وحدة الموقف في الجزيرة العربية السورية
تحليل سياسي لمآلات المؤتمر على الوحدة الوطنية
سلامٌ لكل السوريون الأحرار داخل الوطن وخارجه، الذين يسعون إلى بناء دولة ديمقراطية موحدة تضمن الحقوق والكرامة للجميع.
في هذا المقال، سنتناول بصراحة وعمق تحليلي للمؤتمر الذي انعقد في الثامن من آب عام 2025 بمدينة الحسكة، تحت عنوان “وحدة الموقف في الجزيرة العربية السورية”. إن هذا المؤتمر، الذي جمع ممثلين عن مختلف المكونات الإثنية والثقافية في المنطقة “بما في ذلك العرب والكرد والسريان والتركمان والشركس وغيرهم” يطرح تساؤلات جوهرية حول تأثيره على الوحدة الوطنية السورية. هل يعزز هذا الاجتماع فعلياً وحدة الصف الوطني، أم أنه يفتح أبواباً جديدة للتباعد والانقسامات السياسية والإقليمية؟
خلفية المؤتمر: المعطيات والسياقات
لنبدأ باستعراض المعطيات الأساسية التي تشكل الإطار الواقعي لهذا الحدث السياسي:
- الحضور الواسع، الذي تجاوز أربعمائة شخصية بارزة، يعكس تنوعاً إثنياً وثقافياً يمثل نسيج المنطقة الاجتماعي المعقد.
- الشعارات الرئيسية التي رفعت، مثل التعددية المجتمعية، نبذ الطائفية، صياغة دستور ديمقراطي، واللامركزية في الحكم، تندرج ضمن إطار مطالب مشروعة تتعلق بالحوكمة الديمقراطية (عدا اللامركزية إلا الإدارية منها).
- الكلمات الافتتاحية والمداخلات أكدت على ضمان حقوق المكونات الإثنية والثقافية، مع التركيز على مبدأ العيش المشترك كأساس للاستقرار الاجتماعي.
- البيان الختامي، الذي يمثل الإرادة الجماعية للمشاركين، ركز على قضايا حيوية مثل العدالة الانتقالية، رفض التغييرات الديموغرافية القسرية، وتوسيع المشاركة السياسية لضمان تمثيل متوازن.
من الظاهر، تبدو هذه المطالب إيجابية وتتوافق مع مبادئ الديمقراطية الحديثة. ومع ذلك، يبرز الإشكال الأساسي في أن المؤتمر انعقد تحت مظلة إدارية وسياسية خارج إطار الدولة السورية المركزية، مما يثير حساسيات وطنية وسياسية تتعلق بسيادة الدولة ووحدتها الترابية. إن هذا السياق يحول المؤتمر من مجرد اجتماع محلي إلى حدث يحمل دلالات جيوسياسية أعمق.
القراءة السياسية: أسس الوحدة الوطنية وتحدياتها
تستند الوحدة الوطنية السورية، كمفهوم سياسي جوهري، إلى ثلاثة أسس أساسية يجب الحفاظ عليها لضمان الاستقرار الداخلي والسيادة الخارجية:
1- سيادة الدولة الواحدة: وهي تشمل الاحتكار الشرعي للقوة والسلطة المركزية، وفقاً للقانون لنظرية ماكس فيبر في علم الاجتماع السياسي، حيث تكون الدولة المصدر الوحيد للقوانين والمؤسسات.
2- وحدة الأرض والشعب: وتعني الحفاظ على التراب الوطني ككيان غير قابل للتقسيم، مع تعزيز الاندماج الاجتماعي بين المكونات المتنوعة.
3- التعددية ضمن الإطار الوطني الجامع: حيث تُمارس الحريات السياسية والثقافية داخل سقف دستوري موحد، يمنع تحول التعددية إلى فوضى إقليمية.
عندما ينظم أي مكون إثني أو إدارة محلية مؤتمرات كبرى خارج هذا الإطار الوطني، حتى لو كانت النوايا نبيلة، فإن المحصلة السياسية قد تكون تعزيز الانقسامات الإقليمية. إذ يؤدي ذلك إلى تشجيع كل طرف على العمل وفق شروطه الخاصة، مما يضعف الانسجام الوطني ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية. بالمقابل، لو طرحت نفس المطالب ضمن مؤتمر وطني شامل برعاية الدولة السورية، لأصبح التأثير إيجابياً، يعزز المصالحة الوطنية ويبني جسور الثقة بين المركز والأطراف.
الموقف الرسمي وردود الأفعال: التوترات والفرص
أثار المؤتمر ردود فعل متنوعة على الساحة السياسية السورية، تعكس التوترات المتجذرة في الصراع على الشرعية:
- اعتبرت الحكومة السورية المؤتمر “خرقاً” للمسار الوطني، وأعلنت رفضها لأي اجتماعات مرتبطة به، محذرة من أن ذلك يمس بمبدأ السيادة الوطنية.
- رأت أطراف سياسية معارضة أن المؤتمر قد يمثل ورقة ضغط استراتيجية على دمشق، خاصة في سياق المفاوضات المحتملة حول الحوكمة اللامركزية.
- في المقابل، أشار آخرون إلى أن هذا الحدث يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية إذا أدى إلى انفتاح حوار حقيقي مع المركز، مما يفتح آفاقاً لعملية سياسية شاملة.
هنا يكمن جوهر المسألة: ليس المؤتمر بحد ذاته المشكلة، بل غياب التنسيق مع الدولة المركزية هو الذي يولد فجوات سياسية واجتماعية، قد تتسع إلى انقسامات أعمق.
مآلات المؤتمر على الوحدة الوطنية: السيناريوهات المحتملة
لنكن واضحين في التحليل: إن مآلات هذا المؤتمر على الوحدة الوطنية تعتمد بشكل حاسم على الخطوات اللاحقة، ويمكن تلخيصها في سيناريوهات متباينة:
- إذا أدى إلى انفتاح على دمشق، مع دعوة لعقد مؤتمر وطني جامع، فسيتحول إلى خطوة إيجابية تمهد للمصالحة الوطنية وتعزيز الانسجام الاجتماعي.
- أما إذا استمر العمل في معزل عن الدولة المركزية، فسيؤدي إلى تكريس الانقسامات، ما يضعف النسيج الوطني ويفتح الباب أمام مخاطر الانهيار الداخلي.
- في كلا الحالتين، يظل الشعب السوري المتضرر الأكبر، إذ يدفع ثمن أي انقسام أو وحدة، في سياق يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية مستدامة.
إن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار بلاغي، بل هي التزام عملي يتجسد في جيش واحد، دستور واحد، مؤسسات موحدة، وأحزاب سياسية تعمل بحرية ضمن سقف القانون الوطني، مستنداً إلى مبادئ الديمقراطية التمثيلية.
رسالة إلى المكونات السورية: نحو مسار وطني جامع
أخيراً، رسالتي إلى كل المكونات السورية: حرية التجمع والتشكيل السياسي حق مشروع، لكنه يجب أن يتم ضمن إطار وطني يضمن أن كل سوري، من القامشلي إلى درعا، يعيش تحت علم واحد، دستور واحد، وحقوق متساوية. إذا أردنا بناء سوريا جديدة، فيجب أن نعمل معاً، لا كل طرف على حدة. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بالخطابات فحسب، بل بالقرارات المشتركة والمسار السياسي الجامع الذي يجمع بين التنوع والوحدة.