهد. بل كانوا في كثير من الأحيان أحد أهم محركاته. كانوا يعرفون المجتمع الذي خرجت منه الثورة ويدركون تعقيداته ويحملون ذاكرة حية عن مسارها وتحولاتها. خبرتهم لم تكن نظرية بل تشكّلت في ظروف قاسية حيث كانت القرارات تُتخذ أحياناً تحت القصف أو في ظل نزوح جماعي أو انهيار مؤسساتي كامل.

لكن المفارقة المؤلمة بدأت تظهر بوضوح بعد مرحلة الانتصار وبداية تشكّل مؤسسات الدولة الجديدة. فبدل أن تكون هذه اللحظة فرصة للاستفادة من خبرة الذين حملوا عبء الثورة طوال سنواتها الصعبة وجد كثير منهم أنفسهم خارج دوائر القرار أو بعيدين عن مواقع التأثير.

وفي المقابل برزت ظاهرة أخرى أثارت الكثير من التساؤلات والدهشة وهي الاعتماد المتزايد على أشخاص أقل خبرة وأحياناً أقل كفاءة وبعضهم ما يزال في بداية تجربته السياسية أو المهنية. كثير منهم لم يعش مراحل الثورة المعقدة ولم يختبر التحولات التي مر بها المجتمع السوري خلال سنواتها الطويلة.

لا يتعلق الأمر هنا بعامل السن بحد ذاته فالشباب كانوا دائماً جزءاً أساساً من أي حركة تغيير. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح معيار الاختيار قائماً على عوامل أخرى مثل الولاء المفترض أو القرب من مراكز القرار او الشللية او سطوة الفصائلية وإرادة امراء الحرب بدل أن يقوم على الخبرة والمعرفة العميقة بتجربة المجتمع والثورة.

وهذا ما يثير لدى كثير من المناضلين الاحرار شعوراً يصعب تجاهله هو شعور مزيج من الاستغراب والألم. فبعد أربعة عشر عاماً من العمل والتضحية يجد بعضهم نفسه يشاهد المشهد من بعيد بينما تُسند مسؤوليات حساسة وادوار عظام إلى أشخاص لم يعيشوا تلك التجربة ولا يعرفون كثيراً عن تعقيدات المجتمع السوري او السياقات الإقليمية والدولية الذي تحاول الدولة الجديدة إدارته وهذا بحد ذاته أدى الى أخطاء كبيرة خلال السنة الأولى ما بعد التحرير مما كلف الدولة الشعب تحمل أعباء هذه الأخطاء.

الأمر بالنسبة لهؤلاء ليس مسألة مناصب بقدر ما هو سؤال عن الحكمة السياسية. فبناء دولة جديدة بعد ثورة طويلة يحتاج إلى خبرة متراكمة وإلى فهم عميق للسياقات الاجتماعية والسياسية ليس على مستوى سورية فقط بل على مستوى المنطقة والعالم والتي تشكلت خلال سنوات الصراع. وهذه الخبرة لا يمكن اكتسابها بسرعة لأنها في جوهرها نتاج تجربة طويلة من الاحتكاك بالواقع والانخراط بكل تفاصيله.

وما يزيد من حدة هذا الشعور أن كثيراً من أفكار هؤلاء المناضلين ما تزال حاضرة في النقاشات العامة. رؤاهم حول إدارة المجتمع أو حول طبيعة التحولات السياسية التي مرت بها البلاد ما تزال تُستعاد ويُستفاد منها أحياناً. لكن أصحاب هذه الأفكار أنفسهم لا يجدون دائماً مكانهم الطبيعي في المؤسسات التي يُفترض أنها تمثل ثمرة تلك التجربة.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة أن تُستفاد من الفكرة بينما يُهمَّش صاحبها، وأن تُقدَّر الخبرة نظرياً لكن دون أن تتحول إلى حضور فعلي في مواقع القرار.

هذا الواقع يترك أثراً عميقاً في نفوس كثير من المناضلين الذين عاشوا هذه السنوات بكل تفاصيلها. ليس لأنهم يبحثون عن امتيازات شخصية بل لأنهم يشعرون بأن قيمة الوفاء وهي قيمة أساسية في أي تجربة ثورية بدأت تتراجع أمام حسابات أخرى.

الأكثر إيلاماً بالنسبة لهم ليس الابتعاد عن المناصب بل الشعور بأن الذاكرة نفسها أصبحت قصيرة. وكأن سنوات طويلة من الصمود والعمل والتضحيات يمكن أن تتحول بسرعة إلى مجرد فصل من الماضي.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي يعرفها كثيرون في الداخل السوري واضحة وهي أن هذه الطبقة النضالية كانت وما تزال أحد أهم الأعمدة التي حافظت على روح الثورة داخل المجتمع خصوصاً في الشمال السوري. قد لا تكون دائماً في مواقع القرار اليوم، لكن أثرها في الوعي العام وفي التجربة السياسية والاجتماعية لا يمكن إنكاره.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال الماضي بل سؤال المستقبل هو هل يمكن لدولة التي وُلدت من رحم ثورة طويلة أن تبني استقراراً حقيقياً دون الاستفادة من خبرة الذين عاشوا تلك الثورة بكل مراحلها؟

ربما لا تكون الإجابة سهلة لكن ما هو مؤكد أن الوفاء للذاكرة النضالية ليس مجرد مسألة أخلاقية بل شرط من شروط الحكمة السياسية في أي مرحلة انتقالية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني