هل الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري شامل ترفٌ سياسي أم ضرورة تاريخية؟

0

لا تبدو القضايا الطافية على سطح الصراع في سوريا بين حكومة العهد الجديد الانتقالية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع مع كلٍ من التيارين “الهجري والقسدي” إنها في طريق تذويب التناقضات بينهما بهذه البساطة، فمقدمات مطالب هذين التيارين بحاجة إلى إضاءة قياساً مع مربع الوطنية السورية الجامعة.

الدعوات الضيّقة التي قال بها بعض غلاة الأمور في السويداء حول إرادتهم بالدعوة إلى إجراء استفتاء برعاية دولية غايته فصل هذه المحافظة عن وطنها الأم سوريا، نعتقد إنها دعوة رفع سقف للمطالب للحصول على أكبر قدرٍ ممكن من الميزات الخصوصية لهذه المنطقة. وهي دعوة تخفي في الآن ذاته المصالح الفئوية الضيّقة لأصحابها، ولا تعبّر عن الغالبية الساحقة من مواطني هذه المحافظة المشهورة بتاريخها الوطني.

الوضع الثاني هو وضع شمال شرق سوريا أي منطقة الجزيرة والفرات السورية، هذه المنطقة التي تقع تحت سيطرة ميليشيات ما يسمّى (ميليشيات قوات سوريا  الديمقراطية “قسد”) هي الأخرى لا تزال في وضعية صراع مع حكومة العهد الجديد، حيث تريد هذه الميليشيات فرض رؤيتها السياسية على غالبية الشعب السوري الساحقة من خلال الإصرار على ما يطلقون عليه “اللامركزية السياسية” وهو طرح لا يقبل به السوريون وفي مقدمتهم الحكومة الانتقالية، إضافة إلى إمكانية حدوث تدخل تركي لمنع إرهاصات انفصال هذه المنطقة وتأثيرها على مناطق أكراد تركيا في الجنوب الشرقي من تركيا.

هذان الوضعان المتأزمان، إضافة إل تجاهل الحكومة الانتقالية للمطالب بضرورة مشاركة كل الأطياف السياسية في إدارة شؤون بلادها، يدفع نحو تلمّس حل وطني لكلّ هذه الأوضاع، وهذا الرأي سمعته من شخصيات تنتمي إلى أحزاب وطنية سورية مثل حزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الوطنية السورية وغيرهما من قوى، وإن تلمس حل وطني يحدث من خلال عقد مؤتمر وطني سوري شامل لكل المكونات الوطنية في البلاد.

الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر الوطني هي دعوة تكتسب أهمية وطنية كبرى، فحين يجتمع كل ممثلي السوريين في مؤتمر وطني لن يستطيع أحد التنصل من مخرجاته الوطنية، وهنا من حقّنا أن نعلن عن استغرابنا من تجاهل حكومة الرئيس أحمد الشرع الانتقالية لهذا المطلب الهام جداً، سيّما وإنها ترتكز على قاعدة تأييد شعبية واسعة، وإن هذا المؤتمر سيجعل الالتفاف حولها أكثر باعتبار إن هذه الحكومة سيتم تغييرها لتكون تمثيلاً عن كل فئات الشعب السوري.

وفي حالة التوافق الوطني حول عقد هذا المؤتمر، ينبغي أن تشكّل الحكومة الانتقالية لجنة تحضيرية له من ممثلين للمكونات السياسية والاجتماعية السورية، هذه اللجنة التحضيرية هي من يضع برنامج أعمال هذا المؤتمر وفق أهميتها، بحيث تتمّ مناقشتها في المؤتمر المذكور.

إن التوافقات ضرورة وطنية للخروج بمربع تفاهمات ملزمة حول بنية الدولة السورية ونظامها السياسي الذي يمكن اختيار شكله عبر التفاهمات، وليس تحت الاحتماء بالسلاح الفئوي خارج سلطة الدولة.

المؤتمر الوطني لن يكون عبر دعوات فردية، بل عبر تمثيلات وطنية عامة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وهذا هو ما يجعله فوق كل الفئويات الضيّقة، ويجعله منصة للتمثيل الوطني الأكبر، ونقصد إن كل المكونات الدينية والطائفية والسياسية والاجتماعية ستجد نفسها ممثلةً بهذا المؤتمر وإن مخرجاته ستكون مظلة لاستقرار الجميع ووحدتهم الوطنية.

وفق هذه الرؤية والمقترحات، نعتقد بضرورة أن تبادر القوى السياسية والاجتماعية السورية إلى تشكيل وفد يمثلها، بحيث يقوم هذا الوفد بالتواصل مع الرئيس الانتقالي للجمهورية ومع الحكومة الانتقالية للتوافق على عقد المؤتمر الوطني السوري مع بيان مرجعيته وأهمية قراراته وإلزاميتها لكل الفئات في البلاد.

كذلك ينبغي للجنة التحضيرية بعد التوافق على تشكيلها وتمثيلها أن تضع برنامج أعمال المؤتمر المزعوم، وأن تحدّد آليات النقاش فيه وطريقة اتخاذ قراراته عبر قاعدة التفاهمات الوطنية. وهذا يقود إلى تحديد مكان وزمان انعقاده في البلاد، بحيث يمكن دعوة ممثلي الدول الشقيقة والصديقة كضيوف في المؤتمر.

إن المؤتمر الوطني المذكور ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة تاريخية لبناء سوريا الجديدة التي تكون لكل أبنائها. وهذا الأمر يحتاج من الحكومة الانتقالية إلى تبنّيه والعمل على عقده وإنجاحه، ففي ذلك تضييق شديد لتدخلات قوى خارجية لها أجندات تريد من خلالها الاستفادة أقصى ما يمكن من الصراع في البلاد لتحقيق أهدافها الاستراتيجية المضرّة والمعادية لمصال كل السوريين.

الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري شامل يبدأ من خلال تشكيل وفد لهذه المبادرة. بحيث يذهب للقاء الرئيس بأسرع ما يمكن.

 فهل تتوافق القوى السياسية والاجتماعية السورية على شغل مربع التفاهمات الوطنية وتشكّل وفدها، وهل سيكون هناك من يراوغ ويمتنع بحجج مختلفة للتنصل من الالتزام بعقد المؤتمر والتنصّل من مخرجاته؟

إننا ننتظر هذه الخطوة الهامة، ولكن في الآن ذاته فليعلم الجميع أن إرادة الشعب السوري أعلى وأكبر من كل إرادة فئوية مهما حاول أصحابها تضخيمها، ومن يتنصّل سيعرّي نفسه، وبالتالي سيعرف السوريون الحقيقة بمن فيهم من يدعون تمثيلهم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني